طاعون جستنيان والإمبراطورية الإسلامية.. الأوبئة التي غيّرت وجه التاريخ

التشكيك ضروري بأي شيء لفهم مختلف (تاريخياً أم معاصراً)، لأنه العملية الوحيدة التي تجعل العقل يقوم بآليات تحليل مغايرة عن السائد، وحتى أكثر من ذلك، إن أي تسليم بما يُقال من أي شخص وفي أي مجال، هو ضرب من البلاهة.

الأيام السورية؛ بقلم: علي الأعرج

في مادة سابقة بعنوان “استسهال التاريخ” تحدثنا عن فكرة المعلومات التجارية الميتافيزيقية التي يتم ترسيخها في المجتمعات المتدينة بشكل عام، لإبقائها في عالم من التخيّل والشعور بالانجاز التاريخي دون التفكير والتحليل المنطقي لتلك الأفكار.

بعد انتشار الكورونا في العالم، وإعلاء الخطاب الفاشي من قِبل الأفراد الأكثر تخلفاً في المجتمعات الدينية، وبنبرة اشتفائية للموت الذي يحصد العديد من البشر، ظهر إلى السطح واحد من تلك الخطابات، ومضمونه باختصار أن المؤمن الحق لا يموت بالكورونا لأن المرض غضب إلهي، فالكورونا مثل أي وباء آخر يحصد الكفار فقط.

بمعادلة بسيطة: إن كان الكورونا مثل أي وباء آخر، أي أنه مثل الطاعون والملاريا والسل، ولا يموت به المؤمن المتبع للإله، فهل يمكن أن نقول مثلاً أن أبا عبيدة بن الجراح الذي قضى هو ومعاذ بن جبل بوباء ما سُميّ بطاعون جستنيان (542 – 750 ميلادي)، أو ما أطلق عليه العرب، في فترة حكم عمر بن الخطاب، اسم طاعون عمواس، بأنهما لم يكونا مؤمنين!؟.

عزيزي المؤمن (بعض المؤمنين) ذو النظرة الفاشية، الأوبئة لا تمتلك وعياً، هي تهاجم خلايا. المسألة بهذه البساطة، والدليل أن طاعون جستنيان الذي انتشر في الإمبراطورية البيزنطية والساسانية في فترة تصاعد الإسلام، قد قضى على كثير من العرب الشماليين أو حتى الجنوبيين المسلمين الذي توسعوا في بلاد الشام، ولم يميز بين مؤمن وغير مؤمن. الأوبئة لا مقدس لها.

الهالة الأسطورية في فهم حركة التاريخ، يُسقط عنه تلقائياً ما يتم الترويج له بشكل دائم من قداسة الدين، ودعم المؤمن على حساب غير المؤمن؛ وهو الأمر نفسه الذي جرى فيما بعد بضرب الكنيسة المسيحية في أوروبا بعد انتشار الطاعون الموت الأسود.

فتصديق مثل تلك الخطابات التي يروجها متزلفي الأديان وساداتهم من مشايخ وأئمة، لا تفعل سوى ترسيخ تخلفك وإظهارك بشكل غبي.

واستكمالاً لفكرة استسهال التاريخ، دعونا نمضي أكثر في قصة صعود الإسلام الذي يتم الترويج على أنه مدعوم من الله للدين الحق، فبغض النظر عن العوامل التاريخية من الاضطرابات السياسية والعسكرية والاقتصادية في تلك الإمبراطوريات، كان أحد أهم أسباب سقوطها هو وباء طاعون جستنيان (عمواس)، بمعنى، جيوش الإسلام كانت تحارب جيوش منهكة فيزيولوجياً؛ وحتى الحادثة التاريخية التي وقعت بين عمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف، أنّ الأخير قد سمع رسول الله يقول يوماً “إذا سمعتم به بأرض، فلا تقدِموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها، فلا تخرجوا فراراً منه”، متفق عليه، وهو أيضاً ما أكده أسامة بن زيد وقد سمعه أيضاً من الرسول.

معنى القول، الهالة الأسطورية في فهم حركة التاريخ، يُسقط عنه تلقائياً ما يتم الترويج له بشكل دائم من قداسة الدين، ودعم المؤمن على حساب غير المؤمن؛ وهو الأمر نفسه الذي جرى فيما بعد بضرب الكنيسة المسيحية في أوروبا بعد انتشار الطاعون (الموت الأسود)، والذي ساهم في خلق حالة فكرية مناهضة لسلطة الدين، وبداية انتشار عصر النهضة الأوروبية.

الأوبئة تغيّر الفهم الاجتماعي والثقافي، وتساهم بتغيير حركة الاقتصاد والسياسة، فعملية خروج أي قوة نافذة وإطلاق خطابات توهيمية للناس حول قداسة ما يجري في موت الآخرين، وإعلاء الخطاب الفاشي، لا ينقذ أحداً، بل يستمر في خلق حالات من الجهل والتخلف الاجتماعي.

القوى المسيطرة اليوم، تحاول جاهدة إعطاء صبغة ميتافيزيقية على أي شيء، وترويج معلومات مغلوطة لنشر التيه والتخبط لدى البشر كي لا يستوعبوا أي شيء مما يجري، ولتبقى الأمور ضمن سيطرة تلك القوى.

القوى المسيطرة اليوم، تحاول جاهدة إعطاء صبغة ميتافيزيقية على أي شيء، وترويج معلومات مغلوطة لنشر التيه والتخبط لدى البشر كي لا يستوعبوا أي شيء مما يجري، ولتبقى الأمور ضمن سيطرة تلك القوى، بغض النظر إن كانت الأوبئة قد انتشرت بشكل طبيعي أم صناعي، فالسلطات بالعام تستفيد من أي شيء حتى لو كان مُضراً.

كل هذا يفرض على البشر بأسرهم النظر من جديد لفكرة ما يجري اليوم حول فيروس كورونا. تجارب التاريخ وتغيير الأفكار وتنوّع القوى المسيطرة، كلها تخلق صبغة جديدة في العالم، فعملية البقاء ضمن هيكلية التاريخ وتفسيره بشكل بليد، أو الانزواء من التفكير المغاير لأوبئة اليوم وأرقام وإحصائيات الدول حول ما يجري، كلها تستدعي على الناس أينما كانوا إعادة التفكير.

في النهاية، التشكيك ضروري بأي شيء لفهم مختلف (تاريخياً أم معاصراً)، لأنه العملية الوحيدة التي تجعل العقل يقوم بآليات تحليل مغايرة عن السائد، وحتى أكثر من ذلك، إن أي تسليم بما يُقال من أي شخص وفي أي مجال، هو ضرب من البلاهة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.