صرخة ضد الهزيمة

بقلم:د.سماح هدايا

العيون التي كانت ترنو إلى الحرية تفتحت على نيران حرب أهليّة ومأساة طاحنة. ثورة سوريا اندلعت ضد الاستبداد والطائفيّة والذل. لذلك من غير الدقيق وصف ماحدث في سوريا بالعبثي وغير المجدي. فشل العمل السياسي والعسكري حاليا، لا يعني، الإقرار بالهزيمة، ولا تسويغ التسوية وحلول الاستسلام والتنازل عن المطلب التاريخي. واقع التسوية قد ينتصر مؤقتاً، لرغبة الأعداء والذين سقطوا في الدرك الأسفل من اليأس، أو الذين تمرّغوا في الذل؛ لكنّه سيفشل لاحقا، بفعل ما تم إنجازه في سبع سنوات من تكسير الخوف، وبتداعيات عملية التغيير التاريخي الحاصلة. التاريخ مسألة أكبر من حسابات مؤقتة.

معركة سوريا، لا يمكن حسمها عسكريا وسريعا، ولا تقتصر على سوريا، فهي معركة تحرريّة ذات أبعاد تاريخية وحضارية وعالميّة ضمن الصراع التحرري النهضوي العربي الإسلامي، وصراعات الشرق الأوسط والعالم. نجاح الثورة يتحقق فعلا عند الإطاحة بالاستبداد، يمكن التغلّب على واقع عدم التكافؤ العسكري والسياسي بين الثورة والحلف المضاد من روسيا الدولة النووية وإيران دولة الميليشيات الطائفيّة، ومن قوى التحالف الدولي في غياب الحاضن العربي، ببناء الذات الفرديّة التحرريّة الواعية، والجمعيّة الموحّدة على رؤية وطنيّة.

الإرادة الحرّة الواعية:

مرض الاستبداد، مازال متفشيا في المجتمع السوري رغم الثورة ضده، تعمل أدواته بالتنسيق مع العدو في حرب نفسيّة ثقافيّة لتكريس الهزيمة، لتتمكن من كامل العقل والإرادة وتقطع الصلة بين الإنسان السوري وهويته الذاتيّة والوطنية والتاريخية. إنّه العدو الأول للسوريين، فقبل الطاغية بشار وبعده، يظل الخطر في الاستبداد الذي يتجاوز الأشخاص، ويتربص بكل واقع السوريين، يسلب الحرية والعقل، ويكرّس الجهل والفساد والكهنوتية واللصوصيّة. ولأنّ الثورة، جاءت ضد هذا الذل، يجب تمكين روح الإرادة الحرة بالوعي لتفكيك صنميّة الاستبداد.

تجرّع السوريون، نُخَبا وعموما، عبر عقود، سموم النفايات الفكرية والأخلاقية الدخيلة والمعدلة المناسبة لحالة الركود من ثقافة الهزيمة؛ فأضعفتهم جدا، وجاءت فصائلية طاغية عسكريا وسياسيا ومدنيا استغلت الثورة، لتزيد في هوانهم. الثورة الآن في مفصل خطير إما أن تخبو مؤقتا؛ فيستشري الضعف في الجموع التائهة، أو يشتد ساعدها بالمقاومين المخلصين الراشدين الذين تنمو أرادة الحرية الواعية قيخترعون الحلول لمواجهة الضعف السياسي والتشرذم والفوضى.

ماحصل من هزيمة عسكرية لفصائل الثورة، وهزيمة سياسية للمعارضة حقيقة لا مجال لإنكارها، لكنها تشير إلى مرض أصاب عقل المجتمع السوري وفكره، من نخبة مثقفيه إلى السياسيين والعلماء والمفكرين، والمتعلمين حتى الأميين، يتمثّل في ضعف الإرادة الحرة الواعية. الصدمة كانت ضرورة لهز العقل العربي والسوري للصحوة، بكشف مكامن هذا المرض فرديا واجتماعيا. نجاح الثورة مرتبط بنمو الفكر الحر والإرادة الحرّة الواعية.

الواقع قائم على بركان ثائر والثورة رغم إخفاقات كثيرة مستمرة. محاولات تغيير مسار التاريخ ووأد الثورة، قد لا تنجح استراتيجيا. وحتى يتحقق ذلك يجب العمل على سحب القوة السياسية والشرعيّة من نظام الاستبداد ومن الطاغية. القوى الدولية والإقليمية التي تدعمه لخدمة مشروعها الاستعماري، قد تلفظه، عندما تتيقن أنْ لا استقرار في المنطقة بوجوده،، ولما ترى إصرارالشعب على حراك رفضه. صحيح أنها لن تدعم ثورة حقيقية تناقض مصالحها الاستراتيجية، وحاربت ثورة سوريا التي صمدت سبع سنوات في حرب وحشيّة مضادة. ويمكن، من دون استثناء، أن تستمر في توسعة رقعة الحروب الأهلية وتأجيج أشكال محتلفة من التمرد؛ لكنّ إرادة الشعب الحرّة قد تغيّر الخارطة، بإصرارها على إسقاط النظام ، والاستمرار في الثورة حتى يتحقق إسقاط النظام بأكمله.

الواقعيّة السياسيّة بدل تسويات الهزيمة:

قهر الناس بالآلام من قتل وتهجير وتعذيب جزء من الحرب، حتى ينشغلوا بالمأساة ويسهل إخضاعهم والتحكّم بهم، للخروج من حضن الثورة إلى التبعية للسلطة الحاكمة. . وهو سمة المرحلة الحالية. الثورة الآن بحاجة للم شملها، ولكثير من المواقف الأخلاقية الوطنية، ولرؤية فكريّة يمكن ترجمتها واقعيا بمخرجات عمل سياسية واجتماعية. وهذا يعني عمليا تعديل مسارات العمل؛ بدءا بمزاعم الخطاب وصولا إلى آليات عمل لمواجهة التصفية والتقسيم والتهجير ، عوضا عن التسويات المذلة وصفقات التنازل. الاستمرار بالسير في ركب الضمانات الروسية الكاذبة التي دمرت الشمال والغوطة والجنوب خطأ فادح. فلا ينفع انشغال بكتابة دستور، تسنه قوى الاحتلال التي اوغلت مع الطاغية في الدم السوري. ولا ينفع حل بتسوية تقبل بقاء نظام الاسد، أو تقبل أجساما غريبة تتحكم بسوريا،. ولا بتسوية مقابل التغيير الديموغرافي والجيوسياسي والعسكري… الواقعيّة السياسيّة تبدأ بالتوقف عن إسباغ الصفة القانونية والشرعية على حلول التسوية والدستور ومفاوضات التقسيم. الثقة بأقوال الدول المتورطة في الحرب السوريّة، هو فشل يكرّس الاحتلال النفسي والثقافي والسياسي والعسكري للعقل والإرادة.

للثورة ركائز اجتماعية وسياسية وفكرية وإنسانية، فعلى من يكون في خضم الثورة حمل رؤية واعية، واستخدام خطاب سياسي متطور، يبني مزاعمه السياسية على قيم وطنيّة من الحرية والكرامة، ويعكس رأيا عاما أخلاقيا وإنسانيا للمجتمع، وأفعالا وطنيّة مجدية. الأحكام العامة والناقصة المفتقرة للتحليل والرؤية، أو التي تقوم على أيديولوجية ضيقة نفعيّة وفئوية، تصب في مصلحة النظام وحلفائه. لذلك لابد من الاتفاق علي رؤية والتكلم بمزاعم ناضجة شاملة.

عندما ذهب الشعب حتى أقصى الممكن في تطرف الحرية ردا على سلطان طاغية، ذهب مع داعميه حتى الأقصى في الظلم والعدوان، فأفسح المجال لدخول قوى مختلفة في الصراع الوطني، بعضها مخترق دوليا، او من حاشية النظام ، أو من قوى باحثة عن دور في واقع مابعد الثورة، لتصبح جزءا من لعبة سياسية داخلية وخارجية لتطويق الثورة وتطويعها في إطار التسوية والحل السياسي الذي يعيد استهلاك النظام ومنظومته. وكان التعامل المحلي والدولي مع الثورة السوريّة على أنها حرب أهلية وحرب طائفيّة، نقطة االانهيار الشرعي السياسي للثورة، وفعلا جرى العمل استخباراتيا: دوليا وإقليميا على تنفيذ هذه الإدعاءات.

الآن يجب دحض هذه الادعاءات بالتوحّد على مشروع تحرري وطني يجري تحديد مساره بمؤتمر وطني غير اصطناعي، لتعديل المسار السياسي وفق رؤية شاملة وعميقة وواضحة وتخطيط العمل آنيا وبعيدا. . السوريون في مفترق طرق، إما الخضوع للتسويات أو الحرب الأوسع، لتحقيق لمطلب الوطني في إسقاط النظام والنهضة لواقع جديد. وأول النجاح تقويض الفوضى الهدامة وبناء مرجعيّة وطنيّة فكرية و سياسية، تدير غرفة عمليات سياسية، وتحدد سير العمل في الحل السياسي .خصوصا أن المرحلة القادة ستكون صعبة في جو التصفية الكاملة عسكريا وسياسيا واستقطابات جديدة للصراعات الدولية في الشمال السوري من شرقه لغربه.

هل من مرجعيّة، بعد كل الفشل، لقيادة مشروع الثورة سياسيا؟

عجزت السياقات التاريخية والاجتماعية لعمل جماعات المعارضة من إسلامية وعلمانية وقومية عن تقديم بديل وحلول في الثورة، بل كانت جزءا من المشكلة وفي أحسن الأحوال حاولت العمل بمنظمات ومؤسسات وجمعيات؛ لكنها ظلت جماعاتيّة، أسيرة التمويل، تتبع بشكل ما، للمراكز التي استمدت منها الدعم.. لذلك ما استطاعت أن تكون أو تكوّن مرجعية جامعة. كذلك الفصائل العسكريّة سواء التي واجهت، باستقلال السلاح العسكري الروسي والإيراني وشراسة ميلشيات النظام، أو التي حملت سلاح غيرها وأجندات غيرها، فقد انتهى أي وجود حقيقي لها على الأرض. لن ينفع الآن، في ظل التدخل الدولي العمل الفصائلي السابق، ولا التشكيلات السياسية التقليديّة. لابد من إيجاد مرجعية جديدة، موحدة متفقة على العمل.

مرجعيّات لا تحمل أجندات سياسية غير وطنيّة،. فريق عمل يقوم برسم الخطط بشكل مؤسسي، لا مجرد أشخاص من هذه الفئة أوتلك. من جماعات الإسلام السياسي وشلل العلمانية والتشكيلات القومية، المتمركزين على مصالحهم الضيقة وولاءتهم التي تزيد الصراع وتفكك العلاقات الوطنية والاجتماعية والفكرية. التغيير بحتاج وقتا للتطوير، وإيمانا راسخا بالذات الوطنية وبشرعيّة النضال من أجل التحرر . مصير سوريا قراره النهائي بيد الشعب الذي قدّم أكثر من مليون شهيد ومفقود، وضحّى بكل ما يملك من أجل الحرية، فهو صاحب الشرعيّة، ليس القوى السياسيىة المتصارعة التي لاتصبّ أعمالها في مساعي التّحرّر والكرامة. أنظمة الاستبداد أصبحت غير قادرة على حكم الشعوب الثائرة، حتى بالحديد والنار واستجلاب الأساطيل العسكرية لدعم بقائها، فذلك لن يحميها طويلا. كذلك من سيأتي على دبابات العدو ليكون بديلا للطاغية، لن يقدر أن يحكم الشعب إلا وفق مطالب الشعب، لأنّ خسائر تضحيات السنوات السبع كبيرة وواسعة تستحق الصمود والوفاء لمنطلقات ثورة الكرامة والحريّة، وتتناقض مع وجود حاكم عميل أو طاغية.

الأمل هو ما نستطيعه في قلب هذه الظلمة. للتاريخ طريقته في صناعة التغيير. هناك تغييرات تحدث، لكنْ، لايمكن رؤيتها بوضوح الآن، نتيجة انعدام اليقين وعدم وجود حقائف ثابتة. حتما سيكون لها نتائج مفيدة لاحقا.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.