طروادة خسارة أشهى من انتصار

طروادة السورية كانت في شوارع حمص وأحيائها، وفي داريا الدمشقية، وفي كل شبر أرضٍ مشى السوريون الأحرار فوقه، السؤال الكبير هنا: هل ماتت طروادة؟

خاص بالأيام - أحمد عليان

في لحظة ربّما غفلت عنها آلهة الحكمة، أعطت آلهة الجمال  “أفروديت” وعداً للأمير الطروادي “باريس” بأن تزوجه أجمل فتاة على وجه الأرض، لقد كان وعداً بنعيم أرضيٍ تشعُّ لوقعه عينا الشاب كأنَّ ألف شمسٍ تدور بهما.

تشاء الأقدار أن يذهبَ “باريس” إلى أسبرطة وينزلَ ضيفاً عند الملك “ميلانوس”. هنا يرى باريس الأميرة هيلين زوجة مضيفه، يبدو أنَّها كانت تتدفّق أمامه كنبع أنوثة في زمن التصحّر الأنثوي حتى فشلت الأعراف أن تمنعَ قلبه من الضجيج، لقد أحبَّها وسقطت هي الأخرى في شباكه، كيف لا وهو الأمير القادم من طروادة عروس البحر، وهي الزوجة الحسناء المأخوذة عنوة.

أخذ باريس محبوبته هيلين وهرب العاشقان، لتبدأ فترةٌ من الحرب غيّرت خارطة الأرض، يقول “جبران خليل جبرانطروادة أُحرقت لأجل عاطفة.

استغل “أغامنون”وهو شقيق “ميلانوس” فرار زوجة أخيه “هيلين”مع عشيقها “باريس”، ليحشدَ اليونانيين الذين أطلق عليهم “هوميروس”اسم “الآخيين”، فقاد حملةً ليحقّق حلمه القديم بالاستيلاء على طروادة.

طروادة العاشقة حتّى الذّبح وحتّى الحرق، وتمَّ له الأمر وحقّق شهوته الدمويّة لكنّه أخفقَ في الدخول إلى قلب التاريخ كما دخله “هيكتور” المدافع والحامي، وسقط هيكتور باتّجاه الأعلى ، وسقط “أخيلس”باتجاه الأسفل، وسقطت الدنيا وطروادة زهرة الملاحم.

هي حربٌ لحدّ الحرب وموتٌ لحدّ الخلود وخسارةٌ أشهى من انتصار، أثبت فيها أهل الأرض أنّ اقتلاعهم ليس ممكناً دون اقتلاع الأرض ذاتها، وفسّرت هذه الملحمة كيف تصمد المعدة الفارغة أمام جيوش العالم، وكيف يصبح المعول سلاح ردعٍ والرفش أخطر من كتيبة مدرّعة، إنَّه الحقُّ إذاً، لم يكن صمود الطرواديين لأجل ملكٍ بل كان لأجل طروادة والإنسان.

كيف لم تسقط طروادة رغم أنَّها أُحرقت ودُمّرت ومات سيّدها وحماةُ أسوارها واستبيحت من العدو؟

لقد أراد لها هومر نصراً مؤجّلاً، يحدّده الزمان والمكان المناسبين والشخص الذي نجا بسيف طروادة، إنَّ الفكرة إذاً هي القضيّة، وكانت القضيّة في هذه الملحمة هي سيف طروادة برمزيته العميقة، ولا بدَّ لها من الانتصار ما دامت على قيد الحياة ولو في يد شخص واحد.

كذلك الأمر في سورية، إنَّ طروادة كانت حاضرةً في كلّ أزقة وجرود وسهول الوطن، أمّا القضيّة فهي سورية الحرّة العادلة المتنوّعة، وهي لا بدَّ منتصرة مادامت في ضمير وقلوب السوريين الوطنيين.

لم يستطع اليونانيون هزيمة أهل الأرض رغم استعانتهم ب أخيلس الفارس الذي لا يموت، بل عمدوا إلى الحصان الخشبي وتلك الحيلة، وكذا فعل الأسد، إنّ روسيا وإيران ومرتزقتهما من عرب وأفغان لم يستطيعوا التغلب على بندقيةٍ ثائرة وحنجرةٍ مناضلة وقطعةِ قماشٍ كُتبَ عليها حرّية، حصان طروادة في سورية كان ذو وجهين، وجهٌ حليقٌ وبزّةٌ رسميّةٌ أنيقة، وآخرٌ قاتمٌ بلحيةٍ كثّةٍ وحزامٍ ناسف، لقد كان حصاناً مهجّناً رضي بتدمير الوطن وأهله ليبقى في السلطة ولو على أشلائنا المتناثرة هنا وهناك.

ما يعزينا هو بقاء سورية في ضمائرنا، سورية التي أردنا ومازلنا نريد.

كتب هوميروس طروادةً واحدة، وكتب السوريون حتى الأُمّيون منهم ألف طروادة، فحمص وداريا و أريافٌ وأزقةٌ ومتاريس كلّها جسّدت طروادة، وحقَّ القول “سورية خسارةٌ أشهى من انتصار”

مصدر حرب طروادة
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.