طلاء الهلال

لم يكن لديه لا الوقت ولا الصبر ليبحث أو يعرف شيئاً بخصوص هذا الموضوع. كان عليه فقط أن يبادر قبل غيره ويكتب العرض الأرخص، العرض الأكثر تطميناً، والعرض الأكثر أملاً، العرض القادر على تحويل بعض الأمل إلى بعض الثقة.

ترجمة: نور عبدالله
سيفكي سويسال(فيسبوك)

بقلم: سيفكي سويسال

في يوم من أيام بطالة حسن أوزشاكار كان يجلس وقد انكمش طوله من عبء الأوقات الراكدة عديمة الفائدة، بيدين ورِجلين نسيت كيف تأخذ وتعطي، كيف تمشي، أو كيف تحيل شيئاً إلى شيء. في فترة زمنية لا تربط شيئاً بشيء. بعدها تذكرت يداه خصائصها التي تنفع لتحوّل وضعاً إلى وضع، قرأ في الجريدة التي امتدّت يده والتقطتها إعلان مناقصة “بنظام الظرف المغلق” لطلاء الهلال في قمة بناء الهلال الأحمر. هاك عمل، ربما كان بداية ليصبح ثرياً، فكّر في أنه يجب أن يتصرف على الفور، وألا يضيع الفرصة، عليه أن يحرك يديه ورجليه، وأن يكون نافعاً، تمدّد طوله قليلاً. جلس، وكتب بعناية عرضه للمديرية العامة للهلال الأحمر. لم يكن لديه الثقة بأنه سيحصل على العمل، ولماذا تكون؟ فالثقة ليست مفهوماً تجريدياً، هي تحويل شيء وضع مكان شيء آخر إلى شيء ما. على سبيل المثال الشمعدان المصنوع من الفضة يتحول إلى ثقة، شقة، منزل، لباس جديد، عمل مبهرج، راتب معتبر، كلّ هذه الأشياء يمكن أن تتحول إلى ثقة. لم يكن لدى حسن أوزشاكار شيء يمكن أن يحوله إلى ثقة. فهو لم يكن دهّاناً، ولا يفهم بالطلاء ولا يجيده. إجادة شيء ما يمكن أن تتحول إلى ثقة أيضاً.

بالتهوّر الذي يمكن أن يمنحه اليأس وانعدام الثقة، ودون خوف من اليأس أو انعدام الثقة القادم، كتب عرضه. طلب أقلّ مبلغ يمكن أن يخطر على باله، وتعّهد بضمان عشر سنوات.

فور قراءة عرضه تهافت عليه أكثر من موظف في المديرية العامة، ممن يصرحون في اللحظة والمكان المناسبين، ربما في السرير لزوجاتهم، أو لرفقة الطاولة عندما يشربون، بإظهار الاهتمام والحساسية تجاه أموال الدولة، وحمايتهم لها كحمايتهم لأعراضهم. دائماً هناك فرصة ينتظرها الجميع، إنها فرصة لا تفوت لإثبات حكايات الحساسية والعرض. أعطي العمل لحسن أوزشاكار.

كتب حسن أوزشاكار عرضه على عجل وهو يأكل الحلاوة والخبز. لم يكن قد حسب مصاريف طلاء الهلال الضخم، لم يستطع حسابها. فهو لم يكن يعلم كم من الطلاء يلزم، لم يكن يعرف أسعار الطلاء. كان يعلم شيئاً ضئيلاً بخصوص هذا العمل. كان يظن أن الطلاء هو إحالة شيءٍ إلى شيء.

لم يكن لديه لا الوقت ولا الصبر ليبحث أو يعرف شيئاً بخصوص هذا الموضوع. كان عليه فقط أن يبادر قبل غيره ويكتب العرض الأرخص، العرض الأكثر تطميناً، والعرض الأكثر أملاً، العرض القادر على تحويل بعض الأمل إلى بعض الثقة.

وهكذا فعل. هكذا ثقة وهكذا أمل يمكن أن يتحوّلا إلى ثراء. اتخذ الخطوة الأولى، وبذلك كان قد حرك قدميه. دفع ما يقارب المبلغ الذي طلبه في عرضه لشراء طلاء، وسُلّم، وفرشاة. بعناية فائقة بدأ نضاله ليجيد عمله.

لم يكن طلاء الهلال عملاً سهلاً، فهو ككل الأعمال غير المجربة، كان صعباً جداً، جديداً جداً، ومؤلماً. في اليوم الثاني اضطر لشراء فرشاة جديدة بعد أن بدأت شعيرات الفرشاة تلتصق بالهلال. لم يكن يملك نقوداً، وكشخص أدرك أنه بلا رجلين بعد أن اضطر لأن يخطو. اشترى فرشاته الثانية بالدّين.

لم يكن يأكل، كان يطلي الهلال طيلة اليوم. كان يطلي طبقات من الطلاء لكي تكون كافة جوانب الهلال بنفس السماكة. في البداية طلى جانباً من الهلال، ثم الجانب الآخر، ثم وزع الطلاء على جميع الجوانب وطلى ثم طلى. لا يلبث أن ينتهي طلاؤه فيشتري طلاءً جديداً بالدين، تلتصق الشعيرات بالهلال فيشتري فرشاةً جديدة، ويعيد الطلاء مجدداً ليغطي الشعيرات. ينفد الطلاء، يشتري طلاءً بالدين، لا يأكل ولا يشرب، ليس فقط بسبب أنه لا يملك نقوداً بل لأنه لم يفكر بالطعام، ولم يتبق لديه القدرة ليأكل، كان يفكر فقط بالهلال، بطلائه بشكل جيد، بإنجاح المهمة التي أخذها على عاتقه.

في الأصل كان خائفاً من كشفهم له بأنه ليس دهّاناً. وأنه لا يعلم ماذا يربط بماذا، ولا كيف يحوّل ماذا إلى ماذا، ولا ماذا يغيّر.

في الأصل كان مراده أكثر بساطةً، أن يكون دهّاناً ناجحاً، أن يرى الوضع الذي وضع نفسه فيه مفيداً، بنّاءً، جميلاً، بارعاً، من قد لا يريد ذلك؟

إن كان طلاء الهلال هو ما سيجعله شخصاً يجيد عمله، فيتحتم عليه أن يطليه. هلال مطلي بشكل جيد يمكن أن يتحول إلى ثقة، وأمل ـ ربما كان اسمه ثراءً ـ . كان قد طلى الهلال تدريجياً إلى أن أصبح بسماكة إصبع، ولا زال الطلاء بسماكات متفاوتة عليه. كان موظفو المديرية العامة مندهشين من أن طلاء الهلال لم ينته بعد. كان الدّهان الذي لم يتمكن من الوقوف بشكل صحيح على السلم، ويواجه خطر السقوط في كل لحظة، يثير أعصاب موظفات وموظفي الآلة الكاتبة، ويوقع الرعب في قلوبهم. كان طلاء حسن أوزشاكار للهلال مريعاً ومخيفاً ككل الأشياء التي تُعمل للمرة الأولى.

بدأ موظفو الهلال الأحمر بالمراهنة فيما بينهم على يوم انتهاء طلاء الهلال. دائماً كان يخسر من يراهن على انتهائه. كما أن الطلاء المستمر للهلال لم يكن يناسب جدّية بناء الهلال الأحمر، ” البناء الجدّي هو بناء منتهِ”. بناء لم يكتمل بعد، حتى ولو كان ينتقص اكتماله الهلال فقط، ولا بوادر لانتهاء الهلال، هو بناء لا يوحي بالثقة. في النهاية جذب الوضع انتباه المدير العام، وطلب إعلام الدّهان “عاجلاً” والاستفسار عن المدة التي تلزمه لينهي عمله. فوجئ حسن أوزشاكار عندما سأله الموظفون عن توقيت انتهاء طلاء الهلال. لم يكن لديه أي جواب، كان لا يزال شخصاً لم يتعلم طلاء الهلال، ولا يعرف كيف يربط شيئاً بشيء، ولا كيف يحول شيئاً إلى شيء، ولا يعلم نتيجة الخطوة التي يقدم عليها، شخصاً لم يصبح ثرياً بعد. كان سينهي العمل في الوقت الذي يقتنع فيه بأن الهلال قد طلي بشكل جيد وناجح. من أين له أن يعرف اليوم الذي سيقتنع فيه بأن الهلال قد طلي بشكل جيد وناجح؟ كيف له أن يعرف اليوم الذي سيصبح فيه دهّاناً محترفاً؟ حاول صياغة كل هذا بجمل طويلة غير مفهومة، خجلاً، منكمشاً. ماذا لو اكتشفوا أنه ليس بدهّان! أنه ليس بمحترف! أنه لا يعلم بعد كيف يحول شيئاً إلى شيء! ماذا لو أعطوا العمل لأحد آخر! هذه الخطوة التي أقدم عليها في سبيل تحويل شيء إلى شيء قد تكون بداية الثراء ماذا لو عادت إلى الوراء! عاد الموظفون دون أن يفهموا شيئاً، ولم يستطيعوا أن يشرحوا شيئاً للمدير العام.

-متى سينتهي هذا الطلاء الملعون؟
-لا نعلم يا سيدي؟
-كيف لا تعلمون؟ ألا يعلم هو؟ الدّهان؟
-لم نفهم، لم يقل شيئاً قاطعاً؟
-منذ متى وهذا الرجل يطلي؟
-شهر يا سيدي؟
-ألا ينتهي طلاء هلال خلال شهر؟
-الهلال كما ترون قد طُلي، لكن الرجل يستمر في الطلاء.
-أخبروه لينهي العمل، ادفعوا له أجرته، وليذهب، لا أريد أن أرى هذا الرجل غداً هل فهمتم؟
عندما دفعوا لحسن أوزشاكار أجرته وأبلغوه بأن طلاء الهلال قد انتهى، كانت ركبتاه لا تحملانه من التعب والجوع والنعاس.

عاد إلى بيته بحزن كبير، وبكى. ترك السلّم والفرشاة والدّلو في الطرقات لا على التعيين وهو عائد إلى المنزل. في اليوم التالي دفع القسم الأكبر من المبلغ الذي أخذه ليسدد ديونه. مر شهر كامل، كان ينام، ويأكل خبزاً ولبناً. كان هذا كانفصاله عن امرأةٍ يحبها. كان شهراً صعباً، كان صعباً نسيان الشيء الذي ربما قد يربط شيئاً بشيء، أو يحول شيئاً لشيء.
في نهاية الشهر طرق موظفو الهلال الأحمر بابه.

-طلاء الهلال الأحمر قد تصدّع و تناثر.
-آسف، لكن ذلك الهلال لم يعد يعنيني.
-لقد أعطيت ضماناً لعشر سنوات.
في ذلك الوقت تحول طلاء الهلال إلى اضطرار للعيش مع امرأة لا يحبها.

بسأمٍ كبير اشترى طلاءً وفرشاةً وسلّماً. وبدأ من جديد طلاء الهلال، ومع بداية عمله بدأ حماسه من جديد، كان يظل يطلي إلى أن يبلغوه بأن عمل الطلاء قد انتهى. بعدها تمر أيام من التعب، النسيان، الذل، والمعاناة.

ثم بعدها عاصفة وبعض المطر، صوت الجرس، وطلاء من جديد. مرت عشر سنوات على هذا الحال. عشر سنوات وكأن شيئاً لم يستطع التحول إلى شيء. كان قد استدان من الجميع، أصبح مفلساً جداً. كان هذا تغيّراً، ربما تطوراً. كان يضطر دائماً للاستقالة من العمل الذي بدأ للتوّ به، عندما يبلغونه من الهلال الأحمر بضرورة طلاء الهلال. وأخيراً تعلم الطلاء كمحترف، كمحترف ماهر شريف. ينتظر بشوق أن يتصدع الهلال، ليبدأ الطلاء، ليكتشف كم أصبح ماهراً وكم هو قادر على إحالة شيء إلى شيء. لكنهم لا يأتون. لا يدقون جرسه. كان يرى أن طلاء الهلال قد تصدع عندما كان يمرّ من أمام البناء، أخيراً لم يستطع المقاومة وذهب إلى المديرية العامة.

-عمن تبحثون يا سيدي؟
-أنا دهّان الهلال، لقد تصدع الطلاء من جديد، أردت أن أسأل متى أستطيع البدء بالطلاء؟
-نزل الموظفون السلالم، صعدوها، دخلوا غرفاً عديدة وخرجوا منها، تزرير الأزرار، انكماش، انكماش، البحث في الملفات، هدوء، خشخشة أوراق، انتظارات حلوة انتظارت مرة، حكّة، حكّة حلوة، أمل.
علم أخيراً بأن ضمان العشر سنوات قد انتهى.
خرج من المبنى.
عُلقت على طول الشارع لافتات الحملات، كان أسبوع الهلال الأحمر، أسبوع الهلال الأحمر ومساعدة الفقراء.
اقترب طفلان صغيران وعلّقا على ياقة حسن أوزشاكار هلالاً أحمر من الورق.
فتّش حسن أوزشاكار في جيوبه وأعطى آخر ليرة لديه للطفلين. أعطاهما النهاية، أعطاهما انتهاء الطلاء، وعدم القدرة على التحويل أو الربط.
فكر بينما هو يمشي في الشارع. هذه الليرات عندما تجتمع، وتجتمع، وعندما يساعَد كل الفقراء، وعندما يأتيني الدور، الهلال الأحمر سوف ينقذني، ربما يحوّل شيئاً إلى شيء.
ارتاح، اعتقد أنه استطاع ربط شيءٍ بشيء، مشى معتقداً بأنه يتقدم بخطواته العشوائية على طول الشارع.


نور عبدالله، مترجمة وصحفية سورية تقيم في إسطنبول.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.