صناعة النخب الزائفة بين الإنسان المقموع والإنسان الثائر

مع هذا الانقلاب الكبير كان من المنطقي أن تنقلب الطاولة على سياسة صناعة النخب، التي أنتجت عبر عقود، إما نخبًا تافهة أو نخبًا فاسدة. والحالة السورية خير مثال على ذلك مع ثورتها التي خرجت لتغيير وضع بلاد كامل وسياسة نظام من الجذور.

الأيام السورية؛ خالد المحمد

ساهمتْ الأحداث والانفتاح مؤخراً في إعادة إحياء طبقة النخب في المجتمع العربي عموماً والسوري خصوصاً، لكن بقالب وشكل مختلف عن المراحل السابقة.

وكان الحدث الأهم في تغيير مجتمعنا هو انقسام هذا المجتمع، ما بين الإنسان المقموع والإنسان الثائر أو المتحرر نوعاً ما.

وهنا تختلف النخبة بين هاتين الفئتين؛ فالفئة الأولى تُحدّد لها النخبة من قبل الأنظمة الحاكمة، فكانت النخبة المؤثرة ما بين فناّنين سطحيين، ورجال النظام الحاكم من الحزبيين والمسؤولين الحكوميين الذين يدورون في فلك النظام، وإبرازهم بمظهر المثقف الواعي والناجح الملهم، فنقطة ارتكاز النخب دائماً هي اعتقاد الناس بالنجاح الباهر لهؤلاء النخب الذي لا يمكن الوصول إليه.

تزاوج المال والسلطة

هذا النجاح الذي ما كان إلا من المحسوبية وتزاوج المال والسلطة، ورضا السلطة الحاكمة عن شخصيات معينة، كان يصنعها ويحققها الإعلام ذو الصوت الواحد، ولكن مع بروز ظاهرة الإعلام الجديد وحرية الإعلام والفضاء الحر، والذي رافقه الربيع العربي، وخروج ثورات الشعوب ليس ضد الأنظمة وحدها، وإنما ضد نخبها التي استخفّت بعقولهم وباعتهم الأوهام.

مع هذا الانقلاب الكبير كان من المنطقي أن تنقلب الطاولة على سياسة صناعة النخب، التي أنتجت عبر عقود، إما نخبًا تافهة أو نخبًا فاسدة.

والحالة السورية خير مثال على ذلك مع ثورتها التي خرجت لتغيير وضع بلاد كامل وسياسة نظام من الجذور.

النخب السياسية

على الصعيد السياسي ربما كانت النخب جاهزة للظهور مع وجود أعداد كبيرة من المعارضين التقليديين للنظام في خارج سوريا، والذين تصدروا المشهد والشاشات.

لكن سرعان ما قُـولبت شخصيات المعارضة السياسية ضمن تشكيلات معينة مدعومة على حساب أخرى، وهيمن تيار واحد عليها، والتبعية لجهات ذات مصالح خاصة، فأقصت أناسا وأبرزت أناسا في مشهد لا يبتعد كثيراً عن أسلوب النخب القديمة والتي يمكن تسميتها نوعاً ما ” النخب المدعومة “.

النخب العسكرية

كذلك النخب العسكرية التي ظهرت دون خلفيات معروفة سابقاً أو مؤهلات حقيقية، وتأتي نخب الإعلام الجديد التي تصدرت الواجهة، وأتاحت منصاتهُ لكتاب وصحفيين ومثقفين خارج مدار “النخب المدعومة ” أن يكونوا منبراً بعيداً عن التبعية، ولكن لم يستطع هؤلاء أن يكونوا التيار الأقوى مع طغيان النخب التقليدية، وهيمنة التفاهة من جانب آخر على وسائل الإعلام الجديد هذه، وعودة النخب التافهة بشكل جديد.

غياب النخب الحقيقية

في المحصلة يبدو اليوم غياب النخب الحقيقية والمؤثرة في الشارعين المؤيد والمعارض أو التقليدي والجديد، واحتلال المتسلقين والمدفوعين لكراسي قيادة المجتمع والرأي، مشكلة حقيقية تؤثر على مسيرة وتطور المجتمع العربي عموماً والسوري خصوصاً، وتحرف قيمهُ وتُضيّع رسالته، ولعل تصاعد ظواهر ( كاستمرار الاعتراف ببشار الأسد والتطبيع الوقح مع الكيان الإسرائيلي والتطبيل للفشل والطغيان في بعض الدول…) وغيرها من الظواهر، تعكس عمق الأزمة في غياب النخب الحقيقة، وطغيان النخب الزائفة، حيث باتت النخب تُصنع صناعة بعد أن كانت يفرزها النشاط الفكري والاجتماعي والثقافي للمجتمع، فانحرفت البوصلة و رُوّج للحقائق الزائفة، وهو حال اختصرته مقولة الفيلسوف نيتشه: “الحقائق أكاذيب نسيَ الناس أنها أكاذيب”.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.