شيء عن المعارضة: تقصير .. وإنجازات …-عقاب يحيى

تنصبّ كتابات كثيرة على دور ومسؤولية القوى السياسية المعارضة، خاصة “التاريخية” منها.. وتقصيرها، وفجواتها وسلبياتها… بل وموقعها من واقع الأزمة السورية، وتأخير انتصار الثورة، وتعقيد أوضاعها ..
وهناك من يحمّلها ـ أيضاً ـ تبعات نمو الاتجاهات الإسلامية المتطرفة… نتيجة الفراغ، والعجز، والذاتوية التي امتازت بها المعارضة، وتفضيلها الخاص على حساب العام، وغرقها في الخلافات، والتزاحمات والمنافسة فيما بينها على المحاصصات والمواقع، والاختلاف، والبعثرة، والاجتهادات الخلبية في مجالي : الحلول السياسية والعسكرية، وفي المراهنات الخطيرة على الخارج، ثم تسليمه أمر القرار الوطني .. وكثير من كلام يبدو في ظاهره صحيح، ويصف اللوحة العامة..
ـ وتشمل تلك الكتابات أيضاً دور النخب المفوتة، والتي تتراقص على حبال الذات، ومواقف كثيرها المائع، والمتلون.. وحتى التبويقي.. والتسويقي، والتلغيمي، والتشويهي..وتخلف النخب عن قيادة الحراك الثوري، بل ووجود معظمها في الخندق المضاد.. كجزء من منظومات السلطة وأجهزتها الأمنية، أو عبر تلك الحالة”الحيادية” والصامتة، أو التشكيكية، والمائعة، والمتفرجة .. خلافاً لدور النخب في أغلب دول العالم ..
ـ كل ذلك صحيح.. بالنظر لحجم ومكانة الثورة السورية، وتعقّد اوضاعها، ومحدودية فعل وعمل وتأثير القوى السياسية التي كانت مثقلة بالشيخوخة، وفعل عقود الملاحقة والمطاردة، والاعتقال والحصار.. وتجفيف بحيراتها وحاضناتها، وبفعل ما أحدثه نظام الفئوية والاستبداد من تشوّهات في البنية السورية، وتعليب البشر، وإخضاعهم لمنظومة أمنية منهّجة، ولتقسيمات فئوية متعدد التداخلات والأنماط، وجملة الألاعيب الشيطانية التي مورست ضد الفعل السياسي المعارض، وضد الاتجاهات الوطنية والديمقراطية، بما فيها الإسلامية المعارضة، والوسطية..وضد منظومة الأخلاق التي شكّلت الاستنادات لشعبنا على مر العقود .
ـ وعلى هذا المنوال.. يمكن فهم نمو الحالة الإيمانية وفق قاعدتين متلازمتين، متداخلتين :
1 ـ موقع الإيمان العميق والواسع في شعبنا، خاصة في القاعدة العريضة الشعبية التي كانت قاعدة الثورة وانطلاقتها، إن كان ذلك بالمنحى التاريخي كجزء من تراثنا وخلفيات المجتمع الإيديولوجية، أو عبر التحولات اللاحقة.. والتي اتسعت وانتشرت منذ بدايات هزيمة، وخوار المشروع النهضوي، التوحيدي، الحداثي.. على يد حملته، ثم خيانته الصريحة من قبل نظام الفئوية الملغوم، والدوس عليه بعنجهية بساطير الأجهزة، وتجريد المواطن من الأمل، والحلم، والارتكاز، وصلف “الانتصارات” التي تحققت على كرامة وحقوق المواطن، والمساواة، والعدالة بأبسط صورها.. حين بات المواطن.. من مختلف الأديان والمذاهب والمكوّنات بحاجة إلى سند، وملجأ.. وحام.. فكان الدين العباءة الأوسع، والمجال الرحب.. والملاذ.. الفضفاض لكل المعاناة، والتحسّرات.. بما في ذلك التفكير بجعله البديل الممكن للقادم .. ووفق تشعب وتعدد المدارس والاتجاهات الدينية.. وخلو الساحة من نمو اتجاهات سياسية دينية وسطية، منفتحة …
2 ـ ضعف المعارضة السياسية من جهة، ومستوى العنف الذي مارسه النظام، والمختلط بذلك البعد الطائفي من جهة ثانية، وشعور الشعب السوري الثائر بوحدته، وتخلي العالم عنه وعدم نجدته، بما في ذلك الأشقاء ودعاة صداقته..كل ذلك يقوي ولا شكّ النزعة الإيمانية، والتمسك بما يؤمن به الكثير بأنه الوسيلة الحامية، والاتكاء، ومصدر التحفيز والإلهام، ومنبع الشهادة والجهاد، والاستبسال والصمود.. والتضحية ..
ـ هذه الوضعية.. بقدر ما تتطلب وعياً منطقياً لعمقها وموقعها، وفهماً من القوى السياسية، خاصة العلمانية والديمقراطية المصابة في معظمها بردود الفعل، والحكام النمطية التقليدية..بقدر ما أحدث الواقع فجوات جديدة أوسع بين القوى السياسية والقاعدة الشعبية التي تمثل قوى الثورة، وحواضنها، وقد اتسعت الهوّة اكثر فأكثر مع نمو ظاهرة التسلح وما شابها من تعرّجات وتحولات باتجاه السلمة، والتشدد، وهي التي كان بعضها طبيعياً في سياقات المسار العادي، وبعضها مصطنع، ومفتعل، ومشبوه من قبل عديد الأطراف والقوى الإقليمية والخارجية.. للإيغال أكثر في اتجاهات التطرف، والانقسام الداخلي، وتغليب الأحادية على التوافقات، والعقل الجمعي، وبذر بذور الاحتراب البيني ليس بين الديمقراطيين والعلمانيين والإسلاميين وحسب، بل وبين الاتجاهات والكتائب الإسلامية ذاتها، ووفقاً لعوامل متشابكة من اسباب الصراع، والتنافس والاقتتال ..
******
ـ ومع الإقرار الصريح بواقع المعارضات وتوصيفاتها التي طالما تناولناها بالبحث والنقد… فإن الموضوعية تقتضي ـ بالوقت ذاته ـ الوقوف عند العديد من إنجازاتها وما قدمته من رؤى ومواقف ..
لقد انجز المجلس الوطني، وبوقت معقول، رؤية سياسية وخريطة طريق معقولة للمرحلة الانتقالية، ولصورة سورية المنشودة. وبدورها”هيئة التنسيق” وبغض النظر عمّن يوافقها أو ينتقدها أسهمت في تحديد رؤاها لسرية المنشودة، وكان الإنجاز الأكبر للمعارضة السورية في مؤتمر القاهرة/ تموز 2012/ برعاية الجامعة العربية حين تمّ التوافق على وثيقتين مهمتين : وثيقة العهد التي تحدد صورة سورية المنشودة : الدولة المدنية الديمقراطية . دولة الحق والعدل والمساواة بين جميع المواطنين على أساس المواطنة، واشتراط القبول بالحل السياسي عبر تنحية رأس النظام وكبار رموزه، وتحويل المتورطين بالقتل للمحاكم، وكذا وثيقة المرحلة الانتقالية الشاملة ..
ـ بالوقت نفسه فإن جهات سورية عديدة، وتشكيلات سياسية مختلفة لم تقصّر في تحديد رؤاها السياسية لسورية القادمة، وفي وضع أسس المرحلة الانتقالية، أو موقفها م الحلول السياسية.. على اختلاف تبايناتها في المضامين والشروط . وبما يثبت أنها لم تقصّر في هذا الميدان، وان الخلل لم يكن هنا.. بل في أمكنة اخرى ترتبط بواقع الثورة السورية وتشعب قواها، وعدم إنتاج قيادة من صلبها، وبطبيعة العمل المسلح وما عرفه من تمدمدات غير طبيعية، ومستوى التداخلات الإقليمية والخارجية درجة السيطرة على القرار السوري، وتدويل الحالة السورية… تقريباً …
***
ـ مع ذلك.. يجب أن نسجل ابتعاد القوى السياسية عن الميدان والارتباط بالناس في الداخل، ومخا يستتبع ذلك من جوانب ونتائج.. وهي حالة لا تعود ـ فقط ـ لنوايا، او اتجاهات لدى تلك القوى بقدر ما ترتبط بمجموعة الظروف والقدرات.. والمفاتيح، والوسائل التي يطول شرحها هنا.
ـ ومع ذلك ايضاً.. فواقع الثورة وما وصلت إليه.. وبغض النظر عن مسؤولية هذه الجهة أو تلك..تحتاج اليوم قبل الغد وقفة شجاعة من جميع أبنائها والمنتمين إليها والمحسوبين عليها. وقفة للمراجعة والتقويم والاستخلاص، ووضع الرؤى والمهام المناسبة، واستلهام صمود وبطولات شعبنا في اشتقاق انجع وسائل العمل، وفي استعادة الأمل، ومعه القرار الوطني..
ـ وأعتقد ان ذلك ممكن حين توفر الإرادة والوعي والإخلاص، والنيّة الخالصة البعيدة عن الحسابات المصلحية، ومنطق الزعامات والمواقع الخلبية.. وتغليب الروح الجماعية، والمسؤولية العامة ..
عقاب يحيى

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.