صيدنايا والداعم .. ثنائية الفشل الثوري

بقلم: كرم محمود الشيخ علي
يقع سجن صيدنايا على بعد ثلاثين كيلومترا شمال العاصمة السورية دمشق، هذا السجن الذي دخل الخدمة عام 1987 يصنف من أكبر سجون البلاد وأسوئها سمعةً إضافة لكونه رمزاً لسطوة نظام البعث الحاكم، تتولى إدارته الشرطة العسكرية على اعتبار أنه مخصص لإيداع الجنود والضباط المتهمين بمخالفة القوانين العسكرية لكنه في الواقع معتقلٌ لآلاف المعارضين السياسيين وجلهم من التياراتِ الإسلامية.

لم يكن صيدنايا معتقلاً سياسياً تقليدياً لمعارضي الأسد فحسب بل كان نموذجاً مصغراً عن حالة الصراع القائمة بين الفصائل الإسلامية تحديداً والتي تخوض حرباً منذ خمس سنوات ضد النظام السوري.

فكل التيارات الإسلامية الموجودة في الساحة السورية تبلورت في سجن صيدنايا، والنزاع الحاصل فيما بينها من فينة لأخرى أساسه أقبية ذلك المعتقل.
ضم سجن صيدنايا مختلف العناصر الإسلامية المتعددة الآراء والتوجهات والمسالك، ابتداءً من السلفية بأنواعها الثلاثة (الدعوي، الجهادي، التكفيري)، وانتهاءً بحزب التحرير الإسلامي وقليل من بقايا الإخوان المسلمين، إضافة لاشتماله بشكل أساسي على عناصر تنظيم القاعدة السوريين وغير السوريين الذين ألقى النظام القبض عليهم بعد الاجتياح الأمريكي للعراق.

ارتبط التوزع المكاني لسجناء صيدنايا بالتوزع الفكري لهم، وحسب رواية المعتقلين ممن أطلق سراحهم فإن مجموعة الطابق الأول وقد أطلقوا على أنفسهم اسم “الإخوة” هم رموز “داعش” بالاسم من الناحية الفكرية، وعلى رأسهم والي الرقة في التنظيم “علي الشواخ” الذي كفّر كما فعل زملاؤه في ذلك الطابق سائر السجناء.

أما الطابق الثاني فكان يضم من لا يقول بالتكفير من السلفية الجهادية، كقادة حركة أحرار الشام وجيش الإسلام وحركة الفجر الإسلامية والمجاميع السلفية الجهادية المعتدلة، ولم يكن في الطابق الثالث من ينتمي إلى السلفية الجهادية.

في البداية استطاعت هذه المجموعات والتنظيمات التعايش مع بعضها البعض بسلام، رغم أن مختلف أنواع المقاطعة العلمية والصراع الفكري قائم بينها سراً، إلى أن شهد الموقف تصعيداً خطيراً بعد الاستعصاء الثاني (5 تموز 2008) وقبيل الاستعصاء الثالث (6 كانون أول 2008) حتى ظهرت أنواع الصراع الفكري والمقاطعة العلنية وصولاً إلى التكفير المتبادل.

اشتعلت الثورة السورية وعرّت النظام الممانع فطفق الأسد يواري سوأته بإخراج المعتقلين من صيدنايا، خرجت الدفعة الأولى وكان جلهم من سكان الطابق الثاني، هذه العناصر الإسلامية المفرج عنها زادت من المآزق التي وقع فيها النظام خلال حربه ضد السوريين فهؤلاء قاتلوا مع الجيش الحر جنباً إلى جنب، الأمر الذي لم يرق للمخابرات السورية فأخرجوا الدفعة الثانية من أهل صيدنايا وكان للطابق الأول حصة الأسد من المفرج عنهم، لتعود الخلافات التي سادت بينهم في السجن ونظهر على الساحة السورية بعد بسط المعارضة سيطرتها على مناطق واسعة من البلاد، ولم يوفر أهل الطابق الأول فرصة لتصفية حساباتهم مع جيرانهم في الطابق الثاني ما زاد من سوء الوضع الميداني فتحولت المناطق التي سيطرت عليها المعارضة إلى ساحة اقتتال بين التيارات الإسلامية المتصارعة فكرياً.

غير أن الإسلاميين ليس لهم وضعهم الخاص في هذا المخاض الثوري العسير فمنهم المنغلق والمُضَيع ومنهم الجريء في مراجعاته وتصويباته، ومنهم المتقدم والمتردد والمتعثر وأمراضهم من أمراض البيئة الثورية، وخلافاتهم ليست السبب الوحيد لفشل الثورة السورية في تحقيق أهدافها حتى اللحظة ليكون الدعم الخارجي من أكثر العوامل التي قصمت ظهرها.

ووفقاً لرأي متابعين كان بإمكان الثوار أن يمولوا أنفسهم بما استولوا عليه من خيرات لكنه القصور في القيادة والإدارة، فكثير من المعامل ومرافق الدولة نُهبت وبيعت خردة بدلاً من تشغيلها.

وهذا راجع في جوانب منه إلى قصور كبير في العقل القيادي للثوار ما سهَل استدراجهم وإغراءهم وتوجيههم، كما أن غياب الرشد والنضج في العقل القيادي سهَل على الداعمين والمتربصين ركوب الثورة والعبث بقرارها.

الأثر السلبي للدعم الخارجي تجلى في عدة نواحٍ لا يمكن حصرها بين السطور هذه منها، أن هذا الدعم أبعد الثوار عن الجبهات التي تهدد النظام وخاصة جبهتي العاصمة دمشق والساحل عبر فتح معارك بعيدة لا تفيد الثورة استراتيجياً وإنما تستنزفها، فيوجَه الدعم لمعارك في سهول صحراوية جرداء لا أهمية استراتيجية لها، وفوق ذلك هي مكشوفة للطيران بدلاً من غابات الساحل الجبلية.

وحتى فتح مدينة حلب كان فخاً للثورة، حيث سُلَم الجزء الشرقي الفقير منها للثوار والذي كان عبئاً على النظام، ليبقي الأخير بيده الجزء الغربي الغني وأصبحت حلب بمثابة الثقب الأسود لموارد الثورة.

في المقابل، تُحرم الجبهات التي تشكل خطراً على النظام من الدعم وعلى سبيل المثال، فأول مرة استلمت داريا (البلدة الثائرة قرب القصر الجمهوري) دعماً كان في شهر آب من عام 2013م بمبلغ 400 ألف دولار فقط حسب ناشطين من المدينة وكانت هي المرة الأخيرة التي يصل الدعم خلالها للمحاصرين هناك.
وهذا الدعم بطبيعته يمنع الوحدة بين الفصائل، فمثلا غرفة “الموك” حددت الدعم لفصائل الشمال على ألا يتجاوز عدد مقاتليها 3000 عنصر، وبعد انضمام لواء الحرية وحلب المدينة وحركة الظاهر بيبرس لحركة الزنكي أوقفَ الدعم فوراً.

وقد يكون هدف دعم بعض الدول هو منافسة دول أخرى عبر فصائل معادية للفصائل المحسوبة على تلك الدول.

وقد يكون الدعم هدفه إضعاف المجموعات الثورية نفسها وصنع ترهل بيروقراطي داخلها، فعلى سبيل المثال دعم إحدى الدول كان يصل جزء منه للقيادة العليا، وجزء آخر يذهب لألوية بعينها فتجد ضمن الفصيل الواحد عناصر يتقاضون رواتب بشكل دوري وعناصر في كتائب أخرى لا يحصلون حتى على مصروفهم الشخصي، كما يعطى جزء من الدعم لشخصيات ليس لها نفوذ كبير فيوزعون الدعم على غيرهم ويشترون الولاءات ليصبح لهم دوراً أكبر من منصبهم الرسمي، وكل هذا تسبب بفوضى إدارية وأضعف القرار المركزي لدى الفصائل المقاتلة.

هذه الثنائية تساهم حتى اللحظة من تعقيد المشهد السوري، فالخلاف بين أهل صيدنايا قائم ويستثمر من حين لآخر بقتال قاعدته الصراع الفكري وقمته بسط النفوذ في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، أما الدعم باختلاف أشكاله فهو مرهون بالشروع الضيق للداعم والذي يريد فرضه على الساحة السورية وتحويلها لساحة صراع ضد الجماعات التي يعاديها، وللأسف فالتصفيات الحزبية يديرها الداعمون من الخارج ويدفع ضريبتها الشعب السوري في الداخل.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.