شرايين الحياة تفتح على الغوطة

محطات من التغريبة الشامية(24)

من أهم منجزات الأنفاق هو إخراج المصابين للعلاج في مشفى (الحياة) الواقعة في (القابون)، كان الوضع بداية يقتصر على أنفاق مدينة حرستا بقيادة شخص يلقب (الزحطة)، لتبدأ بعده المناطق المحيطة (القابون) بحفر عدة أنفاق بحيث فتحت (دوما وحرستا وعربين) شرايين الحياة إلى كافة الغوطة الشرقية.

الأيام السورية؛ نور الشامي

لطالما كان الإنسان منكرا لكثير من الأخطاء التي يقع بها، ولكن أن ينكر الطبيب خطأه الطبي ويرفضه ناكثا بالعهد الذي قطعه، هنا تتحول كل الإنسانية وتتنكر لنا جميعا، هكذا أنكر الطبيب الذي قام بالعمل الجراحي لي حين عدت أشكو له ما يحدث، فأخبرني أنه من المؤكد أنني كنت أعاني سابقا من مشكلة في طبقات البطن الداخلية التي تمزقت فأصبحت الأمعاء حرة تسبب ألما شديدا عند أي حركة وتصدر أصوات غريبة عليّ جدا.

خطأ طبي

عدت وزوجي إلى المنزل محتارة بأمري، حزينة جدا فلم يمضِ على ولادتي سوى شهرين ونصف، قضيتها أصارع الألم وأوهم نفسي أنها الآثار الجانبية للعمل الجراحي، حاول زوجي تخفيف الأمر عليّ بالذهاب إلى طبيب آخر، فتكررت بعدها زيارتي للمشفى ليتفقوا جميعا على وجود خطأ طبي أثناء الجراحة ووجوب القيام بعمل جراحي مستعجل خشية تفاقم الوضع.

التاجر  الوحيد في الحصار

في هذه الأثناء كان الحصار في الغوطة قد بلغ بنا مبلغه، فلم تعد الأجساد تحتمل وباتت الناس أشباه أرواح تسير على الأرض بوجوه شاحبة ونظرات فاقدة للحياة كلياً، خاصة بعدما ضجر الشعب من التاجر الوحيد في الغوطة الذي كان على علاقة متينة بالنظام تشمل المصالح التجارية، فكان (محيي الدين المنفوش) أشهر من نار على علم، صاحب معمل( السهول ـ المراعي) للأجبان والألبان وصاحب أكبر تجارة للمواشي والأبقار في الغوطة، عمل (المنفوش) على عقد صفقات تجارية مع الضباط في مخيم الوافدين ورؤوس النظام في دمشق، على إخراج منتجات معمله من أجبان وألبان إلى دمشق مقابل إدخال العلف وتأمين مستلزمات عمله، ليتخلل تلك القوافل الآتية إلى الغوطة تهريب كميات جيدة من المواد الغذائية كافة ولكن بأسعار خيالية تصل إلى مئتي ضعف عن سعرها الحقيقي، فتحول الوضع من اختفاء للمواد الغذائية إلى توفرها ولكن بأسعار خيالية يعجز غالبية الناس في الغوطة على شرائها.

أنفاق بين الغوطة والقابون وبرزة

دفع هذا الوضع السيء والاحتكار والإتجار بقوت الناس من جهة، والحاجة الشديدة للأدوية والكادر الطبي من جهة أخرى، دفع الفصائل العاملة لوجوب تأمين منفذ ومخرج لهذه الأزمة من خلال فتح أنفاق تصل بين الغوطة وبين (القابون وبرزة) اللتان كانتا تعيشان في ظل هدنة أعادت الحياة إلى طبيعتها نوعا ما، وفعلا بدأ العمل على هذه حفر هذه الأنفاق بأدوات بسيطة، أتاحت هذه الفكرة توفير عمل للشباب العاطلين، وفتحت طرقات الحياة إلى الغوطة، كان أول الأمر دخول الأدوية والمواد الغذائية التي بدأت تكسر الأسعار بشكل كبير جدا بحيث انخفضت إلى النصف فبعدما كان كيلو السكر الواحد تجاوز الخمسة آلاف أصبح سعره حوالي ٣٠٠٠ فكانت نقلة نوعية قلبت الموازين قليلا.

شرايين الحياة تعود إلى الغوطة الشرقية

من أهم منجزات الأنفاق هو إخراج المصابين للعلاج في مشفى (الحياة) الواقعة في (القابون)، كان الوضع بداية يقتصر على أنفاق مدينة حرستا بقيادة شخص يلقب (الزحطة)، لتبدأ بعده المناطق المحيطة (القابون) بحفر عدة أنفاق بحيث فتحت (دوما وحرستا وعربين) شرايين الحياة إلى كافة الغوطة الشرقية.

انخفضت الأسعار أكثر من النصف وباتت أسواق الغوطة غنية بكل مستلزمات الحياة من مأكل ومشرب وملبس، إلا أن الفقر كان يأكل الكثير من عوائل الغوطة.

يكتشفون الموز من جديد

من أكثر المواقف التي تحز بالنفوس حين كنت أمشي بالقرب من بائع الخضار فتقع عيني على شاب أكل التعب شبابه يمسك بيمينه طفل بعمر الثلاثة أعوام تقريبا، فيقرب منه (موزة) ويلتفت ليحاسب البائع فما كان من الطفل إلا أن يبدأ أكل هذا الشيء الذي لم يره من قبل، بدأ قضم الموزة بدون تقشيرها فينتبه له الوالد ويأخذها من يده فيضحك تارة ويعبس تارة أخرى مرددا “الله ينتقم من يلي حرمكم هالأكلات”، نظرت إلى رضيعتي وتساءلت في نفسي هل يا ترى ستكبر هذه الطفلة وتبدأ بالأكل والمشي في نفس هذا الوضع!؟

(الزنانة ـ الونانة ـ الوزويزة) أسماء طائرات الاستطلاع

أدخل منزلي الهادئ وأضع طفلتي في فراشها فأسمع صوت طائرة الاستطلاع لكنه بعيدا نوعا ما، كان طائرة الاستطلاع تدعى بعدة أسماء عند عامة الشعب (الزنانة _الونانة _الوزويزة) كلها أسماء تعبر عن الكره والإزعاج والتطفل، وكلما كانت جولاتها فوق البلدات أطول كان القصف أكثر وأشد قوة، يبدأ المؤذن بالنداء بفض التجمعات وأخذ الحيطة والحذر فكلنا نعلم الآتي.

بعد عدة دقائق تبدأ أصوات القصف ولكنها بنفس بعد صوت الاستطلاع أظنه على البلدة المجاورة، أردد في نفسي برداً وسلاماً يا رب، دقائق قليلة ويدخل زوجي مسرعاً، رغم جدية الموقف إلا أني أضحك لطريقة دخوله، فيقول مبتسماً “الروح غالية” ، وقعت الكلمة في قلبي قبل أن تقع في أذني، نعم الروح غالية جداً فكيف لا يهاب القائم على القصف بحرمانية هذه الروح وقيمة هذه الدماء التي ستبقى تزيد حتى تغرقه فيها حد الموت يوما ما، يوما أشعره بقريب، يعود زوجي للغرفة مرة أمرى فيخبرني أن غداً لدي موعد عند الطبيب لتحديد يوم العمل الحراجي الجديد.

المزيد للكاتبة
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.