ضيعة تشرين في عين محمد الماغوط ونظام الأسد

ما الذي نسي محمد الماغوط الحديث عنه في مسرحيته، ضيعة تشرين؟

الأيام السورية؛ حنظلة السوري

مهما اختلفنا في الرأي حول قيمة ما قدمه الكاتب المسرحي والشاعر محمد الماغوط، فإنه يبقى موالياً لحافظ الأسد، بدليل أنّ مسرحياته قدمها، دريد لحام، المعروف بموقفه اليوم من النظام السوري.

تلك مجرد كلمة، في حوارٍ قديم، اكتفى يومها خالي، العاشق لكتابات الماغوط، بردٍ سريع، وهو يسحب نفساً عميقاً من النرجيلة، وينفثه بعيداً في الهواء، على سطح منزله في دير الزور: ((صار فم الإنسان العربي مجرد قنّ لإيواء اللسان والأسنان لا أكثر))… ثم راح يتابع رشف فنجان قهوته المرّة، وهو ينفث متعباً خيوط دخان، كمن ينتظر شيئاً ما!!

أنت تلوذ بالصمت دائماً، كلما حُشِرتَ في الزاوية، إنّك تعلم أنّ مسرحيات الماغوط، مجرد إبرٍ مهدئة، تبرر عمليات الإقصاء السياسي بعد وضعها في خانة الملهاة الشعبية، حتى يعتاد الناس الأنظمة العربية الديكتاتورية، فلا يجدوا مفراً من السكوت أمام تكميم الأفواه، وقمع الحريات!! يا صديقي، لقد ضحكت علينا الأنظمة العربية كما كذب علينا الماغوط ودريد لحام، يوماً ما كنا نردد همساً: ((لا كلام يشرح الواقع أكثر مما قاله غوار الطوشة، كلمات الماغوط وكتبه سوف تزج بنا في بيت خالتنا، السجن بالمفهوم الشامي، في حينها كان الاعتراض وهماً مستحيلاً، تحول إلى كابوس تعوذنا منه)).

على العكس تماماً، تلك كانت مهمة الماغوط، أن يشعل شمعة في طريق الناس، ضوءاً، أو بصيص ضياء، اختر ما تشاء، مهمة المثقف والكاتب المسرحي، تنويرية، لكشف المستور، وفضح عورة الأنظمة المستبدة، أمّا موقف دريد لحام، فلا يمثل فكر الكاتب المسرحي، الذي قدم له نصوص المسرحيات السياسية. تلك مغالطة واضحة.

حوارٌ لاتزال ذاكرتي تختزنه، فقد وعيت تلك الجلسات، وطربت لها، رغم انتهائها في كثيرٍ من الأحيان بالمشاجرة، كعادة الكبار المتعنتين بآرائهم.

اليوم يمر مشهد انتصار الأسد وطرب الموالين له، بعد العدوان الثلاثي الغاشم على نظامه، وخيبة الأمريكان، والصهاينة، والإرهابيين، في تدمير إرادة مختار المهاجرين، بشار الأسد، فلله الحمد، مازال القائد الشاب بخير، وما زال متربعاً يحكم “ضيعته”.

تعود إلى الذاكرة تلك المجادلة الطويلة التي انتصر فيها صديق خالي، قبل أكثر من 10 أعوام، ويمر إلى الذهن حوارهم حول مسرحية الماغوط، ضيعة تشرين، التي انتهت بالمشهد الذي يقول:

المختار الذي أدى دوره المرحوم نهاد قلعي: لسه كل واحد منكم يتفلسف ويقول انهزمنا انهزمنا، هي ما اسمها هزيمة ولاه.

يسأله مواطن: لكان هي شو؟

يرد المختار: هي نكسة… فكشة… هيك شي.

يقترب أحد المواطنين، الفنان ياسر العظمة، ويهمس في أذن المختار: نحن انتصرنا بدليل أنك عايش، ومختار الضيعة، وكنت أنت المستهدف من الحرامي.

يخاطب المختار الجماهير المحتشدة: مفاجأة وطنية، نحنا منتصرين ومانا حاسين!!

صوتٌ آخر يسأل، الفنان أسامة الروماني، بدهشة واستغراب: نحن منتصرين؟!!

يرد المختار: إي إي، لأن الحرامي ما كان هدفو الكرم، ولا الضيعة، ولا البيادر، كان هدفو الوحيد يشيلني من المخترة وما قدر… لهيك هو المهزوم ونحن المنتصرين ولاه…يلعنك.

الماغوط سبق عصره، رغم أنّ مسرحيته، ضيعة تشرين، التي أخرجها خلدون المالح، ركزت على هزيمة حزيران/يونيو 1967، أو ما يعرف باسم “النكسة”، لكنها تبقى تمثل شكلاً واضحاً لسياسات الأنظمة العربية، التي شربت من منهلٍ أو بئرٍ واحد.

المشهد اليوم متوافقٌ تماماً مع ذلك المشهد، الفارق هو الانتقال من حالةِ تمثيلٍ فوق المسرح، إلى أخرى مشابهة خلف الشاشة، ومن أمام ساحة الأمويين، حيث تخرج إلينا تحليلات الموالين للأسد، التي تدندن على ذات الفكرة السابقة، فشل العدوان الأمريكي في تحقيق أهدافه، بدليل أنّ بشار الأسد ما زال حياً ويحكم سوريا.

مفاهيمٌ مفصلة على مقاس الأسد، تهلل لبقاء الحاكم، حتى وإن كانت النتيجة كارثية، مدمرةً للبنية المجتمعية والعيش المشترك، حتى لو كانت تدمير البنية التحتية للدولة، تلك مسألةٌ هامشية، فالأهم أن مختار حي المهاجرين، يتربع على العرش الذي ورثه شرعاً من أبيه.

أما الماغوط المسكين، فقد فاته أن يكتب نصاً يبرر للأنظمة الشمولية، والديكتاتوريات العربية، كيف يفسرون خيانتهم واستعانتهم بالاحتلال… لم يكتب أنّ المخاتير يمكن إعادة إنتاجهم وتدويرهم كما هو حال القمامة، للاستفادة من خدماتهم، ليس للوطن، بل لأعدائه…!!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.