ظاهرة الدحيح.. مسبار كاشف لتهاوي المؤسسات التعليمية والدينية

ما الذي تعبر عنه ظاهرة الدحيح بخصوص بعض البنى الفوقية للمجتمعات العربية، كالدين والتعليم والأيديولوجيا؟ وهل هي مسبار كاشف لتهاوي المؤسسات التعليمية والدينية؟

الأيام السورية؛ عمار عكاش

جاء قرار إيقاف برنامج الدحيح على قناة AJ+ الذي ترافق مع اتهامات له بالسرقة في المحتوى والأسلوب صادماً، فما يقدّمه كان يحظى بشعبية واسعة، بين شرائح اجتماعية مختلفة في سوية تعليمها وثقافتها وبيئتها خاصة شريحة الشباب، فبدا كما لو أنهم عثروا على ضالتهم فيه.

يشبه الدحيح كثيراً من الشباب الطموحين في بدايات حياتهم العلمية أو المهنية، الذين يريدون أن يحصّلوا شيئاً من المعرفة وتطوير الذات، لكن الطرق التقليدية المملّة لا ترضيهم في عصرٍ تغير في إيقاعه ووسائل تواصله، وتغير مفهوم المعرفة فيه وأسلوب تقديمها، فلم يعد أحد يتقبل أساليب المحاضرات القديمة، والتلقين أو حتى البروفيسور الذي يقدم نفسه كشخص أعلى مرتبة يعلّم طلبةً عليهم أن يبجلّوه وينصتوا إليه.

وجد الشباب في الدحيح صديقاً يفهمهم ويقدّم لهم معلومة مفيدة وشيّقة بأسلوب جميل وممتع، كأنه يحاورهم ويجالسهم في منازلهم، خاصة أنه يظهر متحدثاً من غرفته التي ينام ويمارس أنشطته فيها، مما جعلهم تلقائياً يجدون أنفسهم فيه، وليس عبثاً أن كثيراً من حلقات برنامجه كانت تحظى بمشاهدات تتجاوز المليون رغم أن الشعبية ليست مؤشراً كافياً دوماً.

لا أريد أن أدخل هنا في تفاصيل اتهامه بالسرقة، فهذا الموضوع ما زال مثار جدل وليس هذا موضوع المقال، إنما أريد أن أناقش دلالات ظاهرة الدحيح من ناحية شعبيتها ومن ناحية وجود أناس كارهين لها، وأطرح سؤالاً: ما الذي تعبر عنه بخصوص بعض البنى الفوقية للمجتمعات العربية، كالدين والتعليم والأيديولوجيا؟

وجد الشباب في الدحيح صديقاً يفهمهم ويقدّم لهم معلومة مفيدة وشيّقة بأسلوب جميل وممتع، كأنه يحاورهم ويجالسهم في منازلهم، خاصة أنه يظهر متحدثاً من غرفته التي ينام ويمارس أنشطته فيها، مما جعلهم تلقائياً يجدون أنفسهم فيه.

لفت نظري أن قسماً من محبّي الدحيح من “عشاق المحتوى العلمي وإعمال العقل” يدافعون عنه باستماتة أمام اتهامه بالسرقة دون تدقيق كافٍ في الموضوع ودون بحثٍ في مفهوم سرقة المحتوى (وكذلك الحال بالنسبة لكثيرٍ من كارهيه ممّن يتهمونه بالسرقة)، هذا الأمر في جزء منه له علاقة بعبادة النجوم وتأليه من نحبّ وشيطنة من نكره، الخاصية الأولى داء عالمي، أما الثانية فهي من خصائص مجتمعات المنطقة العربية فالحب يأتي كما الكراهية عمليةُ عنفيّة تملكيّة، تشمل إسقاطاً لشتى المشاعر والطاقات التي لم تجد موضوعها أو هدفها، فتأتي حادةً قاسية. ولكن أيضاً يرتبط هذا التعلّق بمحبتهم للمضمون المقدّم وحاجتهم إليه لدرجة أن الكثيرين يجدون صعوبة في الاعتياد على عدم وجود حلقات الدحيح التي كانت تُبثّ بكثافة، وعدا عن الجانب العلمي الذي يشكل حاجة هنا، يوجد عطش دائم ومفهوم للضحك لدى شعوب مقهورة وأفراد مستائين ومغتربين عن محيطهم وواقعهم.

ما قدمه الدحيح كان مسباراً كاشفاً لفشل منظومات التعليم المريع لدينا، حيث يجد الطالب نفسه في مكان يشبه السجن في أساليب ضبطه وتدجينه للناس إن استخدمنا لغة فوكو، أضف إلى ذلك أن المدرسة العربية هي سجن ليس بالمعنى المعرفي فقط بل حتى في أساليب تعليمها وعقابها وفي أسوارها الحصينة التي تمنع هروب الطلبة، فأن يقول كثير من الشباب إنني تعلمت من حلقات الدحيح أكثر بكثير مما تعلمته من معلومات في مدرستي ليس كذباً أو مغالاة إنها حقيقة.

لا نتوقع هنا من المدرسة أن تقدم معلوماتٍ للطلبة في شتى العلوم ومجالات الحياة، لكن المشكلة أنها لا تخلق فيهم محبة البحث ولا تحفز فضولهم المعرفي بل إنها تقتل مواهبهم أحياناً، وأسلوب الاختبارات المدرسية الذي يطالب الطلبة بإعادة تفريغ ما حُشِي في عقولهم من معلومات خير تعبير عن ذلك، بل يمتد الأمر إلى كثير من الجامعات التي لا يشجع المدرّس الجامعي فيها الطلبة على تقصي مفردات المادة أو الموضوع بقدر ما يريد منهم أن يتابعوا محاضراته ويرددوا أفكاره ومعالجاته، إنها بنية أبوية تريد احتكار المعرفة وطرق تقديمها ومصادرها لتدعم بنية أكبر هي المجتمع الأبوي المحدث، فمدارسنا تقف في منتصف الطريق بين مدارس أوربا في الخمسينات من القرن الماضي وبين الكتاتيب التي تطورت عنها.

الحب يأتي كما الكراهية عمليةُ عنفيّة تملكيّة، تشمل إسقاطاً لشتى المشاعر والطاقات التي لم تجد موضوعها أو هدفها، فتأتي حادةً قاسية.

كما أن الدحيح شكّل مسباراً كاشفاً لمدى انتشار الجهل وتفشي الأصولية في مجتمعاتنا. اتهِم الرجل بالإلحاد، وإن كانت المسألة أثيرت من قبل دعاة سلفيين لكن تبيّن أن هناك مئات الألوف من مؤيدي هذا الخطاب.

والمسألة هنا لها جانبان: أنك في مجتمعاتنا إن أردت أن تغتال شخصاً ما معنوياً يمكن لك ببساطة أن تتهمه بالإلحاد فإن ثبتت التهمة عليه سينفضّ عنه كثير من الناس، وهذا يعبر عن مدى إقصاء الآخر، وضيق مساحة الاختلاف والحوار، وقد قام بعض من محبي الدحيح بتداول صورة له بلباس الحج في معرض دفاعهم عنه، بمعنى أن الرجل متديّن وليس ملحداً، وكأنهم يقولون طالما أن الرجل ليس ملحداً فهو ليس معادياً لديننا إنه من جماعتنا، ولا يقدم محتوى شيطانياً، وبالتالي ليس من الواجب إقصاؤه، فما يزال الكثيرون مستعدين لتقييم شخص وما يقدمه بناء على موقفه الديني.

الجانب الآخر أن هناك توجهاً دينياً متعصباً موجوداً لدى تيارات دينية عديدة ما تزال ترى في بديهيات العلم هدماً لنمط خطابها الديني المغرق في الجهل، شيوخ هذا التيار أشبه بمصاصي دماء لا يمكنهم إلا العيش في ظلام الجهل كي يتغذوا على ضحاياهم وهم بالملايين في العالم العربي، ويحولونهم أيضاً إلى مصاصي دماء ينشرون الجهل والقمع والتحريم كلٌّ في محيطه.

ردة فعل هؤلاء الأئمة المتحجرين تثبت أننا حين نقول إن تدريس العلوم ونظرياتها الحديثة ونشرها بين الناس سيساعد على مجابهة التخلف وهدم الخطاب الديني المتعصب فنحن لا نردد كلاماً مثالياً ولا نخبوياً منقطعاً عن واقع مجتمعاتنا.

كما أن ردة فعل هؤلاء الأئمة المتحجرين تثبت أننا حين نقول إن تدريس العلوم ونظرياتها الحديثة ونشرها بين الناس سيساعد على مجابهة التخلف وهدم الخطاب الديني المتعصب فنحن لا نردد كلاماً مثالياً ولا نخبوياً منقطعاً عن واقع مجتمعاتنا، وإلا ما الذي يجعل الدحيح مكروهاً لدى هؤلاء الأئمة المتعصبين ومريديهم، وكما يقول الباحث المغربي في الفكر الإسلامي محمد عبد الوهاب رفيقي: “مثل هذا الهجوم متوقع، بحكم أن هذا الشباب الذي يقدم هذا المنتوج العلمي الجميل، يساهم في تفكيك الخطاب الديني التقليدي، ويُبين بشكل غير مباشر هراء النظريات التي بنى عليها هذا الخطاب أسسه، كما يُظهر الكثير من المقولات الفقهية الصادرة عن هؤلاء الشيوخ بشكل كاريكاتوري مضحك، وبالتالي كان من الطبيعي أن يهاجم ويرمى بالإلحاد”. (1)، وكأننا بدلاً من أن نرفع الصليب في وجه مصاص الدماء إنما نرفع معرفةً تصل إلى كافة فئات المجتمع، وهذا ما نجح الدحيح في القيام به.

مشهد من برنامج الدحيح(يوتيوب)

سواءً أحسم الجدل حول الدحيح بما لا يقبل الشك بخصوص اتهامه بأنه سارق محتوى أم لا، ومقلّد في الأسلوب أم لا، فمن الثابت أن الرجل كشف لنا عفن المنظومات التعليمية والإعلامية والبرامج الثقافية في الدول العربية، فهناك ملايين من الشباب العربي متعطّش إلى محتوىً مختلف، يتناسب مع أذواقهم وتفضيلاتهم فيما يخص تلقي المعرفة. ومن المحزن أنه ثمة من يقيم مهنياً وإنسانياً شخصاً ما بناء على موقفه من السماء والغيب، مثل هذه العقلية لا يمكن أن تنتج بيئة ديمقراطية، وهي قاعدة الاستبداد، وقتل الطاقات ولجم الإنسان عن التفكير الحر.

شكراً للدحيح على إثارة هذا المستنقع الراكد.


عمار عكاش، كاتب ومترجم سوري مهتم بالجنسانية والدراسات الثقافية، حاصل على إجازة في علم الاجتماع.

مصدر مراجع: (1) الدحيح.. شاب مصري مَرِح أراد تبسيط المعرفة فاتهم بـ"الإلحاد"
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.