شوكولاتة

لكن الشوكولاتة كانت أحلى طعماً من حلوى الكتّان وحتّى من حلوى النّوغة، هل تعرف ابنة بائع اللبن هذا يا ترى؟ تعرف أو لا تعرف. كان في جيب الصّبي الحليق عشرون قرشاً، وفي جيب الأخت الكبرى ثلاثون، ما إن جمعوها معاً..

الكاتب أورهان كمال

أورهان كمال

الترجمة عن التركية: نور عبدالله

كانوا أمام واجهة محل بائع السّكاكر، في الواجهة صفوف وعلبٌ من السّكاكر، والحلويات، والشوكولاتة، ينظرون إلى الشّوكولاتة، في اليمين الولد السّمين وأخته الكبرى، وعلى يسارهما ابنة بائع اللبن، كانت ابنة بائع اللبن بعمر الأخت الكبرى، التي كانت قبل قليل تجرجر أخاها إلى الحلّاق، هناك عند الحلّاق مرايا كبيرة، وقفص بقضبان ذات خرزات زرقاء، في داخله طائر أصفر. كان الحلّاق صديق والدها، يعتلي شفتيه شاربٌ رفيع أسود، يبتسم دائماً عبر المرايا للفتاة ذات الأثداء الضّخمة في البيت المقابل، والفتاة كذلك تبادله الابتسامات أيضاً، وأحياناً يلوّحان لبعضهما، أيضاً الولد السّمين رآهما، والطائر الأصفر المغرّد بحجم الإصبع أيضاً رآه، كانت آلة الحلاقة تشدّ شعره بين الحين والآخر، ذلك ما كان يؤلمه كثيراً، لذا هو يريد أن يهرب، ويرمي دكان الحلّاق بالحجارة، لهذا السبب لم يكن يحبُّ أن يحلق شعره، كان توتّره وركله لأخته بسبب هذا، ولو لم تقل أخته:” لنجمع نقودنا معاً ونشترِ شوكولاتة ذات العشرة قروش” لكان عرف ما يفعله.

أمام واجهة بائع السّكاكر كان قد انمحى من ذهنه الحلّاق، ومراياه، وعصفوره الأصفر، الآن فقط الشوكولاتة كانت حاضرةً، الشوكولاتة الشهية الملفوفة بالأحمر والبنفسجي والأصفر والأزرق، ألوان الأحمر والبنفسجي والأصفر والأزرق تتلألأ تحت ضوء الشمس، كانت الأخت الكبرى والأخ وابنة بائع اللبن غارقين بالنظر إلى الشوكولاتة المرصوصة بالألوان المتلألأة. وكأن ألوان الأحمر والبنفسجي والأصفر والأزرق هي التي كانت تتطاير بداخلهم.

الصّبي وأخته الكبرى يعرفان طعم الشوكولاتة، كانت عمّتهما قد جلبتها لهما مرّةً من “ساري يار”، كان لعمّتهما معطف أسود، وشامةٌ لحميّة كبيرة على وجهها، عيناها مكحّلتان دوماً، أحياناً كانت تعطيهما نقوداً أيضاً، وتجلب لهما حلوى النّوغة، أو حلوى الكتّان المستديرة، من “أميرغان”، أبوهما أيضاً جلب لهما مرّةً حلوى النوغة وهو عائد من سفره في إحدى الليالي الممطرة بذقنه الطويلة ورائحة البنزين التي تفوح منه، ودائماً كانت الشتيمة حاضرةً فوق تلك الذقن المغبّرة: ” أيها الحمير، عديمو الشرف، قوّادون..”

لكن الشوكولاتة كانت أحلى طعماً من حلوى الكتّان وحتّى من حلوى النّوغة، هل تعرف ابنة بائع اللبن هذا يا ترى؟ تعرف أو لا تعرف. كان في جيب الصّبي الحليق عشرون قرشاً، وفي جيب الأخت الكبرى ثلاثون، ما إن جمعوها معاً..

ـ أختي!
قالت وعلى شعرها المتّسخ شريطة حمراء: ـ ماذا هناك؟
ابنة بائع اللبن كانت تنظر إليهما
ـ لا شيء

هذه الفتاة، ابنة بائع اللبن القذرة، لماذا تقف إلى جانبهما؟ هو كان يملك عشرين قرشاً وأخته ثلاثين، ما إن خلطا نقودهما حتى صار لديهما خمسين قرشاً، يمكنهما شراء شوكولاتة بخمسين قرش، لكن ماذا عن ابنة بائع اللبن؟

الأخت الكبرى أيضاً كانت تعرف أن الشوكولاتة أحلى طعماً من حلوى الكتّان، كانا سيشتريانها ويتقاسمانها ويأكلانها وهما يسيران، لكن هذه الفتاة، ابنة بائع اللبن القذرة. لم تكن تملك نقوداً ولم تكن تبتعد عنهما، لو قالوا لها اذهبي ستسأل لماذا ولو قالوا لها سنشتري شوكولاتة لقالت وأنا مالي؟ ولو اشتروها لنظرت إليهما بغباء. لو تقاسموها معها لما تبقّى لهما شيء، لو لم يطعماها… كان أبوهما يقول في صباحات الذقن المحلوقة بعد مساءات الذقن الطويلة المغبّرة، ان إثارة الحسد حرام، كان هناك جهنّم، وخزانات مليئة بالقطران، وزبانية..

ـ أختي!
ـ ماذا هناك؟
ـ هل هذه الشوكولاتة هي ذاتها نفس التي أحضرتها عمّتي؟
ـ لا
ـ ألم تكن التي أحضرتها عمّتي ذات طعم أحلى؟
ـ بلى
قالت ابنة بائع اللبن: ـ كل الشوكولاتات تشبه بعضها!
قال الاثنان سويّةً: ـ وما أدراكِ أنتِ؟
ـ وما أدراكم أنتم؟
ـ عمتنا أحضرتها لنا من “ساري يار”.
ـ وأنا أيضاً.
ـ هل كان لديكِ عمّة؟
ـ وهل كان لديكم؟
ـ لدينا.
ـ وأنا لديّ.
ـ كانت تحضر لنا الشوكولاتة في كل مرّة تاتي فيها.
ـ وأنا أيضاً.
ـ وكانت تجلب لنا حلوى الكتّان وحلوى النّوغة أيضاً.
ـ وأنا أيضاً.
ـ من أين كانت تحضرها لك؟
ـ وأنتم.. من أين كانت تحضرها لكم؟
ـ قولي أنتِ من أين كانت تحضرها؟
ـ ولماذا أنا التي ستقول!
ـ ولماذا نحن اللذين سيقولان؟ نحن أبونا سائق شاحنة يلفّ الدّنيا.
ـ وأنا أبي بائع لبن، يوزّع اللبن حتى على سكّان العمارات.
استدار الصبيّ محمراً إلى أخته: ـ أختي!!
ـ ماذا هناك؟
ـ مادامت عمّتها تجلب لها الشوكولا فلتذهب وتأكلها!
قالت ابنة بائع اللبن: ـ لن أذهب.
قالت الأخت الكبرى وشريطتها الحمراء تهتزّ على شعرها:
ـ ولماذا؟
ـ أنتم لم لا تذهبون؟
ـ ولماذا تنظرين إلينا؟
ـ أنتم لماذا تنظرون إليّ؟
ـ نحن سننتظر هنا للمساء.
ـ وأنا سأنتظر!
ـ وهل المكان لكِ؟
ـ وهل هو لكم؟
الأخت: ـ اسكت نحن لسنا مثلها
ـ أنا لست مثلكم!
ـ ماذا؟
ـ أنتم.. ماذا؟
ـ الصّبي: ـ لو كنتِ رجلاً لقلتِ!
ـ أقول..
ـ هيّا قولي
ـ وهل سأخاف منكم؟
ـ وهل سنخاف نحن منكِ؟
مرّت سيارة “دي سوتو” من الشارع غير المرصوف،
ـ أختي!
ـ ماذا هناك؟
ـ أبي يستطيع أن يقود هذه السيارة أيضاً أليس كذلك؟
ـ بلى يستطيع.
ابنة بائع اللبن سمعت الحديث ولكنها لم تفهمه، لم يكن لها عمّة، لكنها كانت تتمنى لوكان، لو كان لها عمّة ولو جلبت لها الشوكولاتة وحلوى النّوغة من “سري يار”، وحلوى الكتّان من “أميرغان”، لو كان أبوها سائقاً…. هل الشوكولاتة حلوةٌ حقاً يا ترى؟
ـ أختي!
ـ ماذا هناك؟
ـ لو أردنا لاشترينا شوكولاتة صحيح؟
ـ اسكت!
ـ نستطيع أليس كذلك؟
ـ ألم أقل لك اسكت!
ـ لن نشترِ.. أنا أعلم.. في جهنّم هناك قطران..
ـ ألم أقل اسكت يا هذا!
ضحكت ابنة بائع اللبن، اصفرّت شريطة الأخت فقالت:
ـ لم تضحكين؟
ـ وما لكِ أنتِ؟
ـ لو أنّكِ رجل تكلّمي!
ـ وهل سأخاف منكِ؟ من أين رأيتم جهنّم؟
ـ وهل رأيتها أنتِ؟
ـ أنا لم أرها.
ـ ولا نحن.
ـ ومن أين تعرف أن هناك قطران في جهنم؟
تبادل الأخ والأخت النظرات، قالت الأخت:
ـ أبي قال ذلك.. ألا يعلمُ أبي!!
ـ فليعلم، لكنكم لا تعلمون..
ـ أختي
ـ ماذا هناك؟
ـ فلنريها أننا نستطيع شراء الشوكولاتة لو أردنا.
تحدّتهم ابنة بائع اللبن بقرطيها المصنوعين من التنك الأصفر:
ـ أروني إذن.
ـ فلنريها يا أختي.
ـ فلنريها يا أختي!!! وكأن لديهما نقود!!
ـ أليس لدينا؟
ـ ألديكم؟
ـ انظري..
زمّت شفتيها؟
ـ أبي يعطيني نقوداً أكثر.
الأخت أيضاً أرتها نقودها فزمّت شفتيها أكثر.
ـ إنه يعطيني أكثر منكما، ولا أعرف أين سأصرفها كلّها..
كادت الأخت الكبرى تبكي
ـ اشتر شوكولاتةً بخمسين قرشٍ إذن..
ـ لو أردت لاشتريت.
ـ نحن نستطيع أن نشتري.. قال الصّبي
ـ نستطيع أن نشتري!!! اشتروا إذن
ـ ألا يمكننا!
ـ هيا أروني!!
ـ بلهاء. قال الصبي
ـ بل أنتم البلهاء.
تطايرت الشريطة الحمراء على وجه الأخت:
ـ ولمَ تحشرينني أنا!!
ـ ولمَ حشرني أخوكِ؟
ـ هيّا.. هيّا.. تربيتنا لا تسمح لنا بالكلام مثلكِ.
ـ أنا من لا تسمح له تربيته بالكلام مثلكم.
ـ اخرسي.
ـ نحن لدينا نقود أليس كذلك يا أختي؟ لماذا نسكت؟
اقتربوا من الدّكان، بقيت ابنة بائع اللبن ذات الشعر المتّسخ مكانها، لم يكن لديها أحد سوى أبوها المدمن لاعب القمار، وأخواتها الأربعة، اللواتي كنّ يعملن في مصنع التّبغ، يعودون وأيديهم فارغة، عندما كانت أمها على قيد الحياة، كانت تأتي محمّلةً بالعنب، والتّين، والجبن الأبيض والزيتون، وكانت تطبخ لهم الطعام، وتغسل الملابس حتى منتصف الليل، تجلس بناتها أمامها وتمشّط لهن شعورهن، وتضع لهنّ الشرائط، لم تكن أخواتها تعملن في معمل التّبغ وقتها، كانوا يلعبون بالكرة والزحاليق والقفز على الحبل، حتى أبوها لم يكن يشرب كثيراً وقتها.

المزيد للكاتبة

خرجوا من الدّكّان بشوكولاتة ذات الخمسين قرشاّ، مزّقوا الغلاف الأحمر ورموه أوّلاً، ثم الغلاف الفضّي، ثم تقاسماها، وبدءا بأكلها.

هل كانت حلوةً جداً يا ترى؟ مجدداً قالت:
ـ لو أعطوني إيّاها مجاناً لما أكلتها.
هل سمعوها؟ لو سمعوها ماذا قالوا؟ أغمضت عينيها كي لا يروا نظراتها إليهم ويظنّوا بأنها تحسدهم، وفي عينيها المغمضتين الشوكولاتة التي مزّق غلافها وأُكلت باشتهاء.

فتحت عينيها فرأت واجهة الدكان، وفي الواجهة الشوكولاتة بأغلفتها الحمراء والخضراء والبنفسسجية، والصفراء والزهرية، أغمضت عينيها من جديد، الأخوين اللذان ذهبا إلى الحلاق، الشوكولاتة التي أخذاها بالمشاركة، واقتسماها، الأب الذي يستطيع أن يقود حتى السيارة الزرقاء، العمّة التي تجلب الشوكولاتة من “ساري يار”، وحلوى الكتّان وحلوى النّوغة من “أميرغان”.. فتحت عينيها، كانا ذاهبين جنباً إلى جنب، أغمضت، فتحت، أغمضت، فتحت، أغمضت، وفي آخر مرة فتحت عينيها كانوا قد وصلوا إلى منعطف الطريق في الشارع المقابل، أغمضت وفتحت، لم يكونا موجودين، كان الطريق قد بلعهما كلاهما، كانت على وشك الذّهاب، نظرت إلى حافة الرصيف، غلاف الشوكولاتة الأحمر، وطابة صغيرة من الغلاف الفضي، نظرت حولها بارتياب، كانت خائفة من أن يروها ويظنّاها غجريّة، مرّ بائع كعك السميد، نظرت إلى البيوت، إلى نوافذ البيوت، إلى الستائر الشفافة على النوافذ، انحنت، والتقطت الكرة الفضّية المجعّدة، بائع كعك سميد آخر. رمتها والتقطتها، رمتها والتقطتها، وكأنها كرة، فاجتازت شارعاً، وشارعاً آخر، وبعدها شارعاً آخر، كانت أرضية هذا الشارع متسخة، وتفوح منه رائحة البول، فتحت الطّابة الفضّية، ولحست بقايا الشوكولاتة.


نور عبدالله، صحفية سورية ومترجمة عن التركية تقيم في إسطنبول.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.