شتاء بارد مع أولى نسماته.. والحطب حلٌ بديل للتدفئة

البطالة والفقر والنزوح سمةٌ تشترك بين أهل الريف والمدينة ومع غلاء أسعار المازوت، الوضع الاجتماعي متردٍ، كيف لا والمكتوب يقرأ من عنوانه؟

صور لتقطيع أشجار الحرش في مدينة إدلب، تصوير: بيان بيطار

مازال العالم مصرّاً على تجاهل آلام السوريين وتركهم وحدهم يواجهون شتاءً يمرّ عليهم كقبله دون أملٍ يلوح في الأفق؛ فمع دخول أول أيام الشتاء الباردة بات التخوف ظاهراً من وقوع كارثة إنسانية تزيد من الأوجاع وتضيّق الخناق على أعناق الأهالي الواقفين أمام أوجاعهم موقف العجز راجين من الله الفرج القريب.

ولأن الحاجة ملحة وضرورية، استعاض أغلبية الأهالي في مدينة “إدلب” عن المازوت المرتفع ثمناً، الذي يشهد سعره وبكافة أنواعه استقراراً بعد عزوف الكثيرين من السوريين عن اقتنائه وتوجّههم لمصادر أقل تكلفة كالحطب والبيرين أو الخشب وغيرها، رغم أنّها ليست رخيصة إلا أنها تدوم وتؤمن دفئاً لفترة أطول، أما الفقراء فعليهم حرق ما تبقى من أثاث المنازل؛ فإن نجا الأثاث من نيران القصف لن ينجو من استخدامه في التدفئة للتخفيف من صقيع وثلج الشتاء، أما الأسر المعدمة “الدراويش” تعمد إلى حرق ثيابهم القديمة كمصدر للتدفئة، عداك عن حرق أغصان الأشجار وكل ما يتوفر من أكياس النايلون والأحذية البلاستيكية القديمة والأثاث القديم وبما فيها صناديق “الكرتون” لاستخدامها في إشعال المدافئ علّها تقي أجسادهم ذلك البرد الذي يفتك بهم.

(مع انعدام وسائل التدفئة وشح المساعدات، يصارع آلاف السورين الناجين من أتون الحرب الطويلة شتاء وشتاتاً، هذا كل ما بقي مع أوجاعهم الثقيلة، ثقل أطنان الحديد الذي انهال عليهم بغزارة ليجبرهم على حياة مأساوية لمن كان له في الحياة بقية).

الشتاء “ضيف ثقيل” كما يطلق عليه سكان المدينة، يدخل بيوت الأهالي الخالية من النوافذ والأبواب المهدمة كلياً أو جزئياً، عداك عن عدم توفر المحروقات ليس لاستعمالها في التدفئة فحسب إنما لطهي الطعام أيضاً.

“أبو رافع” (41 عاماً) من ريف إدلب “المسطومه” يملك أرضاً زراعية، يكشف في معرض كلامه للأيام عن كيفية توفير مؤونة الحطب لعائلته قائلاً: “أعمد إلى تقليم نصوب العنب وأشجار الزيتون، مع انتهاء تشرين الأول وحلول تشرين الثاني، بحسب المتعارف عليه في لغة المزارعين، ومن لم يوفق في واحدة من تلك المصادر، يلجأ لشراء الحطب المقطع من باعة باتوا معروفين بالمنطقة، ويتجولون يومياً بواسطة سيارات محمّلة به، يبلغ سعر حمولة الطن اليابس 200 دولار أما الرطب منه يتراوح بين 100 و150 دولار يكفي العائلة شهرين أو ثلاث بحسب التقنين”.

“أم محمد” التي التقينا بها في مدينة “إدلب” والتي تجاوزت (70 عاماً) أخبرتنا بلسان البساطة عن تشجيع نساء المدينة لإخراج مدافئ الحطب القديمة والمشهورة “بالمدفأة الإدلبية” حيث يمكن مشاهدة احمرار صاجها للعيان، عداك عن استعمالها لطبخ الطعام وشواء الباذنجان والبطاطا.. وتسخين الماء للاستحمام.. وغيره.

وتضيف: “إنّ عمر مدفأتي أكثر من عشرة أعوام، غير أنّ الحاجة للدفء وغلاء سعر المازوت أرغم بعض التجار لإعادة تصنيع صوبة الحطب البسيطة هذه من جديد”.

صور لتقطيع أشجار الحرش في مدينة إدلب، تصوير: بيان بيطار

رغم أن تكسير الأغصان وتقطيع الأشجار غير جيد وعواقبه سيئة، فالحدائق جمالها بأشجارها وبطبيعتها، والأحراش في المدينة منتزه لكثير من العائلات المتعبة من أتون الحرب، إلا أنّ كثيراً منهم لجأوا لظاهرة “التحطيب” من الحدائق والغابات والأراضي الزراعية للاستفادة من خشبها في التدفئة، والبعض الآخر بقصد بيعها واتخاذها تجارة لكسب المال.

إنّ للحرب والظروف المناخية انعكاسات سلبية على حياة المواطن السوري والبيئة المحيطة به، والكثيرون باتوا يحلمون بسقف دافئ مع عائلاتهم بعيداً عن القصف.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.