طبقات فحول المهجّرين السوريين

بقلم : رلى ركبي-

تفرّق الجمع الكبير أمام جامع الحسن مع وصول سيارات الأمن. انتشر رجال سود كوطاويط الليل، في أيديهم هراوات غليظة، وعلى رؤوسهم خوذ وسواتر بلاستيكية. استطاع البعض الهروب بجلده والتجمّع في الطرف الآخر من الميدان، والبعض الآخر اقتادته قوى الأمن إلى غياهبها.
في المساء، اجتمع من كان حاضراً ونجا من الاعتقال. كانوا شباناً جميلين، عيونهم تبرق، وقلوبهم تنبض، أما الأحلام فكانت بوسع العالم!
تم اعتقال البعض بعد أيام عدة، واضطر الآخرون للاختفاء. تلت ذلك حملات اعتقال كثيرة طاولت الناشطين والناشطات. آخر اعتصام سلمي كان أمام المستشفى الإيطالي بعرنوس.
تقدم (ز) رافعاً شعار الاعتصام بهدف إيقاف السير. كانت السيارة التي أوقفها لرجال الأمن. في ثوانٍ معدودة، ترجّل المردة وبدأوا بإطلاق الرصاص. تفرّق المعتصمون والرعب يأكلهم. منهم من دخل إلى المخازن المحيطة ومداخل البنايات، ومنهم من قُبض عليه، وكانت غالبية المعتقلين من النساء.
بعد أشهر عدة في أقبية الأمن، ومضايقات أمنية كثيرة، اضطر الجيل الأول من ناشطي الحراك إلى الهجرة. محطتهم الأولى بيروت ومن ثم العالم!
غالبية الجيل الأول من المهجرين كانت على علاقة مباشرة بالثورة، وكانت الهجرة بالنسبة إليهم حلاً موقتا يتيح لهم متابعة نشاطهم وبعض المساحة ريثما يحدث التغيير الوشيك!!
مع عسكرة الثورة، زاد القمع وطاول العديد من ناشطي الإغاثة والتجمعات المدنية. بات الجميع يخاف الجميع، وبدأت الاختراقات الأمنية المخيفة. فقد المجتمع السوري، نتيجة القبضة الأمنية، أولويات العمل السياسي والمدني. من نجا من الوشاية أوقعه لسانه.
وازدادت الهجرة طرداً مع ازدياد الاعتقالات.
ذات صباح، جاءني صديق والرعب يشلّه:
استدعيت الى الخدمة العسكرية! سأهرب عبر تركيا، لا أستطيع أن أقتل نملة!
الباخرة التي كانت ترسو في ميناء اللاذقية حملت كثراً من الشبان السوريين الذين رفضوا أن يكونوا قاتلين أو مقتولين!
هذه كانت الموجة الثانية من الهجرة. شبان يرفضون القتل، كانوا في غالبيتهم بعيدين من مجريات الأمور في الشارع، لكنهم بدوافع أخلاقية وشخصية فضلوا النأي بالنفس عن المقتلة الدائرة!
مع دخول تقنية البراميل المتفجّرة حيّز التنفيذ، فقد كثر منازلهم وأماكن عملهم، وبدأت رحلة الهجرة الجمعية التي طاولت مهمّشي المدن السورية، وأحزمة الفقر التي تحيط بها، إضافة إلى مخيم اليرموك والمناطق المحاصرة، حيث الجوع أشدّ سطوة من القذيفة.
لم يكن أمام ساكني هذه المناطق من حلّ لحفظ ماء الوجه والبقاء على قيد الحياة، سوى الهروب من الجحيم. خروجهم هو نزاع للبقاء. هكذا امتلأت المخيمات في دول الجوار: لبنان، الأردن، تركيا…
تلك كانت الموجة الثالثة من الهجرة!
أما الكارثة الكبرى فهي الهجرة التي تجري الآن!
في كل صباح أنظر حولي، أجري التفقّد اليومي للباقين. رسائل من أشخاص رحلوا: وصلنا إلى ألمانيا، اليونان، السويد!
من بقي هنا؟ أو بالأحرى من رحل في الهجرة الرابعة؟؟
جموع الناس التي فقدت الأمل بأي عيش كريم آمن. من يعتقد أنه ينقذ أطفاله ويفتح لهم أبواباً جديدة، من حلم بالحرية، ببيت صغير دافئ، بطفل ينمو من دون أن تكون لعبته المفضّلة جندياً وشهيداً، من لا يزال يأمل بمستقبل لائق بعيداّ من الفقر والخوف. الراحلون في غالبيتهم، لا علاقة لهم بما يجري، لم يتظاهروا يوماً، لم يكونوا مع أي طرف ضد آخر، هم مواطنون فـقـدوا الأمل بإمكانية التغيير، بالحصول على أدنى حقوق المواطنة والحياة الإنسانية اللائقة. ( س) قررت الهرب وتعريض حياتها للخطر، وعندما حاولت إقناعها بالبقاء كان ردها حاسماً: خمسة وعشرون عاماً من العمل وما زلت أقيم في غرفة بملحق في أعلى الجبـــل، معاشي يطير في الأسبــوع الثاني من الشهر، وأمضي ما تبقى منه مختــبئــة في عتمة الزوايا، عمري 42 سنة، كم يجب أن أنتظر كي أعيش كما يجب!
العيش كما يجب، إنه حلم المواطن السوري، وسقف حلمه متواضع: لقمة كريمة، مستقبل مفتوح الاحتمالات لأطفاله، وهواء حر يمكّنه من التنفّس والوجود.
كل سوري مشروع مهاجر، إلى أن يحق الحق!!

الحياة_

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.