مقالة للحوار والمواجهة _ صناعة التواريخ الأسطورية في الشرق الأوسط –

مقدمة:
حاولت الأيام في مرات عديدة نشر مقالات باللغتين الكوردية والعربية دون أن تتوفق بذلك. كانت الغاية من محاولتها هو رغبتها في تقريب المكونات التي يتألف منها النسيج المجتمعي السوري بعضها من بعض، وفتح المجال لحوار علمي ووطني يغني ثقافة الشعب السوري ويلغي الفوارق ويوحد الصفوف.
وردت الى هيئة التحرير المقالة التالية باللغتين العربية والكردية، أطلقت على الفور خلافات في الرأي ونقاشات حادة حول صلاحية هذه المقالة للنشر من عدمه. فالمقالة التي أرادت أن تظهرعلى شاكلة “دراسة اكاديمية” تُظهر الحقائق وتوثقها بأرقام صفحات المراجع التي اعتمدت عليها – لم تكن أكثر من حكماً غيابياً بالتزوير والتلفيق أصدره الكاتب على ما ورد في كتب التاريخ عن كل المكونات السورية ومكونات منطقة الشرق الاوسط عدا المكون الذي ينتمي إليه. اتهم الكاتب مؤرخي هذه المكونات بالتزوير والافتراء دون أن يقدم دليلاً علمياً واحداً على اتهاماته. 
قررت هيئة تحرير الأيام نشر الترجمة العربية من هذه المقالة لتضعها أمام القراء لاتاحة المجال للتعليق العلمي المعتمد على البحث والحقائق دون أي تهجمات شخصية أو أثنية، وذلك إيماناً بحرية التعبير ورغبة في اطلاع السوريين الوطنيين الكورد قبل غيرهم عن حجم الاساءة التي قد تسببها مثل هذه المقالات التي تضع الشعب السوري الكوردي الاصيل بمواجهة كل المكونات السورية الأخرى.
تفتح الايام النقاش حول ما ورد في هذه المقالة وتأمل أن يتصدى الكتاب الكورد قبل غيرهم بالمشاركة في الرد، فجميع مكونات الشعب السوري ذات جذور تاريخية واحدة ترابطت وتفاعلت عبر التاريخ وحافظ كل منها على تاريخه المكمل لتاريخ المكونات الأخرى. تعد الايام قراءها بنشر تعليقاتهم المهنية والموضوعية راجية من جميع كتاب تاريخ المكونات السورية أن يرسلوا مقالاتهم – حتى ولو متسلسلة إن كانت طويلة – وذلك لتمتين التعارف فيما بينهم وتوخياً لتوثيق الحقائق.
متى يفهم السوريون أنهم شعب واحد من أثنيات وقوميات وأديان وطوائف مختلفة، تتمثل قوتهم فقط في وحدتهم الوطنية وأن من يحاول تفرقتهم هو عدوهم الفعلي الذي يحاول تمزيق نسيجهم ووحدة وطنهم.
_ صناعة التواريخ الأسطورية في الشرق الأوسط

Sozdar Mîdî (Dr. E. Xelîl)

 بقلم: أحمد خليل 

احمد خليل كاتب كردي

 مقال باللغة الكردية مترجم للعربية… 

شعوب الشرق الأوسط ليست مبتلاةً فقط بساسة مستبدّين، وليست مبتلاةً فقط بشيوخ دين متخلّفين، يقودون الشعوب باسم الجهاد إلى التذابح وتدمير الأوطان، بل هي مبتلاة أيضاً بمؤرّخين يحرّفون الحقائق، ويصنعون لشعوبهم ذاكرات مزيّفة، ويصل بعضهم في هذا النهج إلى حدّ الهَلْوَسة. وفيما يلي أربعة نماذج.
أولاً – النموذج الفارسي:
الفرس شعب بدوي، وصلوا في القرن 8 ق.م إلى شمالي مملكة إيلام، وصاروا خاضعين لها، ولمّا ضعفت سيطروا على أقاليمها، مستفيدين من تبعيّتهم لمملكة ميديا، ثم تآمر الملك الفارسي كورش الثاني مع قائد الجيش الميدي هارْپاگ ضد الملك الميدي أَزْدَهاك (أَسْتِياگ)، واحتلّ مملكة ميديا سنة 550 ق.م، وأسّس إمبراطورية تمتد من حدود الصين إلى ضفاف البوسفور( ).
أمّا مؤرّخو الفرس القدماء فلهم رواية أخرى؛ إذ زعموا أن جدّ الفرس الأوّل جِيُومَرْت (گِيُومَرْت) كان ملك الإنس والجِنّ، وأن حفيده هُوشَنْگ اكتشف النار، وأن طَهْمُورْت بن هُوشَنْگ حارب الجِنّ وسجن كثيرين منهم، فعلّموه الكتابة بثلاثين لغة، لقاءَ إطلاق سَراحهم، فكان ذلك بدايةَ اختراع الكتابة، وزعموا أن جَمْشِيد بن طَهْمُورت أوّلُ من صنع الأسلحة وبنى المدن، وفي عهده عُرف عيد نوروز( ).
وقد جمع مؤرّخو الفرس سِيَر ملوكهم في كتاب باللغة الپَهْلَوية اسمه (خُدايْ نامَه) أي الرسالة الإلهية، وصبغوا تاريخهم بصبغة إلهية، وبعد قضاء العرب على إمبراطورية فارس سنة 651 م، أحيا الفرس تاريخهم الأسطوري ثانية، فترجم ابن المُقَفَّع (رُوزْبَه، ت 759 م) كتابَ (خُداي نامَه) من الپَهْلَوية إلى العربية، وصاغه الفِرْدَوْسي (ت 1020 م) شعراً في ديوان (شاهْنامَه)( ).

ثانياً – النموذج الآشوري:
الآشوريون شعب مزيج من الأموريين (البابليين) ذوي الثقافة الصحراوية، والسُّوباريين (أسلاف الكُرد) ذوي الثقافة الجبلية، ويقول هاري ساغَز Hary Sags: “لا نَعلم إلّا القليل بالضبط عن آشور قبل نهاية الألف الثالث قبل الميلاد”، أي قبل 2000 ق.م وقد احتلّ بعض الأموريين إقليم سوبارتو في عهد الملك شَمْشي أَدَد الأوّل Shamshi- Adad 1 (1813 – 1781 ق.م)، وكان الملك أشور أُوبالّيت الأول Ashur Uballit I (1365 – 1330 ق.م) أولَ من استعمل كلمة (أشور) اسماً لدولته، وكان الاسم القديم هو (سوبارتو) ( ).

آشور1

أمّا الكتّاب الآشوريون فزعموا أن تاريخ شعبهم يعود إلى سنة 4750 ق.م، وجعلوه بدايةً للتاريخ الآشوري، أي أننا الآن في سنة 6765 آشورية، واقتبسوا عيد (آكِيتُو) السومري، وزعموا أنه عيد آشوري. وإن الدكتور حامِد البَيّاتي، ممثّل العراق في هيئة الأمم المتّحدة، انخدع بهذا الزيف، فقدّم التهنئة للآشوريين، في جلسة الأمم المتحدة بتاريخ 21 – 3 – 2013، بمناسبة (رأس السنة الآشورية 6763)، ليقول للعالَم: انظروا! كم نحن- العراقيين- عريقون في التاريخ وكم نحن عظماء!

ثالثاً – النموذج الكَلداني:
الكَلدان Kaldi/Kaldu شعب بدوي، ينتمي إلى قبائل آرامية هاجرت من صحراء شبه الجزيرة العربية، واستقرّ الكَلدان خلال القرن 14 ق.م على ضفاف الفرات في جنوبي ميزوپوتاميا (العراق حالياً)، ثم توسّعوا حتى الخليج السومري (الفارسي). وفي القرن 7 ق.م أسّسوا مملكة عُرفت باسم (المملكة البابلية الحديثة)، وكان عمرها 87 عاماً فقط (بين 626 – 539 ق.م)، وحكمها ستّة ملوك، وفي الفترة الأخيرة وقعت تحت نفوذ مملكة آشور، وتحالفت مع مملكة ميديا للخلاص من سيطرتها سنة 612 ق.م، وقضى عليها الملك الفارسي كورش الثاني( ).

كلدان

مملكة الكَلدان قبل عام 612 ق.م
وتعالوا لنرَ ما قاله المؤرّخ الكَلداني عامر حَنّا فَتُوحي، قال: “الكَلدان هم السكان الأصليون للعراق القديم”. وزعم أن مدينة (أريدو) السومرية هي العاصمة الأولى للكَلدان الأوائل سنة 5300 ق.م، وأن أوّل كتابة معروفة في التاريخ البشري في الألف الخامس قبل الميلاد نشأت في مستوطَن الكَلدان الأوائل، قبل وصول السومريين إلى جنوبي ميزوپوتاميا بحوالي ألف وخمسمئة عام، ونسبَ الأكّاديين والبابليين والآشوريين والسريان جميعاً إلى “الكلدان الأوائل”( ).

 

كلدان 1

مملكة الكَلدان بعد عام 612 ق.م
رابعاً – النموذج الأرمني:
ذكر المؤرخ الإغريقي هيرودوت Herodotus (ت 425 ق.م) أن الأرمن شعب هندو أوربي، كان يقيم في منطقة تراقيا Thrace البَلقانية، وغادروها في القرن 12 ق.م، وعبروا البوسفور واستقرّوا في فِريجيا (شمال غرب الأناضول) في القرن 8 ق.م، ثم هاجروا شرقاً إلى أُورارتو (موطِن شعب خَلْدي- أسلاف الكُرد) في أواخر القرن 7 ق.م، وسيطروا عليها بعد ضعف دولة أُورارتو بسبب الغزو الحِثّي.

ارمن
وكان الأرمن يسمّون حينذاك (هايي) Hai، وسُمّيت بلادُهم هايِسْتان، وسمّاها الفرس (أرمينيا) Armina، وهناك تمازج شعب هايي مع شعب خَلْدي الأصلي (أحفاد الحوريين)، ومع الحثيين الذين كانوا قد غزوا أورارتو، ونشأ التكوين القومي الذي عُرف بعدئذ باسم (أرمن)، وهذا سبب التشابه بين الكُرد وبعض الأرمن في الملامح والموسيقى وبعض الأغاني الشعبية( ).

أمّا المؤرخ الأرمني موسيس خوريناتسي Movses Khorenatsi (410 – 490 م) فزعم أن الآلهة الأُوَل كانوا بداية العالَم، ثم خُلق منهم عمالقةٌ أقوياء طوال القامة، ومن هؤلاء الأوائل هايك المنسوب إلى يافِث بن نُوح، وكان مشهوراً بشجاعته وبراعته في الرمي بالقوس واستعمال الرمح، وكان يقيم في بابل، ثم رحل إلى الشمال نحو جنوب (بحيرة وان) مع أبنائه وأحفاده وكل عشيرته البالغ عددها نحو ثلاثمائة شخص، وأخضع السكانَ الأصليين لسلطته، وجعل لابنه آرامانياك حقّ وراثته.

وزعيم موسيس أيضاً أن هايك مع بعض عشيرته وسّعوا نفوذهم نحو الشمال الغربي، واستقرّوا في منطقة مرتفعة أطلق عليها اسمه (هايك)، ويضيف موسيس: “هذا هو هايك جدّ الأمّة الأرمنية، … وسّع آرام حدود مملكة الأرمن في كل الاتجاهات، فتسمّينا باسمه على الأرض، وسمّانا اليونان (آرمين)، وسمّانا الفرس والآشوريون (آرمنيك)”( ).

ارمن1

هذه فقط عدّة نماذج لكيفية اختراع التواريخ المزيّفة في الشرق الأوسط، ومثل هذه الاختلاقات موجودة في تاريخ العرب وتاريخ التُّرك أيضاً. والمشكلة أنها تصبح ركيزة أساسية في الوعي الجمعي للشعب، وتحتلّ ذاكرتَه القومية، وتوجّه سياساته مع الشعوب المجاورة، ويَصعب إقناعُه بما هو حقيقي. وقد ذكرنا هذه النماذج تمهيداً لبحثنا عن السُّوباريين؛ لأنهم أحد ضحايا هذه الپروپاغندا.
الأربعاء 4 – 11 – 2015
توضيح:
يترجم الصديق الأستاذ مصطفى رشيد حلقات هذه السلسلة إلى الكُردية بالحرف اللاتيني، وينشرها، فله الشكر الجزيل.

المترجم من اللغه الكردية مصطفى رشيد
المراجع: رابط صفحة الكاتب على الفيس بوك :

https://www.facebook.com/sozdarmidi/?fref=photo

—————————————————————

[1] – موريس كروزيه: تاريخ الحضارات العام، 1/214. عبد الحميد زايد: الشرق الخالد، ص 600. محمد بَيُّومي مهران: تاريخ العراق القديم، ص 460.

[1] – الفردوسي: شاهنامه، ص 5- 9.

[1] – أمين عبد المجيد بَدَوي: جولة في شاهنامة الفردوسي، ص 7 – 11.

[1] – هاري ساغَز: عظمة آشور، ص 30. محمد بَيُّومي مهران: تاريخ العراق القديم، ص 335، 344. عامر حَنّا فَتُوحي: الكَلدان منذ بدء الزمان، ص 105.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
5 تعليقات
  1. عبدالباري عثمان يقول

    تحياتي
    شكرأ لجريدة الايام لنشرها مواد تهم كل المكونات السورية .
    اعتقد من حق كل كاتب أن ينشر بالجريدة التي يحترمها ما يدور في اذهانه وهذا رأي الشخصي ولا يعبر عن رأي الجريدة أو يعبر رأي المكون الذي ينتمي اليه .
    انا شخصيأ مع اعادت كتابة التاريخ ولكن بشكل موضوعي وحقائقي يستند على الوثائق صادرة عن جهات موثوقة اختلف مع الكاتب في تحديد النماذج كان بأمكانه التحدث عن هذا الموضوع الشائك بصورة تفصيلية عن صناع القرار بذلك الوقت والرد على ما كتبوه الكتاب عن ذلك الوقت ولا يعمم على الاخوة في النماذج المذكور لديه .
    لدى كل المكونات في الشرق الاوسط متعصبون قوميأ وايضأ ليبرال وحتى الشيفونيين ،لذلك اتمنى على الايام نشرأراء الكتاب ليتثنى للجميع قرأت افكار هؤلاء الكتاب ولكل قارئ رأيه .
    وشكرأ

    1. nuha يقول

      شكرا لك سيد عبد الباري

  2. nuha يقول

    رد الكاتب: أحمد خليل_ صاحب المقاله

    حَسَناً!.. وكُردستان بِدّا حرّية!!
    ( توضيحات لموقع الأيّام AL- AYYAM السوري )
    في الأربعاء الماضي 4-11-2015، نشرت دراسة بعنوان “صناعة التواريخ الأسطورية في الشرق الأوسط”، الرابط:
    https://app.box.com/s/wyiuwj40thm9acwqkxytitwzhktkew6p
    وعلمت أن هيئة تحرير موقع الأيّام AL- AYYAM السوري نشر الدراسة، مع مقدّمة فيها دعوة إلى “الحوار والمواجهة”. وفي المقال التالي أوضّح ملاحظاتي بشأن ما ورد في مقدّمة هيئة تحرير الموقع.

    السادة هيئة تحرير الأيّام AL- AYYAM السورية.
    أحيّيكم، وأثمّن حرصكم على نشر دراسة ” صناعة التواريخ الأسطورية في الشرق الأوسط”، وأقدّر اهتمامكم بـ” فتح المجال لحوار علمي ووطني” و”لإتاحة المجال للتعليق العلمي المعتمِد على البحث والحقائق دون أيّ تهجّمات شخصية أو أثنية” حسبما قلتم في مقدّمتكم.
    ولي بعض الملاحظات على مقدّمتكم، وآمل أن يتّسع لها صدركم وتنشروها.
    1 – في البداية قلتم “مقدّمة للحوار والمواجهة”، وعبارة “مواجهة” ليست حيادية، إنها تعني: جهة ضد جهة، جهة تقاتل جهة، جهة عندها نيّة إلغاء جهة، وربما نَحْرها على الطريقة الداعشية، وكان من الممكن الاكتفاء بعبارة “مناقشة” فهي أنسب، إلا إذا أردتم أن يكون موقعكم منبراً لتعميم النزعة العدائية ضد الكُرد، كما تفعل بعض الفضائيات، كفضائية أُورينت السورية، وفضائية الجزيرة القَطَرية.
    2 – ذكرتُ في آخر الدراسة ثمانية هوامش لتوثيق المعلومات التي بنيتُ عليها آرائي، وهذا من بديهيات البحث الأكاديمي، والملاحَظ أنه حينما نشرتم الدراسة ذكرتم فقط الهوامش الأربعة الأولى، وهذا يتنافى والأمانة العلمية.
    3 – قلتم: ” فالمقالة التي أرادت أن تظهر على شاكلة “دراسة أكاديمية” …”. ثم قيّمتم المقالة بأنها ” لم تكن أكثر من حكماً غيابياً بالتزوير والتلفيق أصدره الكاتب على المكوّنات السورية ومكونات منطقة الشرق الاوسط ” (أنقل عباراتكم بأخطائها المطبعية التي نقع فيها جميعاً). وقلتم أيضاً ” اتهم الكاتب مؤرخي هذه المكونات بالتزوير والافتراء دون أن يقدّم دليلاً علمياً واحداً على اتهاماته”.
    هنا نحن أمام مشكلة، وهي أنكم تتحدّثون عن معايير لا تُلزمون أنفسكم بها، ودعوني أسألكم: متى تستحقّ دراسةٌ ما صفةَ ” أكاديمية”؟ أليس حينما تُقتَبس المعلومات من مصادرها الموثَّقة، ثم تُناقَش كما هي ويُبيّن صوابُها أو عدمُ صوابها بأدلّة موثَّقة؟ وما ذكرتُه في الدراسة بشأن النماذج الأربعة هل خرج عن هذا النطاق الأكاديمي؟ أليست المعلومات موثَّقة باسم المؤلّف وعنوان المرجع والصفحة؟ أليست مستقاةً من مراجع ألّفها باحثون عرب وأوربيون مختصّون في التاريخ؟ فكيف يصحّ القول بأني أصدرتُ “حكماً غيابياً بالتزوير والتلفيق”؟ كنت أتمنّى أن تفكّروا في دلالة عبارة “حكماً غيابياً” من الوجهة الحقوقية قبل استعمالها.
    4 – قلتم إنكم تنشرون المقال ” إيماناً بحرية التعبير ورغبةً في اطلاع السوريين الوطنيين الكورد قبل غيرهم عن حجم الاساءة التي قد تسببها مثل هذه المقالات التي تضع الشعب السوري الكوردي الاصيل بمواجهة كل المكونات السورية الأخرى”. (مرّة أخرى نغضّ النظر عن الأخطاء المطبعية)، ولم تكتفوا بهذا، بل تمنّيتم أن”يتصدّى الكتّاب الكورد قبل غيرهم بالمشاركة في الرد”، ويبدو أنكم معجبون بالمثل العربي القديم “إن الحديد بالحديد يُفلِح”، وبالمثل السوري الشعبي “فخّار يكسّر بعضه”!
    ودعوني أسألكم مرة أخرى: ما مبرّر تصنيف دراسة قائمة على معلومات موثَّقة، ومقتبسة من مصادر تاريخية، في خانة (الإساءة) إلى الآخرين؟ ألستم بهكذا نهج تطالبونني والآخرين ضمناً بالسكوت على التحريف الذي يمارسه بعض المؤرخين المصابين بالنرجسية القومية؟ ألستم بذلك توافقون ضمناً على استمرارية هكذا نرجسيات؟ أليست هذه النرجسيات هي التي أنتجت السياسات الفاشية التي ابتُليت بها شعوب الشرق الأوسط المسكينة، وتدفع ثمنها كوارث وعذابات هائلة؟
    5 – ذكرتم أن ما ورد في الدراسة يسيء إلى المكوّنات السورية والشرق أوسطية. ويبدو أنكم قرأتم الدراسة بذهنية “المواجهة!” لا بذهنية البحث عن الحقيقة، ولا بِنيّة فحصِ المقدّمات والنتائج، ومناقشةِ مدى المنطقية في استنباط النتائج من المقدّمات.
    كان من الأفضل- يا سادة- باعتباركم من محبّي ” فتح المجال لحوار علمي ووطني”، أن تدقّقوا لغوياً في قولي “بل هي مبتلاة أيضاً بمؤرّخين يحرّفون الحقائق، …”، لو دقّقتم في العبارة لغوياً لاتضح أن وظيفة جملة الصفة بعد الاسم النكرة – بحسب قواعد اللغة العربية- هي تحديد دلالته وعدم إطلاقه. وكان من الممكن أن تقولوا إني أسأت إلى بعض المؤرّخين من الشرق الأوسط، هذا على فرض أنني تقوّلت عليهم، ولم أذكر المعلومات موثّقةً بالعنوان والصفحة. أمّا أن تصوّروا الدراسة وكأنها تتّهم جميع المؤرّخين بتحريف الحقائق، وتسيء إلى جميع مكوّنات الشرق الأوسط، فهذا هو العجب العجاب.
    6 – لن أقف عند عبارتكم ” متى يفهم السوريون…؟”، إن فيها تعميماً وإجحافاً، وهي في الوقت نفسه عبارة استعلائية غير لائقة في خطاب شعب معروف بالحيوية والفطنة. وأنتقل إلى قولكم بأني أصدرت حكماً غيابياً بالتزوير والتلفيق “على ما ورد في كتب التاريخ عن كل المكونات السورية ومكونات منطقة الشرق الاوسط عدا المكون الذي ينتمي إليه”؛ تقصدون الكُرد بطبيعة الحال.
    وأسألكم بالله: هل سمحت أنظمة الدول التي تحتلّ كُردستان بأن يَعرف الكُرد تاريخهم؟ هل فتحوا في جامعاتهم أقساماً لتدريس التاريخ الكُردي بحرية وواقعية؟ يا سادة! إن قادة هذه الدول- ساسةً ومثقفين وإعلاميين- كانوا، حتى قُبيل سقوط النظام البعثي الفاشي في العراق، وزلزلة النظام البعثي الفاشي في سوريا، يمتنعون حتّى عن ذكر اسم الكُرد كشعب، ويعتبرونهم مهاجرين.
    وأذكر بهذه المناسبة أنني كنت- وأنا خارج سوريا- أنشر حلقات ضمن سلسلة بعنوان “مشاهير الكُرد في التاريخ”، أتناول فيها بإيجاز سِيَر بعض الأعلام الكُرد الذين خدموا الشرق الأوسط في مجالات السياسة والقيادة والفِقه والتاريخ والفكر والأدب والفنّ، وبمنهج أكاديمي. فزارني في أحد أيام ربيع سنة 2010 صديق حميم وهو أستاذ جامعي سوري، وحريص على أن يصلّي بعد الفرائض بعض النوافل، (لا أذكر اسمه لأني لم آخذ موافقته) وعاتبني على نشر الحلقات، وناقشني حوالي 4 ساعات لأوقف نشرها.
    وحاولت جاهداً إقناع الصديق الحميم بأن الكُرد شعب كبقية الشعوب، وينبغي أن يعرفه الآخرون، ومن الصواب أن تعرف شعوب الشرق الأوسط بعضَها بعضاً، فمَن جهل شيئاً عاداه. ولم تنفع الحجج الدينية التي أوردتها لإقناعه، مثل الآية القرآنية { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا } [سورة الحُجُرات، الآية 13]، ومثل الحديث النبوي الصحيح {لا يُؤْمِنُ أحَدُكم حتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ} [ مسند الإمام أحمد بن حَنْبَل، مؤسّسة الرسالة، 2001، ج 21، ص 388].
    ومع أن صديقي الجامعي كان شديد الكراهية مثلي للنظام السوري البعثي، إلا أنه لم يتردّد عن استعمال السلاح السحري الأكثر نجاعة لردعي عن الكتابة في الشأن الكردي؛ ألا وهو تخويفي من سطوة الأجهزة الأمنية للنظام البعثي السوري.
    ذكرت هذا عَرَضاً، وأعود إلى مسألة “عدا المكوّن الذي ينتمي إليه”، وأقول: يا سادة! إذا وجدتم مؤرّخاً كُردياً لفّق تاريخاً أسطورياً للشعب الكُردي، فحبّذا أن ترسلوا لي ما كتبه كي أصحّح مزاعمه كما أفعل بمزاعم الآخرين، وأنشره في موقعكم، لأن الكتابة مسؤولية علمية وأخلاقية معاً، وخاصة حينما تتعلّق بتواريخ الشعوب.
    7 – ذكرتم في مقدّمتكم أيضاً “النسيج المجتمعي السوري”، وأن السوريين ” شعب واحد من أثنيات وقوميات وأديان وطوائف مختلفة، تتمثل قوتهم فقط في وحدتهم الوطنية وأن من يحاول تفرقتهم هو عدوهم الفعلي الذي يحاول تمزيق نسيجهم ووحدة وطنهم”.
    ولن أقف الآن عند اتّهامكم الضمني لي بأنّي أفرّق السوريين وأنّي عدوّهم الفعلي، وأنتقل إلى حديثكم عن “النسيج المجتمعي السوري”، فهو يذكّرني بقول الرئيس البعثي بشّار الأسد بعد الانتفاضة الكُردية سنة 2004، حينما صرّح أن الكُرد “جزء من النسيج السوري” لتسكيت الكُرد حينذاك، وخاصة أن صورة الرئيس البعثي صدّام حسين وهو في الحفرة كانت ماثلة أمام مخيّلته، وكانت العصا الأمريكية الغليظة باطشة.
    إن الحديث عن (النسيج السوري) يذكّرني بقول الشاعر:
    قد بُلينا بأميـــــــــــــــــرٍ ظَلمَ الناسَ وسَبّحْ
    فهو كالجزّارِ فيـــــــنا يَذكرُ الله ويَذبــــــــحْ
    أجل، حالنا- نحن الكُرد- معكم ومع بشّار الأسد ونظامه البعثي كحال الشاعر وقومه مع الأمير التقيّ الذبّاح. يا سادة! اتقوا الله! حينما كان الكُردي يُعتقَل، ويُهان، وأحياناً يُقتل تحت التعذيب، لمجرّد أنه أصرّ على هويته الكُردية، وأحياناً لمجرد كونه كُردياً، وحينما كنتُ أنا شخصياً أُهان وأُضرَب بالسياط على رجلي (الفَلَق) في إحدى معتقلات النظام البعثي بحلب في عهد حافظ الأسد سنة 1974 لمجردّ كوني كُردياً، أين كان المتباكون الآن على “النسيج المجتمعي السوري” وعلى مكوّنات الشرق الأوسط؟ ألم يكن معظمهم حينذاك من عظام رقبة النظام البعثي؟
    يا سادة! أين كانت هذه الغيرة الفيسبوكية العلمية والوطنية حينما شنّ الدواعش غزوتهم الإرهابية على الكُرد الأَيزديين في سِنجار، وقتلوا، ونهبوا، وسبوا لا أقلّ من أربعة آلاف فتاة وامرأة كُردية، وساقوهن إلى أسواق النخاسة؟ أين كانت هذه الغيرة حينما غزا الدواعش كوباني الكُردية، وقتلوا ونهبوا ودمّروا؟ أين كانت هذه الغيرة حينما كانت الجماعات الإرهابية المتستّرة باسم (الجيش الحرّ) تسطو على السيارات المدنية في طريق حلب – عَفرين، وتختطف الكُرد المسالمين وتقتل بعضهم؟ ألم تقتضي الغيرة على “النسيج الوطني” وعلى “مكوّنات الشرق الأوسط” أن تطلبوا من القرّاء أيضاً إبداء الرأي في هكذا جرائم يندى لها جبين الشرق الأوسط كله؟
    وأخيراً، بشأن (النسيج السوري) أقول بوضوح، وآمل أن يطول صبركم عليّ:
    لا مشكلة لنا نحن الكُرد مطلقاً مع شعوب الشرق الأوسط، العرب والمُستعرِبين والفرس والبلوش والتُّرك والآشوريين والسريان والكلدان والمَندائيين والأرمن والشركس والمارون والمصريين والأمازيغ، فنحن الكُرد عانينا طويلاً- وما نزال نعاني- من سياسات القمع، ولا نريد هكذا معاناة لغيرنا، وما أريده للكُرد من حرية وأمن وازدهار أريده للبشرية جمعاء. بل إنني شخصياً أعدّ هذه شعوب الشرق الأوسط ضحايا لسياسات وثقافات الاستبداد والتكفير، وينبغي أن تتحرّر من هكذا سياسيات وثقافات متخلّفة، وتتعاون وتعيش في وئام وسلام في إطار (دول الاتحاد الشرق أوسطي).
    إن مشكلتنا الوحيدة- يا سادة- هي مع دول تحتلّ وطننا كُردستان، وتستعمِرنا، وتفرض جنسياتها علينا، وتنهب مواردنا، وتعبث بكرامتنا كأفراد وكشعب، ومشكلتُنا أيضاً هي مع كل سياسي ومثقّف وإعلامي يخدم سياسات هذه الدول ضدّنا.
    أجل، إنني أَعدّ إيران، وتركيا، والعراق، وسوريا دولاً تحتلّ وطننا كُردستان، وتمارس علينا- نحن الكُرد- أبشع أنواع الاستعمار مكراً وتوحّشاً. هذا هو رأيي، وأرجّح أنه رأي أغلبية نُخب الأمّة الكُردية. وإذا كان ثمّة قلّة من الكُرد ما زالوا مخدوعين بالشعارات والوعود البرّاقة، ومغترّين إلى الآن بمشاريع (المُواطَنة) في دول الاحتلال، فلا أشكّ في أنهم سيندمون ويراجعون أنفسهم يوماً ما.
    ويعجبني جدّاً أنكم اتخذتم عبارة ( سوريا بَدّا حرّية ) شعاراً لموقعكم.
    حسناً، ونحن الكُرد أيضاً شعارنا ( كُردستان بَدّا حرّية ).
    فهل نحن في هذا ظالمون؟!

    1. nuha يقول

      شكرا لكاتب المقال احمد خليل على الرد

  3. فهد ابراهيم باشا يقول

    رد الأيام على تعليق كاتب مقالة :” صناعة التواريخ الأسطورية في الشرق الأوسط” الاستاذ: أحمد خليل

    رد الكاتب : فهد ابراهيم باشا

    بداية، تشكر الأيام الاستاذ أحمد خليل على تثمينه قيام الأيام بنشر مقالته وفتح المجال لحوار علمي ووطني حولها. ونظراً الى أنّ رد الكاتب كان متشعباً جداً، تقاطعت فيه الأفكار والمحاور واختلطت بحيث أصبح من الصعب الاجابة عليها بشكل منهجي واضح، ارتأينا أن نرد على ما ورد في التعليق بنفس الترتيب الذي ورد فيه:
    1. المواجهة: لا تعني على الاطلاق إلغاء الآخر، فهي ممارسة ديمقراطية أكثر عمقاً من المناقشة تهدف إلى إظهار الحقيقة الى المتلقين، تماماً كما يفعل مرشحو الانتخابات الرئاسية من الحزب نفسه في الدول المتقدمة. نأسف أنك تماديت في كيل الاتهامات الى الأيام وهي المعروفة أنها فتحت موقعها منذ بداية الثورة للدفاع عن حقوق كل المكونات السورية وعلى رأسهم الكورد السوريون.
    2. الهوامش: نشرنا الهوامش التي وردتنا مع المقال ولم نختصرها، يُرجى إرسال الهوامش الأخرى لنشرها.
    3. الدراسة الاكاديمية: صحيح أنك أوردت في مقالتك أسماء المصادر ولكنك أطلقت حكمك على محتوى المعلومات بالتزوير دون أن يتاح لأحد مناقشتها: وهذا يفسر سبب اعتراضنا، كنّا نتمنى أن تترك أمر القرار الى القراء. كذلك ضمنت المعلومات كثير من الجمل الخارجة عن الدراسة لتوحي بأن هذه المنطقة كانت أرضاً كردية أو أنّ تلك الشعوب تنحدر من أصل كوردي وهو إضافة خاصة وتدخل غير موثق في المصدر.
    4. مناشدة المؤرخين والكتاب الكورد بالرد: لقد بدا واضحاً من مقالتك أنك صاحب مشروع قومي تحاول تمريره ونشر أفكاره وهو حقّ لك لا نعترض عليه، ولكنه مشروع يتعارض مع أفكار الكثير من الكتاب والسياسيين الكورد وغير الكورد الذين يؤمنون بأن غنى المجتمع السوري هو بتكامل مكوناته لا بتنافرها. لذا طلبنا من الأخوة الكورد أصحاب الفكر الوطني السوري أن يعبروا عن مواقفهم. الدعوة الى ضرورة تكامل النسيج المجتمعي السوري هو واجب وطني على كل السوريين الدفاع عنه لانقاذ سورية من التقسيم. أما بشأن الأخطاء اللغوية أو الطباعية فيرجى توضيحها لنتعلم منك.
    5. الاساءة إلى المكونات السورية الأخرى: التاريخ بشكل عام – وليس تاريخ المنطقة -ملئ بالأخطاء والمغالطات، وإذا أردنا بناء سوريا الحديثة الوطنية الحرة الديمقراطية التعددية، نحتاج الى تسليط الضوء على المصادر الأكثر موثوقية لا انتقاد مصادر المكونات الأخرى دون تصويبها كما فعلت أنت في مقالتك.
    6. الاجحاف بحق الكورد السوريين: نحن لا نعترف بكردستان التي تحلم بها والتي من الواضح أنها قضيتك الوطنية الأولى. فأنت تعتبر سوريا دولة محتلة لجزء من كوردستان التي تؤمن بها أنت. السوريون غريبون عن مثل هذا التفكير بالمطلق. لم ترسل سوريا في تاريخها جيوشا لاحتلال أرض من دولة عرفت باسم كوردستان. فكوردستان هي دولة افتراضية لدى القوميين الكورد غير مسموح لها عالمياً واقليمياً بالولادة. موقفك هذا يبرهن تماماً عن صواب اعتراض الايام على مقالتك، فأنت تعبر بأفكارك إلى فضاءات افتراضية بعيدة عن أحلام الشعب السوري وتطلعاته وآماله.
    أما خلطك بين ما يؤمن به الشعب السوري وبين ممارسات النظامين الحاكمين في العراق وسوريا فهو أمر مؤسف، فالشعب السوري برئ من ممارسات هذه الأنظمة التي اضطهدته تماما كما اضطهدت الكورد ولكن بآليات ووسائل أخرى.
    والايام فتحت على الدوام وتفتح المجال للكتاب نشر مقالاتهم عن تاريخ شعوب المنطقة وعلى رأسهم الكورد السوريين خاصة تلك التي تتحدث عن مشاهيرهم وتنمي شعورهم الوطني السوري ولا تتعرض مع وحدة سوريا ومع التكامل المجتمعي.
    7. النسيج المجتمعي السوري: الأيام تفتخر بتعدد مكوناتها المجتمعية وتعتبر التكامل بينها غنى للوطن، ومن المؤسف اتهامك مثل هذا الفكر بأنه فكر فاشي استعلائي. أما حلم الاتحاد الشرق الاوسطي فهو تركيبة يحق لك أن تحلم بها ولكنها لم تكن متاحة سابقاً وغير متاحة حالياً ولن تكون متاحة لأجيال عديدة قادمة. لذا نرجو منك أن تكون أكثر واقعية وتعمل على تنمية الشعور الوطني السوري لدى الكورد والمكونات السورية الاخرى السوريين، فهو أمر متاح وهو السبيل الوحيد للحفاظ على وحدة سوريا وتحصين شعوبها وأرضها من الانقسام والفرز والتشتت والتهجير. والسوريون السنة غير مسؤولين عن اجرام داعش وغيرهم من المتطرفين الاسلاميين فهؤلاء أعداء الوطن بالكامل واعتداءهم على الكورد واليزيديين والسوريين من الطوائف والأثنيات والأديان كافة أدانته الايام في الكثير من المقالات.

    الكاتب : فهد ابراهيم باشا

    ايميل : fahedbacha@gmail.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.