من كتاب عائد من جهنّم.. ذكريات علي أبو دهن (17)

66

باب الهجرة إلى الجحيم من بيروت إلى السويداء.
ذكريات من تدمر واخواته.

——84——

لم يخرق جدار الألم يومها سوى صراخ المساجين من لوعة النظافة… وضريبة الاستحمام في الأسر. بعد حين انقسمنا إلى خمسات، فدخل الفريق الأول على أن ترش المياه على الواحد مالا يزيد عن النصف دقيقة. أما هذه الأخيرة فتارة باردة كالثلج وطورا تحرق كالنار.
خرجنا فأجلسونا على الأرض. وكان بيننا من نسي حرامه في الحمام فجلد نصب أعيننا عاريا.
ودرب العودة إلى المهجع هي نفسها درب الأنطلاق منه… مع كل ما يعني ذلك من ضرب.
قبيل دخولنا، خبا الرقيب أحد المساجين وأمر رئيس المهجع بعد الصف. وكنا لكثرة الخوف نقف عشوائيا، فخيل إليه أن التعداد كامل لم ينقص منه أحد.
– سيدي، المهجع كامل التعداد، وهذا السجين من أين أتى؟! قالها الرقيب وهو يدفع بصديقنا المخبأ إلى الصف.
عوقب الرئيس بكسر ضلع بعد أن ضربه أربعة عسكريين بكل ما أوتوا بضراوة وشراسة.
وبقي هذا الأخير يبول دما للأيام الثلاثة المقبلة.
موعد الحمام أول يوم اثنين من الشهر. وكان أحد المأسورين، واسمه جوزيف ضاهر من البترون، يتعثر ويقع اكثر من عشر مرات في طريقه إلى الحمام لكثرة رعبه.

——85——

ما جنبه الضرب مدة حمامين إذ أمر الرقيب بأن يبقى داخل المهجع ظنا منه أنه مريض…
يأخذ روتين العمل اليومي في الأسر مجراه بعد التنفيذ، فيقسم الغذاء تبعا للوجبات ليأكل الجميع.
بعد ذلك نسلم الصحون البلاستيكية للجلي. لهذا قسمنا إلى مجموعات قوام الواحدة منها خمسة أشخاص، تسمى<< قصعة >>، على أن تقوم كل واحدة وفق دورها بجمع الصحون،وغسلها، وشطف المهجع وترتيبه، ورش المياه خارجه. ويتولى المهمة الأخيرة الشباب بيننا، فيما يدخل الأقوى من بينهم الطعام الذي يوضع لنا عند الباب، نظرا إلى ما ينتظرهم عندها من ضرب مبرح من قبل رجال الشرطة. كذلك اعتنت المجموعات الباقية بتسليم أكياس الخبز الفارغة بعد غسلها. وكانت في بعض الأحيان تعاد خياطتها تكبيرا أو تصغيرا، فتصنع منها أكياس لرمي
النفايات، أو تشبك خرقا نضع فيها الثياب المتسخة، أو تفرد خيطانا وحبال غسيل… أو نشبك منها خيطانا لتقطيب الجراح وتنظيف المتقرحة منها.
ويعنى الفريق الطبي داخل المهجع، على رأسه طبيب نلقبه المسؤول الصحي، بجمع القطنيات وغسلها ثم تقطيعها إربا إربا لتحل مكان الشاش، فنملا بذلك نقص الشاش، وكان يلزمنا للجرح الواحد ست إبر شك على الأقل، ندخل منها الخيط لنخرجه من الجهة الأخرى للجرح.
حيث تستعمل الإبرة الثانية وهكذا دواليك… ثم نعيد غسلها وتعقيمها بالمياه والصابون، فنستعملها مرارا وتكرارا، حتى إذا كنا نشذب أطرافها على الحائط كلما دعت الحاجة.

——86——

في تدمر أيضا، يسأل السجين عما يحتاجه من أغراض ليرسلها الأهل. غير أنها تنتهي بغالبيتها مسروقة من قبل آمري السجون. فترى المدخنين يقلقون على حصتهم من السجائر، والمرضى يسألون عن الدواء، والعراة عن بعض الثياب، والجائعين يشتهون رائحة الطعام.
من جهتي، لم أبدل ثيابي من تاريخ اعتقالي حتى 1990، فقبعت في السجن كما دخلته إلى أن اهترأت ملابسي الداخلية تماما. وقررت بعد عدد غير محدود من المعالجات أن أقطع سروالي الداخلي وأحوله إلى مناشف… قصصته اربع قطع، سميت كل واحدة منها منشفة وأهديت أفضل ثلاثة من أصدقائي واحدة بعد أن غربلتها جيدا… فأصبحنا بذلك أربعة مساجين نتمتع بمنشفة نستعملها عند كل غسيل… وحسدونا. بقيت أتساءل ما العمل؟ وأي حياة تلك التي تهبنا قطعة ثياب
داخلية نحولها منشفة ونحسد عليها…!
في أواخر ال 1990، جاء مدير السجن في تدمر يسألنا من منا يحتاج إلأى ملابس داخلية. ولشدة الخوف من العقاب لم يجرؤ على الإجابة إلا عشرة مساجين من أصل مئة وخمسة. فأعطونا قطعة ثياب وقميصا ذكرني، لفرحي به، بيوم ابتاعت لي والدتي المرحومة بنطالا وقميصا للعيد بل وفرحت أكثر إذ كانت المرة الأولى منذ أربع سنوات أعاين فيها اللون الأبيض الناصع.
في السنة التالية سألونا من منا يحتاج إلى <<شحاطة>>. تشجع الشباب وحصلنا جميعنا على أحذية. وكنت عندها أملك واحدة ورثتها عن صديق لي غادر الزنزانة، وقد أعطيته حذائي الخاص شرط أن يذهب ويبلغ زوجتي عن أحوالي بالتفصيل… وأعطاني بدلا منه <<مشاية>> بلاستيكية…!

——87——

عندما بت أملك اثنين، فكرت بأن أحول الثانية إلى حذاء فقصصت القسم الأعلى منها واحتفظت بالكعب. فتحولت خفا جميلا مثل ذاك الذي ينتعله بروس لي في أفلامه.
رآه الرقيب مرة فعاقبني بعد أن علم أنني صنعته بنفسي وصادره. في اليوم التالي وجدته ينتعله، فحزنت كثيرا… دعوت الله أن يقصر عمره وعمر حكومته لكثرة ماسرق مني.
وإن غدا لناظره لقريب.
النوم في تدمر
لعل الوقت الأقل راحة في السجن هو الوقت الوحيد المخصص للراحة. وكان الحراس، أو على الأقل المسؤولون عن السجن، يعتبرون نوم المساجين ترفا لا يقبلون به، فيعمدون إلى تحويله لعنة أخرى من لعنات تدمر اللامتناهية.
هكذا، نستلقي تبعا للمساحة والكثافة، وقد ضاقت بنا الزنزانة في الكثير من الأحيان، عندما يصل عديدنا إلى 148 موقوفا، أي بمعدل 20 سنتيمترا للنوم للشخص الواحد. بذلك، عمد كل سبعة منا لتقاسم عازلين، (والعازل هو قطعة شادرومعها حرام ولا يتجاوز عرضها ال 70 سنتيمترا).
فنضطر إلى أن ننحشر.

——88——

فيضع ثلاثة أشخاص أرجلهم على كتف وظهر أحد المساجين فيدفعون بالآخرين إلى تضييق المسافة كليا… وهكذا دواليك إلى أن ننام جميعا. أقسم بأن سمك السردين في علبته ميسور الحال أكثر منا. أذكر أن حصة السجين في السنتين الممتدتين بين ال 1989 وال 1991 لم تتعد الحرام والعازل الواحد، رغم برد الصحراء القارس ليلا. كما ذكرت فإن موعد النوم يبدأ من الساعة السادسة والنصف مساء لغاية السابعة صباحا… أو وفق مزاج الرقيب.
أما في الصباح فكنا نلتف ب<< اليطق>>، ( الحرامات )، ونجلس القرفصاء، إذ ممنوع علينا السير داخل المهجع.
كان في إحدى زوايا الزنزانة جورتا مياه لقضاء الحاجة. وبما أن كثرة الممنوعات ضيقت ساعات النوم وحرمتنا المشي في غير موعدها في الحمامات، اخترعنا << مبولة >> فقطعنا غالون الماء ووصلنا به أكياس نايلون حتى باتت كالخرطوم الصغير، خطناه بإبرة من العظم وبخيط من النايلون الذي كانوا يدخلون به أكياس الخبز. أو ليست الحاجة أم الاختراع؟!
وصنعنا من الأكياس نفسها حراما يقي المسنين والمرضى البرد، كل وفق سوء حاله.
ولعل أحلك الظروف التي عززت فينا بعض الإنسانية هي تلك التي حضتنا على التكاتف ضد الظلم لنبقى أحياء، كلنا أحياء. على سبيل المثال، تناوب الشباب والأصحاء بيننا على النوم تحت << الشراقة >>، ( أي الفتحة في السقف التي يراقبنا الرقيب أو الحرس من خلالها ليتسلى بنا).

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.