صدام حسين.. الفحولة العارمة المهزومة وانتصار الاستشراق

القطيع البشري العاشق لحامي المزرعة، الذي إن أحسن إليهم فهي مكرمة، في ظل حِمى صاحب المزرعة يصبح أقصى طموح إما التسلق للوصول إلى مكان ملائم في خدمة حامي المزرعة، أو الطاعة والتحول إلى بقرة حلوب تعفى من الذبح، أما من يفضلون اقتحام البراري فهم يعلمون أنهم إن عاشوا أسبوعاً فقد عرفوا الحياة.

الأيام السورية؛ عمار عكاش

وأنا أتابع ردود الفعل والتعليقات على مقابلة رغد بنت صدام حسين، لم أتفاجئ بحجم التعليقات المعجبة به والمتفاعلة مع ظهور رغد بإيجابية، ولكنني شعرت بأسىً حقيقي، وكنت أسأل نفسي كيف لنا أن نسارع إلى نقد كل مفكر غربي يتحدث عن تمجيد شعوبنا للدكتاتوريات ونتهمه بالاستشراق أمام هذه المشاهدات، يبدو لي أن كل جدالاتنا ونقدنا لهم تسقط أمام مدّ هذا القطيع البشري.

كانت صرخات صدام باسم العراق في المحكمة، أشبه بصدمة آغا مهزوم اعتاد التعامل مع الفلاحين في أرضه كأنصاف عبيد، وبطبيعة الحال هذا الآغا يعتبر الأرض والمزرعة ملكاً له وحقاً ليس لأحدٍ أن ينازعه عليه، إنه نرسيس وقد صار إلهاً، لكنه ليس لأنه تأمل صورته في الماء، بل هو وليد حالة أسرية وعقلية خاصة أنجبت سايكوباتياً وجد ظروفاً ملائمة للصعود في بنية استبداد شرق أوسطية مألوفة، إنه بالتأكيد حين يصرخ العراق والعراق، لا يدافع عن وطن مواطنوه أحرار بل عن سيادته على العبيد، وبطبيعة الحال جزء من تركيبة السايكوباتي صدام هو هوسه بمَسْرَحَة ظهوره، فهو من حيث المبدأ قائد قوي فحل لا يتساهل مع الخونة لأهداف الأمة حسب ما يعرض نفسه، لكنه يبكي على طريقة الفرسان إن خانه الأصدقاء أو أبناؤه أبناء البلاد، وأشهر هذه المشاهد مشهد اجتماع القيادة القطرية المريع (وهو مشهد تأسيسي مفصلي لمسيرته الدموية) الذي كان يتلو فيه أسماء أشخاص من رفاقه فيتقدّمون ويعترفون بخيانتهم ويساقون إلى الإعدام، ثم يبكي صدام لأن هؤلاء خانوه، وحين أقول مَسْرحَة لا أعني أن صدام يمثل تمثيلية محضّرة فقط بل هو في جزء منه يصدق مسرحيته، وهل يكذب الإله؟. وتنتهي مسرحيته بتحوّله المفاجئ إلى بطل تراجيدي مقاوم لا يخاف المشنقة!

صدام رمزية الفحولة، إرث المجتمعات الرعوية، المخلّص، الإله الذي إن غضب فاض كالنهر وأغرق وقتل، وإن مرّت به لحظات الحنان سقى وأعطى.

صدام الإله الذي يحلّ في صورة بشر مختلفين: صدام بزيٍّ كردي يتناول الغذاء مع عائلة كردية، صدام مع أبنائه الشيعة، صدام الفحل المافيوي يحمل بندقية بيد واحدة ويطلق بيد واحدة، صدام أوسكوبارو العراق الذي يحب عائلته والتي ستبكيه بطبيعة الحال وترى فيه صفات حسنة لا يراها فيه البشر الاسوياء، صدام والسيجار الكوبي الفاخر في فمه؛ السيجار المهدى له من صديقه فيديل كاسترو!.

صدام رمزية الفحولة، إرث المجتمعات الرعوية، المخلّص، الإله الذي إن غضب فاض كالنهر وأغرق وقتل، وإن مرّت به لحظات الحنان سقى وأعطى.

إن طريقة استحضار صدام في وعي الكثيرين في العالم العربي تعكس بالضبط طريقة عرضه لنفسه في الإعلام، لأنه ابن هذه البيئة المليئة بالفحولة الزاعقة الهشّة وهو يعرف كيف يتلاعب بها، فصورته في المخيلة الشعبية تمزج بين عدة عناصر: هو تارةً إله قوي كلي القدرة، قادر على الحماية، وقادر على التحدي، وظل العديد من أنصاره البائسين بعد اجتياح بغداد مقتنعين أنه يعدّ مخططاً لمحاصرة الأمريكيين وتدميرهم حتى فوجئوا باعتقاله، فانتقلوا معه إلى الفصل الأخير من المسرحية، فصل البطل التراجيدي. وصدام تارة أخرى أزعر/ قبضاي على طريقة مسلسلات البيئة الشامية التي بذل مثقفون سوريون كثر جهداً لنقدها لانها برأيهم لا تمثل بيئتنا، لكنها للأسف تمثل جزءً من أسلوب بلاغة الشوبرة والهوبرة والأقوال المأثورة الُمفحِمة الرائج في منطقتنا، يكفي أن نكتب اسم صدام في اليوتيوب حتى يظهر لنا في مشاهد كثيرة يتحدث فيها بنفس الأسلوب الفحولي الشبيه بمسلسل باب الحارة مع اختلاف اللهجة.

وصدام حسين في المخيلة الشعبية فحل شديد الغيرة على العراقيين والعراقيات، ولا يرضى بأي حديث يمس شرف نساء العراق (المحصور بالبعد الجنسي) لدرجة أنه شنّ حرباً على بلد آخر لأن مسؤولاً كويتياً كما تقول الشطحة الشعبية تطاول على الماجدات العراقيات، وهذا الأمر يثير إعجاب رجال شرقيين (ونساء تقليديات) لا يكفون عن ضرب زوجاتهم والتحكم بنساء عائلاتهم، كما أن قبولهم بهكذا سبب للحرب عدا عن الجهل يكشف دموية مكبوتة.

وفي فصل آخر من مسرحياته يتحول صدام من علماني الى سني أو عروبي (والبعدان ممتزجان في ثقافة شعوب المنطقة منذ ظهور الناصرية) يدافع عن الأمة في وجه الشيعة، ولا بأس إن قُتِل مئات الألوف من العراقيين في الحرب، ودُمّر الاقتصاد العراقي وخلّفت الحرب ألوفاً من المعاقين والأيتام، إنه صدام حسين صاحب الوكالة الحصرية في سجن وتعذيب الماجدات والماجدين متى خرجوا عن إرادة الإله، حتى قصصه التي تسردها المخيلة الشعبية بإعجاب تثير الشفقة والقشعريرة مثل أن صدام كان يعاقب الفاسدين والدليل على ذلك أن مسؤولاً عن تعبيد طريق سرق من مخصصات المشروع فقام صدام بدفنه تحت الطريق، فهنا لا مؤسسات ولا قانون ولا رقابة، إله يغضب، يمنح ويمنع الحياة، ولن أدخل في قصص أبنائه التي تظهر أنهم تربوا على ذات الأخلاق المافيوية ولا يقلون عنه جنوناً.

الناحية الأخيرة في ظاهرة صدام، فكرة محبيه عن البلد القوي، فيكفي أن تؤمّن أعداداً من الأطباء والمهندسين عبر بعثات علمية كي تقول إن بلدي يشهد نهضة علمية، حتى لو لم يكن هناك ترسيخ لمؤسسات شعبية داخل البلاد تنتجهم.

الناحية الأخيرة في ظاهرة صدام، فكرة محبيه عن البلد القوي، فيكفي أن تؤمّن أعداداً من الأطباء والمهندسين عبر بعثات علمية كي تقول إن بلدي يشهد نهضة علمية، حتى لو لم يكن هناك ترسيخ لمؤسسات شعبية داخل البلاد تنتجهم، وكأنّ المخيلة الشعبية تسترجع العصور الإسلامية القديمة حيث كان هناك علماء كثر في صورة صدام (الخليفة العادل القوي)، ثم من المؤسف أيضاً ألا نسأل أنفسنا من كان يخدم هذا العلم؟ الجواب لدى محبي صدام أن هذا العلم يبني “دولة قوية يهابها الأعداء”، يبدو لي أن الشعور بالانتماء هنا يأتي مهووساً بتشكيل تكتّل يهزم أعداء حقيقيين ومتخيلين في الخارج، أما الداخل فلا وجود له، ألم تنجب النازية الألمانية أفضل العلماء، لدرجة أن السوفييت والأمريكيين تسابقوا على الاستفادة منهم ولم يقوموا بمحاكمتهم، هل يعني ذلك أن ألمانيا النازية كانت بلداً يثير الإعجاب؟.

لا يوجد شيء أكثر أقوله: إنه القطيع البشري العاشق لحامي المزرعة الذي إن أحسن إليهم فهي مكرمة، في ظل حِمى صاحب المزرعة يصبح أقصى طموح إما التسلق للوصول إلى مكان ملائم في خدمة حامي المزرعة، أو الطاعة والتحول إلى بقرة حلوب تعفى من الذبح، أما من يفضلون اقتحام البراري فهم يعلمون أنهم إن عاشوا أسبوعاً فقد عرفوا الحياة.


عمار عكاش – كاتب ومترجم سوري مهتم بالدراسات الثقافية والجنسانية.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.