طريق الحرير.. مقاربات في المصطلح وتاريخ الطريق وأغراضه

ارتبط طريق الحرير ارتباطًا وثيقًا بالمال والسلطة، حاولت الإمبراطوريات الأكثر غنى فرض سيطرتها البرية والملاحية على الممالك والقبائل الأقل منها تجارة وربحًا، وفي ذلك حاول اليونانيون والفرس.

الأيام السورية؛ جميل عبد الرزاق

تعرّف منظمة اليونسكو طُرق الحرير بشكل عام، بأنها طرق برية وبحرية تبادل عبرها الناس من كل أصقاع العالم، الحرير وغيره الكثير من السلع، كما أنها أتاحت أيضاً تبادل المعارف والأفكار والثقافات والمعتقدات بفضل حركة الشعوب المستمرة واختلاطهم المتواصل مما أثر تأثيراً عميقاً في تاريخ شعوب المنطقة الأوروبية الآسيوية وحضاراتهم.

ويُعتبر مصطلح “طريق الحرير” مصطلحا حديث العهد نسبيا إذ لم تحمل هذه الطرقُ القديمة طوال معظم تاريخها العريق اسما بعينه. وفي أواسط القرن التاسع عشر، أطلق العالم الجيولوجي الألماني، البارون فرديناند فون ريشتهوفن، اسم “دي سيدينستراس” (أي طريق الحرير بالألمانية) على شبكة التجارة والمواصلات هذه ولا تزال هذه التسمية المستخدمة أيضاً بصيغة الجمع تلهب الخيال بما يلفها من غموض موحٍ.

والرجل الذي ينسب إليه عادة فضل إقامة طرق الحرير، الجنرال زانغ كيان الذي فتح الطريق الأولى بين الصين والغرب في القرن الثاني قبل الميلاد.

الصين وتاريخ الحرير

بدأت صناعة الحرير بحسب المعتقدات الصينية عام ٢٧٠٠ قبل الميلاد تقريبا. وكان الحرير يعدّ من المنتوجات النفيسة جدا؛ فانفرد بلاط الإمبراطورية الصينية باستخدامه لصنع الأقمشة والستائر والرايات وغيرها من المنسوجات القيّمة. وبقيت تفاصيل إنتاجه سرا حفظته الصين بشدة طيلة ٣٠٠٠ سنة تقريبا، بفضل مراسيم إمبريالية قضت بإعدام كل من يتجرأ على إفشاء سرّ إنتاج الحرير لشخص غريب.

لكن احتكار الصين لإنتاج الحرير لا يعني أن هذا المنتوج انحصر في الإمبراطورية الصينية دون منازع، فعلى العكس من ذلك، استُخدم الحرير هديةً في العلاقات الدبلوماسية وبلغت تجارته شأناً كبيراً بدءاً بالمناطق المتاخمة للصين مباشرة ووصولاً إلى المناطق المتنائية: مصر وشمال منغوليا ومواقع أخرى من العالم.

الحرير سلعة فاخرة تفتح مسالك التجارة

دخل الحرير إلى الإمبراطورية الرومانية، في وقت ما من القرن الأول قبل الميلاد، حيث اعتُبر سلعة فاخرة تغري بغرابتها، وعرف رواجاً هائلاً وصدرت مراسيم إمبريالية لضبط سعره. وبقي يلاقي إقبالاً شديداً طوال القرون الوسطى، ولم تتعلم الدولة البيزنطية سر صناعة الحرير إلا بعد 3000 سنة من إتقان واستمرار الصينيين في صناعته، حينها فقط بدأ الحرير في اتخاذ طريقًا له نحو الغرب، وبدأت الصين، في السبعينات من القرن التاسع عشر تسيطر بشكل واضح على تجارة الحرير مع كثير من البلاد كان من بينها الهند والجزء الجنوبي والغربي لأواسط آسيا، ومنها إلى السواحل القريبة من إفريقيا ومنها إلى أوروبا، حينها أطلق العالم الجغرافي الألماني “فرديناند فون ريتشهوفن” على الطرق التي تتبعه الصين لتجارة الحرير مع تلك الدول “طريق الحرير”، الطريق الذي قدمت الصين به نفسها إلى دول العالم.

التجار العرب وطريق الحرير

وصل التجار العرب إلى التجار الصينيين من خلال طريق الحرير، حيث ربط الأخير بين الشرق الأقصى وبين ما تعرف حاليًا بالعراق وسوريا وشبه الجزيرة العربية، حيث لم تترك الصين المحيطات إلا وجابتها كلها، حيث قام الصينيون برحلات بحرية طويلة قبل الميلاد بقرون للسواحل الهندية في طريق آخر من طريق الحرير خاص بالموانئ البحرية والمحيطات، التقى التجار الصينيون بالتجار العرب على السواحل الهندية حيث باعهم الأخيرون العطور والبخور والتوابل وبعض من الأحجار الكريمة، كما باع الصينيون العرب منتجاتهم من الحرير وغيره وصلت إلى شبه الجزيرة العربية ومنها إلى الشام ودول البحر المتوسط وكذلك إلى الحبشة.

طريق الاستعمار والأوبئة

ارتبط طريق الحرير ارتباطًا وثيقًا بالمال والسلطة، حاولت الإمبراطوريات الأكثر غنى فرض سيطرتها البرية والملاحية على الممالك والقبائل الأقل منها تجارة وربحًا، حيث حاول اليونانيون على سبيل المثال فرض سيطرتهم على الملاحة في البحر الأحمر وفي الخليج العربي وكانت لهم مستوطنة في جزيرة “فيلكة” الواقعة حاليًا بدولة الكويت، كما أن الفرس في العصور التالية لذلك استطاعوا فرض سيطرتهم على تجارة الصين والهند المارة بالخليج العربي، كما هو الحال تقريبًا في الاقتصاد الدولي نتيجة العولمة في أيامنا الحالية، فلم يكن تأثير طريق الحرير إيجابيًا دائمًا، فكما نقل البضائع واللغات والثقافة بين الشرق والغرب، نقل الطريق أيضًا الأمراض، حيث نقل مرض الحصبة ومرض الجدري، وأكثر الأمراض التي قضت على عدد ضخم من البشر في تاريخ الإنسانية، وهو مرض الطاعون، الذي انتقل من الشرق إلى الغرب في عام ، 1346، وهو ما عُرف بـ”الموت الأسود” وهو ما سُجل في التاريخ بأكثر الأمراض التي أهلكت البشر في التاريخ، حيث مات بسببه نصف عدد الأوروبيين في ذلك الوقت خلال 4 سنوات فقط، وهو ما لم يكن من الممكن حدوثه لولا وجود طريق الحرير.

طريق الحرير الجديد

في تسعينيات القرن الماضي، ظهرت محاولات لإحياء طريق الحرير بإنشاء “طريق الحرير الجديد”، عُرف من هذه المحاولات: الجسر البري الأوروبي الآسيوي الذى يصل بين كل من الصين، وروسيا، ومنغوليا، وكازاخستان، إلى ألمانيا بسكك حديدية، وبعد عدم نجاح تلك المحاولات واكتمالها، توقف الحديث عن الأمر، وفي عام 2005 استحوذت الصين على 75٪ من إنتاج الحرير الخام في العالم، كما استحوذت تقريبًا على 90٪ من صادراته في الاقتصاد الدولي حتى أطلقت الصين عام 2013 مبادرة “الحزام والطريق”، ولاقت المحاولة تجاوباً ومشاركة واسعة من نحو 65 دولة مطلة على هذا الطريق، ولكن من وافقت منها حتى الآن 50 دولة.

مصدر رويترز، الجزيرة نت نون بوست، بي بي سي اليونسكو
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.