شيء عن الهوية..

خاص بالأيام|| بقلم عقاب يحيى –
يكثر الحديث عن الهوية السورية والمخاطر التي تعانيها…وتبرز، من خلال الثورة، وتعقيداتها، وإطالة أمد الانتصار عديد الظواهر المعبّرة عن تعدد الهويات، إن كانت إثنية، وقومية، أو دينية ومذهبية، وحتى عشائرية وجهوية يبحث عديدها عن تحقيق الذات، أو تحصيل ما يعتبره حقواً طبيعية يجب الحصول عليها بطرق مختلفة .
عبر التاريخ كانت سورية جزءاً من بلاد الشام تمتدّ حتى بلدان كثيرة، يوم كانت دمشق عاصمة الإمبراطورية العربية ـ الإسلامية، أو في مراحل شتى  ..وحتى الأمس القريب ظلت هكذا، رغم بعض الاستقلالات المؤقتة التي كانت تتم لهذه المنطقة أو تلك..في إطار الصراعات البينية، او من خلال توزيعات السلطنة العثمانية الإدارية والسياسية، أحياناً ك ” متصرفية لبنان”، أو وضع فلسطين، أو حلب، ودمشق، وغيرها .
حين ثار العرب ضد السلطنة العثمانية كان الحلم كبيراً بتوحيد بلاد الشام والجزيرة العربية والعراق ضمن ما يعرف بالمملكة العربية، بقيادة الشريف حسين، وكانت المؤامرة الفرنسية الإنكليزية تجد مرتسماتها في اتفاقية سايكس ـ بيكو ومبضعها القاسي، المدروس بتفتيت بلاد الشام وتقسيمها لأربع دول.. وكيانات سياسية، وتاجها اغتصاب فلسطين بغقامة كيان صهيوني فيها .. واقتطاع أجزاء من ” سورية الكبرى” ومنحها لتركيا ، وإجهاض المشروع التوحيدي مع العراق والجزيرة العربية، وإسقاط ذلك الحلم ونهاية الشريف حسين البائسة .
إلا أن مشاعر عموم السوريين كانت ترفض ذلك التقسيم وتداعياته، خصوصاً وأن فلسطين واغتصابها مثلت الموقد والفتيل الذي لا يسمح بالنسيان..أو الابتلاع، لأن ذلك الكيان كان من طبيعة توسعية، إحلالية، اغتصابية، وجزءاً من مشروع الاستعمار الغربي .
ـ الاتجاهات القومية شددت على عروبة سورية، والكثير كان يستهجن أن يقال عن المواطن بأنه سوري وحسب.. والسوري كان يشعر بأنه فوق سوري، وأنه عربي، حتى بالنسبة للمكونات الأخرى من غير الأصول العربية.. وحدثت مغالاة كبيرة، وتطيّر في الشعارات الملوثة بالشوفينية وبشيء من عنصرية نتاج، لدرجة أن الكيانية السورية سحقت، وهمّشت لصالح ما يعرف بالوطن العربي الكبير، والإصرار على عروبته، وعلى حلم توحيده، ونسبه لأمة واحدة .
في حين لم ينجح القوميون في تكريس أهم مبررات وجودهم وصعودهم : الوحدة وتحرير فلسطين.. بل تمت على يدهم، وفي عصرهم أكبر وأهم هزيمة مع إسرائيل، وانتكست قبلها الوحدة المصرية ـ السورية وتكوّرت عديد تلك القوى الحاكمة، والمحسوبة على الخط القومي داخل فكرها وحدودها الإقليمية، بل إن أجنحتها المرتدة، الاستبدادية ـ الفئوية أوغلت بعيداً في التدني إلى درك خطير باستناداتها المذهبية والعشائرية، وكل المكونات ما قبل وطنية، وقومية.. في حين ظلت الشعارات المفرّغة تخفق للتزييف والتمرير والغش والتدليس . وحدث الاختلاط في مفهوم الانتماء وتجسيده، وصولاً إلى “كفر” عديد الأجيال بالعروبة، والانتماء لوطن الحلم …
مع الثورة السورية العظيمة… خاصة أشهرها الأولى : السلمية، الشعبية برزت الوطنية السورية حاضنة، وإطاراً لا يخلوان من بعض المغالاة والمبالغة.. إلى درجة أن كثير العرب وجهوا انتقاداتهم نحو غياب البعد القومي، وخاصة القضية الفلسطينية وموقعها ..وكان يمكن فهم ذلك عبر الانشغال بالراهن الذي يستوجب العمل حتى الانتصار، مع تأكيدات عابرة عن الهوية العربية، وعن موقع فلسطين الذي رضعها السوري حليباً أصيلاً دخل الجينات وتركيب الوعي .
لكن دعوات كثيرة تبرز وتتنافس شدّاً وجذباً حول الهوية، ومستقبل سورية، وموقعها.. من محاولات الاشتلاع والعدمية، إلى مادون سوري .. إلى الهوية الإسلامية ..إلى هويات متعددة، وأطروحات سياسية تتراوح بين اللامركزية الواسعة، وتعدد الاجتهادات فيها، والفيدرالية بأنواع مختلفة، على نزوعات استقلالية لدى البعض من الأحزاب الكردية .
ـ المكونات القومية ـ في معظمها ـ تريدها ـ في أحسن الحالات ـ سورية  خالصة لا علاقة لها بأي بعد عربي، حتى بالجغرافيا، ولا بالقضايا العربية وفلسطين إلا من زاوية عامة، ومعظم الإسلاميين، خاصة الاتجاهات المتشددة، تنسف، أو تهمل البعد العربي تماماً وتستبدله بالإسلامي، والقوميون العرب، على مختلف اتجاهاتهم يشعرون أنهم مبعدون، وهامشيون، وبعضهم طوّر مفاهيمه وحدّثها، وهناك من ما زال يغني على “ليلى” والذي كان من عشق لم يثمر ..
ـ نعم سورية الوطن، والهوية القطرية ظلمت حين لم ينجح القوميون بتحقيق أي خطوة وحدوية، وعندما قزّموا سورية وألحقوها بشعارات عامة لم تجد تجسيداتها، فضعفت الوطنية السورية في وقت كانت تتغول فيه الكيانات القطرية وما قبلها، وتبتعد في مرتسماتها، وحدودها، واختلافاتها عن الأقطار الأخرى، وحين انكفأ من حكم باسم القومية العربية نحو الزواريب والطوائف، وأسهم في تلغيم الوحدة الوطنية، والنسيج الاجتماعي المتعايش، وارتكز إلى كل التكوينات ما قبل قومية، ووطنية، ولعب بالمفردات التي تتكوّن منها سورية، شعر كثير السوريين أنهم بلا هوية، وأن العودة لسوريتهم هي المنطلق، والحاضن، وهي التي يجب تأكيدها في الثورة، ومستقبل القادم للدولة المدنية الديمقراطية، التعددية، خاصة وأن الوحدة العربية باتت حلماً بعيداً عن أي برنامج واقعي، ودونها الكثير الكثير من المعوقات الحقيقية .
ـ وعلى ذكر التعددية والإقرار بها فهناك  من يفهمها على أنها كيانات ملصوقة، أو حالة كونفدرالية، أو فيدرالية، رافضاً أية هوية عربية، بما في ذلك الدعوة لحذف كلمة العربية من اسم سورية الرسمي الذي تكرّس عام 1962 ” الجمهورية العربية السورية”.. من قبل حكم الانفصال رداً على اسم” الجمهورية العربية المتحدة”، وليس بعد حكم البعث، وهو أمر يجب أن يطرح على الشعب حين يكون قادراً على الاختيار الحر، شأن مسائل مفصلية كثيرة يجب أن يتضمنها دستور عصري، ديمقراطي .
ـ الانتماء هو الهوية المميزة للدول والشعوب بغض النظرعن أصولهم القومية حين يرتضون الانتساب للصفة الغالبة، وبما يمنحهم أبعاداً أهم، واستنادات تاريخية، أو حتى التعددية التي تأتي ضمن الوحدة الكيانية . وحين تفهم العروبة على أنها انتساب إلى كيان سياسي واحد يعترف بتعددية الإثنيات وحقوقها الطبيعية، وبأن سورية جزؤ من عالم عربي تسعى إلى التعاون والعمل المشترك، وإقامة ما يمكن من كيانات اتحادية منطلقة من الواقع، وباتجاه تحقيق مصالح  كبرى للجميع.. حينها يكون الانتماء غير متعارض مع التعددية الإثنية، ولا يؤدي إلى الظلم والعسف والإلحاق، أو إلى اضطهاد الآخرين وعدم منحهم حقوقهم .
ـ سورية الدولة المدنية الديمقراطية لا يمكنها أن تعيش في جزيرة معزولة، أو تعطي ظهرها للدور التاريخي الذي مارسته، أو تتجاهل موقعها بالنسبة لأمتها، وفلسطين وقضايا العرب المحقة، وحقوق الشعوب في الحرية والاستقلال . 
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.