صراع الطفولة.. الحروب وأثرها على الأطفال

الأطفال هم دائمًا من يدفع ضرائب الحروب، والمتضرر الأول، إذ أنها الحرب تسلب منهم براءة الطفولة، وجماليّات الحياة، وتبقى الذاكرة تعيش بين الماضي الأسود، والمستقبل المجهول، وهم يعيشون في حضرة الموت.

الأيام السورية؛ عزام الخالدي

الحرب تصنع أجيال وتفني أخرى، تسلب من البشر الكثير من معاني الحياة، وغالبًا ما يكون الطفل هو الضحية الكبرى، إذ أن الحروب لا تميّز بين صغيرٍ أو كبير، رجل أو امرأة، فآلة دمارها تطال جميع مكونات المجتمع.
تسبّبت النزاعات المسلحة المعاصرة آثار سلبية مدمرة على الأطفال، فكانوا هم رماد لهيب الحروب، والخاسر الأكبر من تلك الصراعات.

الأطفال تغير مجرى حياتهم

في الخامس عشر من آذار عام 2011 انطلقت الثورة السورية السلمية ضد نظام الحكم في سوريا، مطالبة بالحرية والكرامة والتغيير، لكنها ما لبثت أن تحولت إلى مسلّحة، وبدأت آلة القمع وتكميم الأفواه تطال المدن والأرياف السوريّة، وكان للأطفال النصيب الأكبر من النتائج السلبية لهذا الصراع.

وقد بات غالبية الأطفال الذين يعيشون بمناطق النزاع، ما بين نزوح ومرض وإعاقة وموت، ومصيرهم يترنح في ظل غياب أي حل، أو مشروع حل يأخذ بعين الاعتبار أجيال المستقبل، فالحروب قائمة والأزمات مستمرة، وتأثيرها السلبي صارم على الأطفال، فقد تتغير مجرى حياتهم بسببها إلى الأبد، لأنّهم معرضين لفقدان الأبوين والأسرة والمنزل، والمدرسة والأصدقاء والأقارب.

تقرير اليونيسيف عن أطفال سوريا

منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف”، أشارت في تقرير لها نشرته يوم 13 مارس/ آذار الماضي، أن ثلث الأطفال السوريين حرموا من التعليم جراء الحرب، فيما حرم قسم كبير منهم من الخدمات الصحية الضرورية.

وقالت المنظمة الأممية، أن 575 ألف طفل نزحوا من بيوتهم فقط خلال الفترة الممتدة بين الأول من ديسمبر/ كانون الأول 2019 والأول من آذار/ مارس 2020”.

آلاف الأطفال في داخل سوريا ودول اللجوء تشكلت لديهم ذاكرة لن تمحى بسهولة حول الدمار والدم والقتل، حيث خلفت هذه الازمة تبعات نفسية، لتعرضهم للقصف المستمر، وتهجيرهم من منازلهم ومدارسهم وفقدانهم ذويهم.

صورة تعبيرية (موقع المصمم آدم حلس)

أمراض وعلل نتيجة الضغوط النفسية

الأيام السورية، التقت السيّدة “صفا عبد الغفور” المعلمة في مدارس شمال غرب سوريا، التي تحدثت خلال شهادتها عن الحالات التي مرّت عليها خلال عملها، قالت: “للحرب آثار جسيمة على كل من شهدها، وأكثر شريحة مجتمعية تستشعر آثار الحرب هم الأطفال، حيث نلاحظ العديد منهم أصبح يعاني أمراض وعلل نتيجة الضغوط النفسية والأصوات المرعبة والمشاهد القاسية التي طبعتها الحرب في ذاكرتهم، فمنهم من يعاني رهاب الأصوات الصاخبة وآخرون أصيبوا بالتأتأة والتلعثم في الكلام، بالإضافة إلى حدوث حالات من التبول اللا إرادي أو السلس البولي وما يصحبه من شعور بالخجل والارتباك مما يقود الطفل المصاب إلى العزلة والانطواء”.

توثيق حقوقي

الشبكة السورية لحقوق الإنسان، وثقت بدورها مقتل 29 ألفاً و296 طفلاً على يد الأطراف الرئيسية الفاعلة في سوريا، منذ مارس 2011.

وحسب تقرير الشبكة الصادر، فإن قوات النظام والمجموعات الإرهابية التابعة لإيران تتحمل المسؤولية عن مقتل 22 ألفا و853 طفلا، فيما تتحمل روسيا مسؤولية مقتل ألفين و5 آخرين.

فيما يتحمل تنظيم “داعش” الإرهابي المسؤولية عن مقتل 956 طفل، في حين تتحمل “قوات سوريا الديمقراطية” المسؤولية عن مقتل 223 طفل، بينما تتحمل قوات التحالف الدولي بقيادة واشنطن مسؤولية مقتل 924 طفلا. وتتحمل جهات أخرى في النزاع مسؤولية مقتل ألفين و335 طفلا.

صورة تعبيرية(السورية نت)

مات الكثير من الأطفال

الصحفي السوري “تامر تركماني” الي يعمل على أرشفة شهداء وملفات الثورة السورية، قال للأيام السورية، “نظام الأسد قتل وشرّد الكثير من البشر، وكان للأطفال نصيب من ذلك، إذ أنني قمت بأرشفة حوالي 29 ألف اسم طفل قتلهم نظام الأسد في سوريا، ونصف العدد موثقين بالصورة”.

يُتم وحرمان من التعلم وأمراض نفسية

الناشطة “رنا الحلبي” تحدثت بدورها عن آثار الحرب السلبية التي شاهدتها خلال مسيرة عملها قائلة: “تأثير الحرب على الأطفال بسوريا كبير جدًا، انعكس بشكل سلبي على معظم الأطفال، بعضهم تيتم وفقد الأب، في حالات فقد البعض الأم والأب معاً، ناهيك عن الوضع الاجتماعي والتعليمي الأسوأ، خصوصًا أطفال المخيمات الذين انحرموا من أبسط حقوقهم في تأمين مقاعد دراسية، وصعوبة الدراسة والتعليم غالبية المخيمات لا تحتوي على مدارس وهناك ضعف في الوعي للأهالي بضرورة تعليم أطفالهم، أيضًا صعوبة في التنقل بفصل الشتاء بين المدارس التي تبعد مسافات كبيرة عن المخيمات”.

تتابع الحلبي حديثها عن آثار الحرب السلبية، “هناك انتشار لظاهرة عمالة الأطفال بأعمال لا تتناسب أصلاً مع أعمارهم لتأمين قوت يوم العائلة في ظل غياب المعيل”، وأضافت بأن “الوضع الصحي والطبي أيضاً سيء، إذ أنه لا يوجد نقاط طبية تلبي احتياجات وأدوية للأطفال في معالجة الأمراض الموسمية بسبب انخفاض درجات الحرارة وعدم توفر مواد تدفئة”.

وعن الحالة النفسية للأطفال، قالت الحبي، “التأثير السلبي على نفسية الأطفال بسبب عدم وجود مساحة آمنة لهم للعب لممارسة حياة طبيعية مستقرة، سبب لإصابة الأطفال بأمراض نفسية أو تأثيرات جانبية نتيجة القصف أو التفجيرات أو أصوات الطيران المستخدمة في سوريا”.

ختمت الحلبي، “باعتقادي يفترض أن يتم معالجة قضايا كثيرة تتعلق بالأطفال بسوريا لانتشال هؤلاء الأطفال من هذا الواقع الذي يسبب تأثيرات سلبية كبيرة على تنشئة الأطفال مستقبلاً فهم أبطال المستقبل” على حدِّ قولها.

الأطفال هم دائمًا من يدفع ضرائب الحروب، والمتضرر الأول، إذ أنها الحرب تسلب منهم براءة الطفولة، وجماليّات الحياة، وتبقى الذاكرة تعيش بين الماضي الأسود، والمستقبل المجهول، وهم يعيشون في حضرة الموت.

صورة تعبيرية(هيومن رايتس ووتش)
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.