طوق الحمامة.. نظريات عاطفية تدمّر التطور الوجداني للمجتمعات النمطيّة

ما الذي تعنيه قوننة الوجدان، أو وضع دستور أخلاقي للحب والعاطفة؟ ألا يعتبر ذلك حالة من قولبة البشر في رؤية شمولية لمسألة هي فردانية جداً؟ وهل يمكن إلباس السياق العاطفي، زيّاً موحّداً، دون إعطاء أي اعتبار لفردانية كل علاقة وخصوصياتها؟

الأيام السورية؛ خالد علوش

طوق الحمامة لابن حزم الأندلسي، واحد من كتب التراث الذي ما زال لليوم يحضر بقوة وجدانية هائلة في أرواح القرّاء، ويعتبره البعض من النقاد وحتى النسبة الأعم من القرّاء، على أنه التحفة العاطفية الخالدة التي تحدد مسار الإبداع الروحي لدى البشر في مجتمعاتنا الأخلاقية، ويذهب البعض للقول بأنه الدستور الأخلاقي لمفهوم الحب.

ربما كان طوق الحمامة كتاب ـ تاريخياً ـ جيد ويحدد شكل العلاقات البشرية وتهذيبها ضمن بيئات كانت بحاجة إلى محدد للوعي والإدراك المجتمعي أو نقد السلوك البشري، وبالأخص أنّها كانت فترات تفلسف سياسي واجتماعي وديني وثقافي، وحتى تفلسف أيروتيكي في بعض التاريخ الإسلامي، فمن المهم أن يكون هناك أيضاً جزء من التفلسف العاطفي كما أنشأه ابن حزم.

لكن هذه المرحلة التاريخية لم تعد تصلح في عالم اليوم، وعليه يكون اعتبار كتاب كـ طوق الحمامة على أنه معيار ودستور ثقافي للعاطفة، عبارة عن تجهيل معتمد لفكرة التطور الوجداني وما يترتب عليه من تصورات جنسية واعترافات بحقوقية الآخر الجندري.

أعتقد أنّ المشكلة الرئيسية لكتاب ابن حزم، وهي المعضلة الجوهرية لكل الفكر التاريخي في التفلسف الإسلامي من ناحية العواطف، هي محاولة قوننة الوجدان؛ وطوق الحمامة ربما كان النموذج الأمثل لهذه القوننة.

ما الذي تعنيه قوننة الوجدان، أو وضع دستور أخلاقي للحب والعاطفة؟.. إنها حالة من قولبة البشر في رؤية شمولية لمسألة هي فردانية جداً، بمعنى آخر، هي حالة إلباس السياق العاطفي، زيّاً موحّداً، دون إعطاء أي اعتبار لفردانية كل علاقة وخصوصياتها وآليات التعبير عنها، وعمق مشاعرها وتطوراتها الفلسفية والإدراكية.

اعتبار كتاب كـ طوق الحمامة على أنه معيار ودستور ثقافي للعاطفة، عبارة عن تجهيل معتمد لفكرة التطور الوجداني وما يترتب عليه من تصورات جنسية واعترافات بحقوقية الآخر الجندري.

لا معنى حقيقي للتنظير في الحب، لا وجود لقانون في الحب، لا وجود لقوائم جاهزة في الأحاسيس والمشاعر والصدمات والانفعالات والكرب والاكتئاب والاشتياق كما حددها ابن حزم، إنها أقرب لمحاولة تفلسف جمعي لشيء لا يمكن إنشاء فلسفة جمعيّة فيه؛ كأن نقول مثلاً بأنّ الأوضاع الجنسية في الكاماسوترا هي دستور اللذة المطلقة، وأي اكتشاف لوضعية جنسية جديدة خارج الكاماسوترا فيجب ابتذالها. لا وجود لقوانين تحكم الفردانيات الإدراكية والاكتشافية والحسيّة واللذية في الإنسان.

ما فعله ابن حزم محاولة خلق مجتمع يسير على نمط واحد للأبد في إدراك عواطفه وإغلاق الوعي وسجنه داخل تابو مفروض للسلوك وطريقة التعبير عنه دون أن يتجاوزه بأي حالة جنونية أو شهوانية أو شبقيّة عاطفية كروح دون تجسيدها حسيّاً.

بحسب ابن حزم، مثلاً، أن سماعك لاسم يشبه اسم الشخص الذي تحب فهذا سيجعلك ترتبك.

ما هذا الهراء الذي يدفع لا شعورياً أي قارئ لتطبيق لاواعي لهذه المقولة الساذجة والغبيّة والتي لا أساس لها، لا علمي، ولا ثقافي، ولا أخلاقي.

المشكلة أنّ القراءة هي فعل تأثير في القارئ إن لم يكن يقرأ بحيادية، فما بال القارئ الذي يقرأ أصلاً لأنه يبحث عن معنى لعواطفه المكبوتة اجتماعياً.. عندها يكون من الطبيعي عندما يسمع اسم شخص يشبه اسم من يحب، سيرتبك. لكن هذا لا يعني أنّ ما جاء به ابن حزم هو شيء صحيح وذو مكانة فلسفية وثقافية يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية.

مشكلة طوق الحمامة أنه لا يعترف بخصوصية التجربة الفردية للعلاقات، بل بأنساق جمعيّة لتكوينها في المجتمعات وجعل البشر ينضوون تحت دستورها، وهذا من شأنه أن يخلق تاريخياً ويرسخ لاحقاً ما نعايشه اليوم من افتراضات عاطفية نمطية مريضة ومتهرّبة للبشر، وخفيّة عن أعين الأهل والناس وراء مسميّات العفّة والطهارة وتطبيق لنظريات “وإذا ارتكبتم المعاصي فاستتروا” دون إدراك عميق أنّ فعل المعصية هو أصلاً يظهر من خلال إجبار البشر على التستّر لأنه يعتبر هذا الفعل أقل قيمة.

نصب تذكاري لابن حزم الأندلسي(تويتر)

ومن أجل ألا يقول أحد أنّ التاريخ الثقافي الإسلامي يعترف بخصوصية الحب وليس الجنس، يجب التنويه أنّ إظهار العاطفة كحب، لا يجوز لعذراء أو أعذر التعبير عنها إلا إن سُئِل من قِبل ذويه، بمعنى لا وجود في التاريخ الذي نشأ مع فكرة الإسلام شيء يُسمّى التعبير الفصيح عن العاطفة المباشرة إن كان ذكراً أم أنثى، إنما تعبير تزاوجي مباشر، سُمّي “النكاح”، وهذا من شأنه أن يُرسّخ الكبت العاطفي اللغوي في المجتمعات، وتصبح نظرية ابن حزم، تحصيل حاصل لهذا التاريخ الذي يعترف بمباشرية النكاح وليس التعاشق النفسي، وهو ما عبّر عنه في كتابه بأشكال ارتباكية تقليدية أو مشاعر جمعيّة لا يمكن ملاحظتها سوى في الأفعال الجنسيّة لدى جميع الكائنات، إنما ليست تعاشقات نفسيّة.

ما نعيشه اليوم من تهريبات نفسية وثقافية مخفية لأفكار العشق والحب والجنس ليست إلا نتاج طبيعي لتلك الثقافة التاريخية للمجتمعات الإسلامية التي يُعتبر طوق الحمامة جزء جوهري من تأسيسها.

بمعنى كتاب الأندلسي هو تعبير معاكس لفكرة الجنس التقليدي وراء مسمّى التنظير في الحب، وهو ما يدعو لفشل ذريع في فكرته حول مشاعر العاطفة التي لا يمكن تطبيقها جمعيّاً.

ما نعيشه اليوم من تهريبات نفسية وثقافية مخفية لأفكار العشق والحب والجنس ليست إلا نتاج طبيعي لتلك الثقافة التاريخية للمجتمعات الإسلامية التي يُعتبر طوق الحمامة جزء جوهري من تأسيسها.

بتصوري هذا الكتاب من أسوأ التنظيرات العاطفية وتأثيرها على الوعي الوجداني الناشئ لأناس يدخلون الحياة جديداً، تأثيره سلبي لاستمرار النمط التقليدي للعاطفة والوعي في مفاهيم العشق والحب والجنس، كتاب يُحرّم أي تجربة فردية ويدعو لإنشاء منظومة الوعي الجمعي الطهراني وراء مسميّات الإنسان بوعيه العاطفي المقونن.

غلاف الكتاب (فيسبوك)
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.