شيزوفرينيا الدين.. الإيمان بين العاطفة الدينية والعقل المتحرر

إن كان البشر المتدينون بأسرهم يسعون لدولة دينية فلماذا يذهبون لدولة علمانية أو دولة الكفر كما يسمونها؟ إن كنت كإنسان تريد وتدعو لدولة بثقافة إسلامية فبإمكانك الذهاب لباكستان أو أفغانستان، لماذا تذهب لفرنسا أو هولندا أو النرويج؟

الأيام السورية؛ علي الأعرج

يمكن اختزال الموضوع قبل السرد فيه، من خلال جملة المفكر العراقي علي الوردي حيث قال: “لو خيّروا العرب بين دولتين علمانية ودينية، لصوتوا للدولة الدينية، وذهبوا للعيش في الدولة العلمانية”؛ جملة الوردي هذه تتكرر على جميع الألسن بمن فيهم العقول الأكثر انفتاحاً وحرية، ومع ذلك، عند الخِيار الحقيقي، نشاهد الجميع يُطبّق الجملة بحذافيرها دون أي شعور بالانفصام الذهني.

أبو لطفي رجل حلبي، شاءت له الأقدار أن يكون في ألمانيا، ونتيجة العلاقات مع المدرِّسة الأوروبية أعلنها يوماً أمام حشد سوري في منزله: “يعني هالألمان مو ناقصن شي، قلبهن لله، حبابين، مو ناقصن غير الشهادة”.

هناك الكثير من العقول التي تتعامل مع جملة الوردي على أنها ثقافة ترويجية لكنها في الوقت نفسه شيء مضحك وساخر، ويمكن لهم اعتبار الوردي أحمقاً، لأنّ فكرة وجود الدولة الدينية بمعناها السياسي الضمني، هي قيمة جوهرية وتاريخية لفكرة الدولة الأولى الإسلامية، إنه ارتباط مسيّس للتراث ما بين وجود الدولة كمفهوم سياسي وضرورة أن تكون إيمانية طاغية باعتبارها الحقيقية السائدة.

أبو لطفي رجل حلبي، شاءت له الأقدار أن يكون في ألمانيا، ونتيجة العلاقات مع المدرِّسة الأوروبية أعلنها يوماً أمام حشد سوري في منزله: يعني هالألمان مو ناقصن شي، قلبهن لله، حبابين، مو ناقصن غير الشهادة.

من هذا المعنى يرى أبو لطفي، مثل الملايين من السوريين المهجّرين، أو الملايين من السوريين غير المهجّرين، والعرب والمسلمين الذين تركوا بلادهم الإسلامية وذهبوا ليعيشوا في الغرب، أنّ فكرة ضرورة السعي لجعل الغرب مسلماً هو قيمة جهادية لتكون الشفاعة المحمدية لهم غداً هي السبب لذهابهم نحو الجنّة.

بمعنى أبسط، اللاوعي الشعبي لدى المسلمين يقوم أصلاً على تلك الفكرة الغيبية بأنّ دعوة البشر لاعتناق الدين الأخير – الإسلام – هو فكرة جهادية وهدف الشفاعة المحمدية، لتوسيع رقعة الإسلام كمعنى دولة، إنها أعمق صورة سياسية مؤدلجة وموجّهة. إذاً فإنه من الوضوح أنّ الرسول كان هدفه للشفاعة هو بناء سياسي للدولة وليس إيماناً صافياً.

هذا التلاعب التاريخي الذي لعب دوره الفقهاء لاحقاً على وتر العاطفة وإدراج العقل الإسلامي المتدين في بوتقة سياسية دون فهم عميق أنّ ما يقوم به الفرد هو صورة استغلالية لعقله في بناء دولة وليس إيماناً تابعاً لروحية الله بشكل مجرّد.

لكن بعيداً عن تلك النماذج وفكرة إيمانهم البسيط والمخدوع من قِبل قوى الفقه السياسي للمؤسسة الدينية الإسلامية.. إن كان البشر المتدينون إسلامياً بأسرهم يسعون لدولة دينية فلماذا يذهبون لدولة علمانية أو دولة الكفر كما يسمونها؟ إن كنت كإنسان تريد وتدعو لدولة بثقافة إسلامية فبإمكانك الذهاب لباكستان أو أفغانستان، لماذا تذهب لفرنسا أو هولندا أو النرويج كأكثر دولة تملك نسبة الإلحاد عالمياً؟.

هناك نقطة أساسية لا يعيها الكثير من الناس وهي أنّ ما يتم تسميته الإيمان في العالم الإسلامي بوجود مؤسساته ومشايخه ومدارسه الفقهيّة، هو ليس إيماناً، إنما عبارة عن تجهيل ثقافي لروحانية الدين وإقناع البشر الجاهلين بأنّ الامتداد الإسلامي هو الجهاد الشفاعي المحمدي لهم، وأنّ مهمتهم الإيمانية تكمن دائماً وأبداً في الدعوة لتوسيع رقعة الإسلام لكن دون أن يأخذوا أي مقابل، تحت مسمّى أنّ الله يختبر صبر البشر، والغريب أنّ إلههم لا يختبر إلا صبر الفقراء.

هنا نتحدث عن نسبة الدين التجهيلي في العالم الأوسطي ولا نتحدث عن الدول الدينية الواضحة والجلية بأهدافها السياسية كإيران، فمثلاً إيران دولة ديكتاتورية تقولها علناً ولا مشكلة لديها، وتخلق عصابات مسلحة للقتال، لكن مفكريها بأسرهم أصبحوا في الغرب، وما بقي داخل إيران إما مغلوبين على أمرهم وإما بهائم، لكن نتحدث عن نماذج أوسطية مثل العراق، سوريا، ليبيا، اليمن، عُمان، السعودية، البحرين، المغرب العربي بأكمله.. الخ، إنهم شعوب دول تعيش حالة من الانفصام بين دولة دينية ينتمون لها عاطفياً ودولة علمانية ينتمون لها روحياً؛ وطبعاً لم نذكر دول كالإمارات وقطر لأنها دول لا تملك أي تنوع معرفي سوى أنها عمليات بناء اقتصادي، إنها دول ذات نسخة واحدة، مُجهَّلة من حكامها بسبب الثراء.

هذا التلاعب التاريخي الذي لعب دوره الفقهاء لاحقاً على وتر العاطفة وإدراج العقل الإسلامي المتدين في بوتقة سياسية دون فهم عميق أنّ ما يقوم به الفرد هو صورة استغلالية لعقله في بناء دولة وليس إيماناً تابعاً لروحية الله بشكل مجرّد.

وهذا الانفصام لا يمكن دمجه أبداً، فالدولة العلمانية بكل دساتيرها المدنيّة تحقق شروط الإنسانية والحرية والاختيار وعدم الخضوع لمفاهيم التراتبية القمعيّة الموجودة في الدول الدينية (وطبعاً دائماً وأبداً عندما نذكر دول علمانية فلا نقصد دول العسكر كسوريا ومصر وروسيا والصين، من أجل عدم الخلط المقصود للأفكار.. فالعسكر دائماً في نفس مستوى سفالة الدول الدينية الفقهية).

بالمختصر، الهارب من قمع ديني سياسي عربي إسلامي أوسطي، نحو دولة علمانية ديمقراطية مدنيّة غربيّة (بغض النظر عن موضوعة تقبلنا لفكرة الديمقراطية الأوروبية أو عدم تقبلنا لها كمنحى تطبيق سياسي وليس اجتماعي) يجب عليه أن يفهم مسألتين مهمتين، أولاً أنّ الإيمان هو شيء ذاتي في القلب وما فكرة الدعوة السياسية له علنا سوى تجهيل مارسه الفقهاء التاريخيين على البشر لجعلنا ننتمي لثقافة إسلامية لا تفكّر سوى بمَ يقوله المشايخ بترديد ببغائي أحمق، وثانياً أنّ فكرة الوطن هي مساحة القدمين حيث تطأ فقط، فالإنسان لا ينتمي سوى للأرض، ومنجزه أينما كان هو شيء ذاتي أولاً وعابر للقوميات ثانياً.

من المهم الخلاص من الشيزوفرينيا الإسلامية الشعبية كمعنى سياسي لإنشاء عالم أكثر مسالمة، وليس الخلاص من الثقافة الإسلامية كمعنى فلسفي حضاري.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.