شيء عن المعارضة التقليدية والأجيال والثورة -عقاب يحيى

[box type=”info”]يمكن للثورة أن تحقق الفرز المطلوب في الواقع والامتحانات وميادين الممارسة، وأن تضع جانباً رهط المنافقين والانتهازيين والمخترقين.. لكن العملية ليست بهذه السهولة، وقد لا يكون النجاح دائماً، وكبيراً، أو مانعاً لتأثير تلك الفئات وما تشكله من أخطار جدّية على هوية الثورة، ومآلها .[/box]

هناك مقولة مثل حدّ السكين .. او تلك التي تنغرث في الجوف.. تحاول تسويق الحديث الشريف الذي جاء في ظروف محددة أن “الإسلام يجبّ ما قبله”، أو عفا الله عمّا مضى.. وأن ثورات الربيع العربي مفتوحة الحضن والصددر والذهن.. للأخير… لكل من يعلن التزامه ووقوفه معها.. حتى ولو بالنفاق والكلام..
الجوهر صحيح.. انطلاقاً من أن الثورة ليست احتكاراً لأحد، ولا ملكية خاصة لفئة دون غيرها من الشعب.. وأنها لم تكن بالأصل فئوية، أو تابعة لجهة سياسية بعينها.. وهي ثورة حرية ومساواة لا بدّ أن تكون معنية بجميع المواطنين التواقين للحرية والكرامة والانعتاق..
ـ ومن جهة أخرى فعقود التصحّر والإخضاع والترهيب.. وسيادة الدولة الأمنية كمملكة للرعب والصمت واغتيال الحقوق المعجونة بالموضعات الطائفية والنهبية والأمنية المغلقة من جهة المفاصل، والمفتوحة على تخريب النفوس عبر تجنيد المخبرين والمتعاملين بعشرات الآلاف… وسط ضعف المعارضة ومحدودية دورها، وذلك الموت المفروض للرأي المعارض.. وطبيعة مجتمعات الاستهلاك المصطنعة : اللصوصية والنهبية والانتهازية… جعلت الأغلبية من الفئات الشعبية تمشي جنب الحائط والخوف يأكل أحلامها وايامها، والنفاق نتاج .. مثلما هو الحال في انتساب الكثيرين لتنظيم بعث السلطة والأجهزة : طريقاً اقصر للوظيفة والمكاسب، والمعيشة.. وغير ذلك من نتاجات..
ـ هذه الوضعية يمكن أن تشكل اختلاطات كبيرة في التخوم، وفي معرفة المؤمنين حقيقة بالثورة من رهط الانتهازيين والمُخترقين، والمنافقين، والراكبين ظهور المنافع والبروز، أو من الذين قذفتهم قناعات مؤقتة بانتصار الثورة القريب فالتحقوا بها بسرعة وحين طالت المدة، وتعقّدت اللوحة، ولم يستفد بعضهم من ” المغانم” المرجوّة راح يشنّ حرب التيئيس والتشويه، والتصنيف، والانفضاض .. وبما يصعّب عمليات الفرز والكشف والغربلة..خصوصاً وأن ميادين الإغاثة متعددة الجهات، والعمل المسلح بكل اقنيته وفروعه وشعابه وخلفياته ومموليه.. والإعلام ودوره وما أوجده من فئات تطفو على السطح طنجوم لا ينافسها سوى امثالها.. ومحتوى واقع الانشقاقات وخلفياتها….كل ذلك يزيد اللوحة تعقيداً، ويجعل البحث عن الملتزمين، والأصيلين، والصادقين كالبحث عن الإبر في أكوام القش.
                                                          ***
وهناك حقيقة يجب إدراكها وهي تحمل وجهين على الأقل، وتخص المعارضة التقليدية التي أفنى معظمها العمر في معارضة، ومقارعة النظام، والتي قدّم كثيرها أجمل وأخصب سنوات العمر في المعتقلات والمنافي والحصار . أولها يتعلق بشعور الكثيرين فيها بأنهم الأحق في القيادة والمواقع، وأنه يجب أن “يقبضوا” ثمن سنوات الشقاء والمعارضة، وأن يتقدّموا الصفوف ويتبوأوا جميع المسؤوليات في مختلف الهيئات القائمة..
وثانيها : أن الثورة لم تكن نتاج المعارضة … على العكس فإن من قام بها : تخطيطاً، وتفجيراً، وبلورات أولية كانوا من رهط الشباب الذين لا ينتمي معظمهم لأي فريق سياسي معارض، أو لجهة فكرية بعينها.. وأن الكثير منهم، خاصة بعد تصفية واغتيال ونفي أغلبية الصفّ الأول والثاني من هؤلاء وصعود شباب أقل تجربة ووعياً، واقتران ذلك بدخول العمل المسلح ثم سيطرته، لا يعترف إلا بدوره هو، وينظر بشيء من التعالي والاستخفاف “للكبار” ويعتبرهم مجموعات متفرقة، وفاشلة، وهناك من يحمّلهم كل المسؤولية فيما حدث للثورة من إخفاقات وتراجعات وتأخير للنصر.. وردّ بعض المعارضين القدامى بالاستهزاء ببنية ووعي الشباب، ومزاحمتهم من منطلق الأحقية والجدارة.. بينما يعوم كثير الملتحقين بالثورة ـ لأسباب قد لا تكون أصيلة ـ في سطوحها ومواقعها المسلحة، والإعلامية….
ـ نعم يمكن للثورة أن تحقق الفرز المطلوب في الواقع والامتحانات وميادين الممارسة، وأن تضع جانباً رهط المنافقين والانتهازيين والمخترقين.. لكن العملية ليست بهذه السهولة، وقد لا يكون النجاح دائماً، وكبيراً، أو مانعاً لتأثير تلك الفئات وما تشكله من أخطار جدّية على هوية الثورة، ومآلها .
ـ بالمقابل فإن “المعارضة التقليدية” مطالبة أولاً، وأساساً بجسر الهوّة مع الأجيال، وإفساح المجال لهم كي يتبوأوا المواقع الجديرة بهم، إن كان عبر عمليات التزاوج والدمج، أو من خلال الإقرار بحقائق الحياة والتطورات، وما تقتضيانه من عمليات مراجعة ومواءمة، وتغيير لسائدها، ونمطياتها التي لم تعد تناسب الواقع، وذهنية الشباب، والمعطيات..
ـ يمكن لتوليفة واعية للأهداف أن تنجح في تنقية صفوف الثورة من “العلق” الذي يريد امتصاص دمها، أو حرفها وتشويهها من داخلها.. كما وأن ممارسة المأسسة والروح الجمعية في مختلف التشكيلات السياسية والهيئات القائمة من شأنهما إنهاض المعادلة الصحيحة التي تتوفر فيها شروط قيادة مركب الثورة إلى الأهداف ..
عقاب يحيى     29/11/2014
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.