شظايا الموت تلاحق الأجنة في الأرحام

محطات من التغريبة الشامية 18

حصار الغوطة أدى إلى فقدان المحروقات، وفي حال توفرها كانت قليلة وفاحشة الغلاء، فلا مجال لشرائها، عادت بنا هذه الأسباب إلى زمن العربة التي يجرها حصان أو حمار، كما وانتشرت الدراجات الهوائية بكثرة.

الأيام السورية؛ نور الشامي

يركض زوجي كطفل تائه أضاع والديه مفتشاً عن وسيلة للنقل حتى يتسنى له أخذي إلى المشفى، ذلك بعد عودتنا من حيينا المدمر الذي صدمني منظر دماره الكبير فسبب لي نزيفا شديد في حين أني تجاوزت الثلث الثاني من الحمل، البحث عن إسعاف من أشد الأمور صعوبة، فحصار الغوطة أدى إلى فقدان المحروقات، وفي حال توفرها كانت قليلة وفاحشة الغلاء، فلا مجال لشرائها، عادت بنا هذه الأسباب إلى زمن العربة التي يجرها حصان أو حمار، كما وانتشرت الدراجات الهوائية بكثرة وعادت مهنة إصلاح الدراجات بعد أن كادت تختفي هذه الصنعة القديمة.

إسعاف على طريزينة

وأخيرا، وبعد طول بحث استطاع زوجي ايجاد مركبة آلية بثلاثة دواليب يطلق عليها العامة اسم(طريزينة)، خضراء اللون مكشوفة بالكامل، ركنها صاحبها أمام منزله منذ غلاء مادة البنزين متيقنا أن لا أحد سيفكر بسرقتها لأنها لا تجدي نفعاً فلا أحداً سيشتريها ولا أموال ليستخدمها، وحين وجد صاحبها زوجي يبحث عن إسعاف أعطاه إياها تاركاً له حرية التصرف سواء بتعبئة البنزين لها أو وضعي بها وأخذي للمشفى عن طريق الدفع واختيار الطرقات المنحدرة قليلا لتسهيل حركتها وبالطبع اخترنا الخيار الأوفر.

الوضع الصعب في المستشفيات

وصلنا للمستشفى، سبقني زوجي مسرعا ليحضر الطبيبة، المستشفى مكتظ بالمرضى فقد أغلقت العيادات الخاصة للأطباء تقريبا، وتحولت المستشفيات إلى عيادات للمعاينة وقسم للعمليات الجراحية وآخر للاستشفاء، حيث يوضع فيه المريض إلى حين أن يأذن الطبيب مغادرته.

طبيبة النسائية في قسم العمليات وعلينا الانتظار قليلا هكذا أخبرنا زوجي، أجلستني والدتي على أحد المقاعد ووقفت بجانبي فرميت بثقل رأسي وجسدي المنهمك مستندة عليها، أتأمل وجوه المرضى التي أخذ بها الجوع والقصف مأخذه، إحداهن تنتظر الطبيبة مع زوجها أشعر بها لا تملك صبرا حتى تلقاها تحاول إشغال نفسها بطقطقة أصابعها أو المشي ذهابا وإيابا.

رب ضارة نافعة

حين رأتني أحدق بها أتت بجانبي تسألني عن وضعي فأخبرتها، وقالت رب ضارة نافعة لم أفهم قصدها في البداية لتكمل حديثها أنها وبعد انتظار عشر سنوات محاولة إنجاب طفل وبعدما فقدت الأمل في ذلك، تعرضت لموقف مرعب جدا جراء غارة جوية كانت قريبة منهم، بعد فترة ظهر عليها أعراض تعب شديد لتذهب إلى الطبيبة وتزف لها خبر حملها لكنه لم ينبض بعد وأنها أتت اليوم حتى تطمئن على نبض جنينها فتشاركنا الحديث سيدة مسنة وتقول لها : “أي يا بنتي رعبة بتفك رعبة”، كثرت جدا حالات الإجهاض والنزيف جراء القصف والرعب النفسي والتوتر، والذي يزيد الطين بلة، شح الأدوية وصعوبة تأمينها وسوء التغذية فيبيت الجنين يقتات على صحة وعافية أمه فتسوء حالتهما معا، بالإضافة إلى الأمهات اللواتي تعرضن للكيماوي في تلك الليلة السوداء حيث ظهرت عدة حالات كان الأجنة فيها مشوهين وبسبب سوء جهاز التصوير (الإيكو) وكونه من النوع القديم لا تعرف الطبيبة بهذا التشوه إلا بعد ولادة الطفل، ليولد الطفل بأمراض قلبية أو تشوهات جسدية و إعاقات بنقص اكتمال النمو ففي أحد الأيام ولدت طفلة لشابة من بلدة (زملكا) بلا يدين تماما ، أعزى الأطباء هذه الولادات كلها للسارين الذي امتد أثره لعدة سنوات بعدها.

أطفال الغوطة يموتون قبل الولادة

إحدى السيدات تركن في زاوية تحمل على ملامح وجها قهرا لا يوصف وإنهاكا طبع على حفر خدودها المقعرة للداخل بسبب الجوع آثار التعب، إلى جانبها مقعد فارغ أشرت إلى والدتي الجلوس حتى ترتاح قليلا فذهبت، من عادة أمي الحديث مع الغرباء فبدأت حديثها وبدأ الحزن يغطي ملامح أمي أيضا متضامنة مع السيدة التي عجزت عن حبس دموعها أكثر، تنظر أمي باتجاهي نظرات خوف وحنان وأقول بقلبي جنتي أنتِ يا أمي ودوائي، لأراها بعد دقائق تصافح السيدة وتأتي باتجاهي، سألتها عن بكاء السيدة فتخبرني أنها تبكي ابنتها الشابة التي استشهدت هي وجنينها الأسبوع الماضي وهي حامل في شهرها التاسع وحين حاول الأطباء إنقاذ الجنين كانت الشظايا ملأت جسده الصغير الذي لم يرَ الضوء بعد، ومنذ ذلك الحين والأم بحالة تعب شديد وإرهاق ونوبات إغماء متتالية، قصف أسد وقواته لاحق الآمنين في بيوتهم والمستقرين في أرحام أمهاتهم فويل له مما تجني يداه.

الجنين تحت ألطاف الله

أتت الطبيبة مسرعة ودخلت للمعاينة وبعد بضعة أسئلة أخبرتني حرفياً أن الجنين تحت ألطاف الله، قلت لها أننا جميعا تحت ألطاف الله لكن العبرة خنقتني خوفا على ابنتي فقد أخبرتني الطبيبة أنها أنثى وأنني بحاجة لراحة جسدية ونفسية شديدة وأدوية لوقف النزيف وتثبيت الحمل، خرجت من عندها قلقة من الآتي.

عدت إلى بيت والداي وحملت إمي وأختي مسؤولية الاعتناء بي وحرصتا على راحتي ولكن من يؤمن لأهالي الغوطة أيام بلا خوف وقصف ؟! من يؤمن لهم أدوية تساعدهم على مقاومة هذه الامراض والنملة لا يسمح لها بتجاوز حدود غوطتنا؟

صعوبة تأمين الأدوية

عمل المختصون والمخبريون رغم قلة الإمكانيات على تصنيع بعض الأدوية، كما واستخدمنا كميات كبيرة من الأدوية منتهية الصلاحية من مبدأ أنها إذا لم تفيدنا فهي لن تضر، وفي أحد الأيام أتت خالتي لزيارتنا محضرة أدوية كانت قد استخدمتها مسبقا في حملها، لكنها أيضا أتت مودعة فهي قررت الخروج إلى دمشق لمعالجة ابنتها التي ولدت بفتحات قلبية وصمام مغلق وبعد يأسها من العلاج في الغوطة قررت الخروج مع أطفالها الثلاثة وزوجها من معبر(الوافدين) الذي مازال سبيل الخروج مقابل دفع مبالغ كبيرة، ودعتنا و ذهبت وبت أفكر أترانا سنبقى نحتمي من الظالم بالذهاب إلى حماه؟ أم أننا سننفض هذه الأفكار ونرفضها ونحقق كياننا الحر ويشهد الأطفال الذين شهدوا هذه المآسي انتصارا لطفولتهم المسلوبة وحقوقهم المأكولة ويصبحون بمستقبل زاهر أفضل مما نحن الآن فيه.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.