شكراً أيتها الأم العظيمة

الأيام السورية؛ علي الأعرج

الأم كيان مقدّس. ليس لأنها تستطيع أن تتجاوز الوعي المعاصر في عمر متقدّم، والذي بدوره قد تجاوز وعيها القديم بأشواط، وليس لأنّ كتب السماء قد انهالت على قداستها المجازية بأنهار تمرّ تحت قدميها، وليس لأنها تضع تضحيتها المطلقة دفاعاً عن كيانات أضعف من أجل نموّهم وازدهارهم، وليس لأنّ المعيار الرومنطيقي يحنُّ إلى خبزها، بل لأنها قد اختارت فكرة وجودها من مصيرك العشوائي داخل رؤى التناسل دون استئذان منك، قدّمت لك هبة الصراع ولذته المتناهية بالفكاهة والمشاركة، بفهمك العميق لمسائل فكريّة لم تكن لتعيها لولاها.

برغم أنّ الأمهات جميعهنّ لا يكترثن أبداً بكل ما سبق، ولن يكترثن بكل ما سيُقال، ولم يفكّرن أصلاً بكل تلك المعطيات الممتعة، لكن يُحتّم علينا أن نقول شكراً. شكراً لجميع الأمهات، لأنه لولاكنّ لما وُجدنا لمشاكسة الأقوياء، والتعاطف مع الأنقياء، وامتهان اللصوصية اتجاه الأثرياء، والإحساس العميق مع الضعفاء، والتلذذ بجدل الأذكياء، والتهكّم من الساسة ووحوش الأرض الحاكمين باسم الأنبياء. شكراً لأنكنّ منحتمونا هذه الفرصة في محاولة تحطيم الأساطير. شكراً لمنحنا هذا الفراغ الطويل لنرقص على عوالم الموسيقا التي لا تنتهي، ولنقرأ ما يجعل خيالاتنا تسبح نحو عوالم لنكتشفها، ونفكّر بحرية الاختيار اتجاه الموت.

الأم كيان مقدّس؛ لأنها الوحيدة التي تضحك مع طفلها غير الواعي، بصدق حقيقي، لا لتسليته بل لقناعتها البدائية، إنّه كيان جميل وذكي، برغم أنه يمكن أن يكون أكثر الكائنات بلادة وغباءً. لأنها الوحيدة التي تظنُّ أنّ الحياة بوجودك أكثر رقيّاً وأسهل معنى. إنها لا ترى سوى ما تريد أن ترى. لأنها الوحيدة التي تؤمن مئة في المئة، بأن استغفارها لك بين يدي الله. بعد شتمك إياه بلحظة غضب،

قد يُنقذك من جحيم لا ينتهي.

إنّها الوحيدة التي تعتبر موتك بالصدفة البحتة، أنها قضية حب وليست قضية أخلاق أو عدالة أو معنى للوجود.

الأم كيان مقدّس؛ لأنها الوحيدة التي تضحك مع طفلها غير الواعي، بصدق حقيقي، لا لتسليته بل لقناعتها البدائية، إنّه كيان جميل وذكي

بخلاف قدرة التحليل المنطقي والعقلي، لمفهوم الأم التاريخي وعاطفيته، وقبولنا أو رفضنا لتلك المعطيات التحليلية وآلية صحته من خطأه، لكن تبقى الأم كياناً ممتعاً قادراً على جعلنا عباقرة أو مرضى، لكن في الشكلين، هو اكتشاف عميق لذواتنا وآلية متعتنا به. قد يُعاب عليها أنها تنقل لنا وعيها دون استئذاننا، لكنه مقارنة بما تمتعنا به، فليس مسألة خطيرة، فالوعي يمكن رفضه عندما نكبر.

للأم حكايات أسطورية، تقولها لترعبنا من منظور أخلاقي، دون أن تفهم بأن بثّ حكايات الرعب تلك ستحولنا يوماً باتجاه رفض الصورة، لنستفيد منها في تشكيل مخيّلة أدبية، أو فنيّة، أو علمية، إنها تساهم ببناء العالم دون أن تدرك أي شيء، وربما عدم إدراكها ذاك هو الصورة المطلقة لأهميتها.

الأم تعشق أطفالها بعمق، دون إدراك بأن العاطفة بناء بيئي وليس أصيلاً، لكن غير مهم، فهي مقتنعة بصورة التاريخ الذي فرزها لمهمة أبدية. ذلك العشق الذي تتلو فيه مراحل من التصورات الغيبية، تخلق فينا صورة إلهية كما خُلِقت فيها قبلاً، ودون وعي بأنها تقدّمنا على طبق من المخيّلة في تكوين الإله بصورة جديدة وأكثر تمدّنا.

شكراً للأم التي لا تدرك أي شيء، سوى الانسياق لغباء العاطفة، انسياق يجعلنا أكثر وعياً وتحرراً ورفضاً لكل شيء. انسياق يخلق فينا بذرة التمرّد الأبدي على كل شيء. انسياق يُمهّد لنا طريق الخيال نحو الاكتشاف والمتعة والابتكار.

الأم عظيمة لأنها تحكي لك قصصاً دون تنسيق سردي أو تجميل لغوي، وتغني لك بصوت لا يعرف مقاماً أو نوتة موسيقية كي ترقص، وترسم لك لوحات فاشلة كي تمارس معك معنى الألوان قبل أن تتعمق في فلسفة الضوء، وتعلمّك الأحرف ببدائية تفوق قدرتها على فهم أن الحرف هو صوت وليس لغة، وتتخيل معك صوراً سينمائية في عشقك المستقبلي، دون إدراكها أن تصنيف الصورة السينمائية تلك يُطلق عليها اسماً رومانسياً. الأم عظيمة لأنها ترسم وعياً بدائياً، سيُرفض غداً، لكنه الأساس والجوهر لكل ابتكار.

الأم عظيمة لأنها تحكي لك قصصاً دون تنسيق سردي أو تجميل لغوي، وتغني لك بصوت لا يعرف مقاماً أو نوتة موسيقية كي ترقص، وترسم لك لوحات فاشلة كي تمارس معك معنى الألوان قبل أن تتعمق في فلسفة الضوء

شكراً لكل ممارسة خاطئة في التعاطي معنا. شكراً لأنكنّ صرختنّ علينا يوماً، لنفهم بأن العنف يجب محوه من الوجود، وشكراً لأنكنّ أخجلتمونا عند أول عشق طفولي، لنفهم بأنّ الحب مسألة مصيرية للوعي المتقادم، وشكراً لأنكنّ راقبتنّ غروب الشمس معنا، لنفهم بأنّنا ننتمي إلى الطبيعة في لحظة اليأس الاجتماعي، وشكراً لأنكنّ تركتنّ لنا كتباً في المنازل رغم أنكنّ لا تعرفن القراءة، لنفهم بأننا ننتمي إلى عالم آخر من المتعة، وشكراً لأصواتكنّ النشازيّة وأنتنّ تغنينَ لنا، كي نفهم غداً بأنّ الحياة لا تكتمل إلا بالفرح المبطّن. شكراً للغضب عند كسر طبق، لنفهم بأنّ الكرم ضرورة للحياة، وشكراً لبكائكنّ من حماقاتنا، لنفهم بأن التراجيديا هي جزء من المسرح الأدائي، وشكراً لروائحكنّ بعد الاستحمام، لنفهم بالوعي البدائي للطفولة بأن شغف الاكتشاف ليس شيئاً عابراً، وإنما أصالة تولد بالجسد. وشكراً لإغماض العيون عند النوم، لنفهم بأن مراقبة الحلم مهنة نختارها منذ البداية. وشكراً للسماح لنا بأن نساعدكنّ بالطبخ رغم عدم معرفتنا، لنفهم بأنّ المساواة ليست خطاباً. شكراً لكنّ عندما تحكين أسوأ طريقة للقص، كي نفهم أن الأدب ليس نمطاً للجمال الساذج. شكراً لاعتباركنّ لنا كائنات مذهلة، لنفهم بأننا كائنات لسنا مذهلين، إنما بشر عاديون يخطئون ويصيبون.

شكراً لجميع الأشياء التي لم تدركوها يوماً، كي نصبح ما نحن عليه، بقدرة على التحطيم، لاكتشاف جوهر المعنى. شكراً لأنكنّ لا تدركن أي شيء، وهذا سبب كافٍ أن تكنَ مقدسات وعظيمات.

شكراً لك أيتها الأم المقدسة؛ التي لم تفهم ولن تفهم من الوجود أي شيء. شكراً لإنجابنا. استرحن ودعوا لنا مصير سيزيف لنبتكره خيالياً كما نشاء.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.