شكل الانتقال السياسي في سورية

حاول الأخضر الإبراهيمي بخبرته الطويلة أن ينتج نظام محاصصة طائفي في سورية كما كان انجازه في لبنان.

بقلم: مانيا الخطيب - هلسنكي

في الوقت اليوم الذي يتحدث السوريون فيه بحسرة عن ما يسمى “تقسيم سورية” وإعادة تموضع المناطق وما إلى ذلك، أعتقد أنه يغيب عن ذهنهم حقيقة وهي أن الانتقال من نظام مافيوي ديكتاتوري عسكري مخابراتي فاسد لم يبق زاوية في أي حارة في سورية ولا بيت ولا شارع لم يطاله أذاه بأبشع الصور، إلى أي نظام من أي نوع قادم لا بد بأن يمر بهذه المراحل من “الحديث” عن التقسيم بل وعن الفناء التام في ظل ذهنية لا تزال موجودة وحاضرة وهي “الأسد أو نحرق البلد”.

طبعاً بالعودة إلى الحديث عن ما هو المستقبل القريب للنظام السياسي في سورية بعد إجتثاث حكم العائلة في سورية؟
في هذا المعرض من الحديث لا بد من الإشارة إلى الأداء السياسي الأسوأ ما يكون لما يسمى “المعارضة السورية” التي لم تستطع أن تخرج هي الأخرى من الحلقة المفرغة “قومي – يساري – اسلامي” والتي أي منها لا يمكن أن يكون أداة لأي حل سوري سوري.

وفي المعرض الآخر ميراث النظام السياسي/ هو حزب البعث العربي الاشتراكي القائد للدولة والمجتمع وأيضاً أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية المنضوية تحت الحزب الآنف الذكر القائد للدولة والمجتمع!
بناء على هذه المعطيات يمكن تقديم تحليل وتصور عن ما يمكن انتاجه بعد سقوط النظام السوري.

حالياً، المشهد هو عنف مفرط من النظام السوري، وعنف مضاد أنتجه النظام أيضاُ بسبب سلوكه الذي انتج التطرف والمتطرفين .. إضافة إلى وجود جهات مسلحة تأتمر بأوامر خارجية عديدة سواء كانت مؤيدة علنا للنظام كما هو الحال بما يسمى “حزب الله” والمليشسات العراقية والايرانية وما شابهها وسواء منها التي تعلن عداءها للنظام ممن استهدفت أهل الثورة أكثر من أي أحد، وبالتأكيد تتصدر ما يسمى “داعش” أبرز الجهات والتي هي أيضاً من أهم الأدوات الدولية والاقليمية لإدارة “الأزمة”.

هذا غير الاستقطابات السياسية بين الدول الاقليمية إيران، الخليج، “اسرائيل” تركيا .. والاستقطابات الدولية في مجلس الأمن وغيرها من المحافل.
هذا المشهد وهذه المعطيات تقود إلى القول بأن ما سينتج كبداية للحل هو نظام سياسي سوري مشلول بالضرورة حتى يمكن فعلاً أن يبدأ الحل وأهم بداية للحل على الاطلاق هو وقف البراميل والصواريخ وعمليات التفجير العشوائي والاغتيالات والاجرام.

لا يمكن أن يبدأ أي حل في سورية إلا إذا كان هناك وضوح تام أن النظام السياسي سيكون مشلول وغير قادر على الحركة وهذه مرحلة حتمية لا بد منها وأحد أشكال تموضعها هو الحديث عن التقسيم الذي هو محض وهم وهراء لأسباب لا حصر لها وأهمها على الاطلاق هو الحقائق الجغرافية والسكانية وغيرها مما لا يتسع هذا المقال القصير للتطرق لها.

حاول الأخضر الإبراهيمي بخبرته الطويلة أن ينتج نظام محاصصة طائفي في سورية كما كان انجازه في لبنان لأن نظام المحاصصة هذا هو نظام مشلول ومفيد لبلد مهم في سورية كان محكوما بالحديد والنار ..لكن الابراهيمي فشل فشلاً ذريعاً .. لأن السوريون بعيدون عن هذا الاتجاه في التفكير والتنظيم، وظلت بعده المحاولات مستمرة لخلق خطط بديلة لانتاج مثل هذا النظام السياسي المشلول.

أحد الأسباب ما يمنع السوريون على المدى القريب من انتاج نظام سياسي متماسك إضافة إلى الحلقة المفرغة السياسية العتيقة التي ذكرتها أعلاه .. هو أن التجارب السورية في بناء أحزاب وحركات وتيارات سياسية تؤسس لرؤيا سورية تعمل على أجندة وطنية تحافظ على مسافة واحدة من جميع السوريين بغض النظر عن خلفياتهم الدينية والاثنية والقومية، أحزاب تعمل بإيقاع سوري سوري، تطور نموذج تقني قادر على القيام بالأعباء الجسيمة للمرحلة القادمة، هذه التجارب جميعها لا تزال في مرحلة جنينية وتقريباً جميعها، رغم نبل ونظافة توجهاتها وشخوصها وإخلاصهم إلا أنها تعاني من مشاكل تنظيمية عديدة لا يتسع المجال للخوض فيها وبأسبابها.

هذه التجارب الجنينية هي قيد التأسيس وعددها لا يستهان به، وحلم السوريين لازال هو نفسه منذ أن قامت ثورة الكرامة والحرية في آذار 2011 لم يتغير شيء إلا الظروف المأساوية وحرب الإبادة التي يتعرضون لها يومياً ودفعهم لاقسى الأثمان التي ممكن أن يتعرض لها شعب على سطح الكوكب.
هذا الحلم السوري تحول في الآونة الأخيرة إلى حركة شعبية عالمية يتشارك معنا فيها عدد كبير من نشطاء الشعوب التي نعيش بينها.

خلال سنوات الثورة السورية .. تغير العالم رأساً على عقب .. ولا زال التغيير الجذري قائماً على قدم وساق فإذا كانت المرحلة القريبة تحتم على السوريين إيجاد حل موضعي بانتاج نظام سياسي مشلول بدل النظام الديكتاتوري المجرم كحل مؤقت لإيقاف العنف المفرط .. هذا لا يعن بأي حال من الأحوال أن حتمية التاريخ والجغرافيا السورية قد توقفت عند هذا الحد مهما بدا الحاضر بشعاً .. إلا أنها برهة في المخاض السوري الطويل. المستقبل واضح إذ أن الأجيال التي تكبر يوماً بعد يوماً محكومة مهما كان موقعها بإعادة التشكل من جديد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.