سِندان الغربة ومطرقة الظروف

495
الأيام السورية؛ درة نمورة

اقتربَ الليلُ من منتصفهِ، ليلةٌ شتويةٌ باردةٌ، وبعضُ الغيمِ يحجبُ ضوءَ القمرِ تارةً، ويرسلهُ تارةً أخرى.

كانت وفاءُ ترسلُ بصرها في أنحاءِ بيتها تتأملُ جدرانهُ وهي جالسة على أريكةٍ بجانبِ المدفأة، تسترجعُ ذكرياتها القابعة في ركنِ الذاكرةِ الذي بقي دون أن يشغله التفكير بهموم الحياة وقسوة الاغترابِ.

وصلتْ برفقةِ زوجها قبل سنواتٍ قلائل إلى بلدٍ يقالُ أنه عربي، هربًا من شبحٍ لا تحبُ ذكرَه، رجاءَ عيشةٍ هانئةٍ، رسمتها أحلامها على صفحاتٍ بيضاءَ.

تمرَّدتْ ذاكرتها، وأبتْ إلا أن تعرِّجَ على واقعٍ مزَّقَ تلكَ الصفحاتِ، فورَ وطئِهما أرضَ الغربة.

كانَ زوجُها رجلًا وقورًا يحبّها وتحبُه، وتمكّن من الحصول على عملٍ في هذا البلدِ، لكنْ سرعانَ ما اكتشفوا أنه لن يسدَ رمقَهم، ويلبي أقلَ حاجاتهم المعيشيةِ فضْلًا عن مستقبلٍ يحلمون به لأطفالهم على الأقلِ.

لمْ يكنْ من هذه الزوجةِ الوفية إلا أن انبرت بكل حب لتعملَ وتساندُ زوجها، فهما شريكانِ لا ينفصلانِ.

ساقتها الأقدارُ لمصنعٍ ينتجُ الأغذيةَ المعلّبةَ، وكانَ دورَها تعبئةُ المعلباتِ بصناديقهم الكرتونيةِ، واقفةً على قدميها طوال ثمانِ ساعاتٍ كل يوم.

لتعودَ عندَ المساءِ، فتقومُ بأعمالِ بيتها، وتطعمَ أطفالها الذين تركتهم بصحبةِ أختهم الكبيرةِ ذاتَ الإحدى عشرةَ ربيعًا، وتساعِدهمْ على حلِّ واجباتهمْ المدرسيةِ، وتبثّهم حنانَ الأمِّ ساعةً أو ساعتين قبل أن تمسحَ على رؤوسهم فوقَ وسائدِ نومهم، راجيةً أن يكونَ الغدُ أجملُ.

لم تنته مهمتها بعد، فقد أزفتْ عودةُ زوجها، فتسارعُ بتحضيرِ مائدةَ عشائِهِ، وتجهّزُ له ما يلبسهُ بعد خلعِ ثيابِ العملِ التي تحملُ تعبَ يومٍ شاقٍ.

لا يطولُ بها الأمر حتى تسمعَ صوتَ مفتاحه يدورُ في قفلِ الباب، ويجْلسُ معها على المائدة بعد إصلاحِ شأنهِ، لتتناولَ معهُ طعامهما كوجبةٍ وحيدةٍ تجمعهما معًا خلالَ اليومِ، يتخللها أحاديثٍ وضحكاتٍ.

هي ساعةٌ أو ساعتان أيضًا قبل أن يعمّ الهدوء أرجاء المنزلِ، معلنًا نومَ الجميعِ.

تتذكرُ أيضًا صوتَ المنبهِ عند الصباحِ يوقظهما وكأنهما لم يلبثا إلا ساعةٍ أو أقل، كم هو قاسٍ ذلك الصوت.

تقومُ متثاقلةً، منَ التعبِ والنعاسِ، مندفعةً بغريزةِ الأم، لتجهّزَ أطفالها لمدرستهم، وتعدُ قهوةَ الصباحِ لزوجها قبل الذهابِ.

ماذا بعد؟ وكأن ذاكرتها تسألها ذلك السؤال، وتجيب نفسها ألا شيء جديد إنما هو روتينٌ يتكرر، كلَّ يومٍ هو الحالُ نفسهُ، تسترحمُ ذاكرتها أن تتركها من هذه الأفكارِ، لوهلةٍ ظنَّتْ أنَّ الذاكرةَ رأفتْ بها، عندما استحضرتْ لها صوتَ والدها الحبيب، ودعواتِ والدتها التي طالما أطربتْ أذنيها، فتسترجع أيامها معهما، عندما كانت تحلق بجناحي حبهما في رياضِ السعادةِ التي لا تدوم، وكأن الذاكرة القاسية تستدرجها لما هو أوجع وأشد إيلامًا.

نعم؛ إنّه ذلك اليوم الذي تفاجأت بزوجها يحضرُ إلى مكان عملها على غير عادةٍ ليصطحبها معه، في دهشةٍ منها، ونظراتِ أسىً منهُ، فسرها بمقدمةٍ طويلةٍ لم يُجِد صياغتها، ففضحت خبرهُ وسألتهُ بخوفٍ ووجلٍ، هل حدث لوالدي مكروه؟

نعم لن تنسى تلك اللحظة التي أخبرها بها؛ أنّ والدها قد توفاه الله وأنها ذاهبةً لوداعهِ.

هل مات أبي؟! ألن يستقبلني بلهفته المعهودة؟! ألن أستطيع أن أسمع صوته بعد اليوم؟! هل سأذهب لأراهُ مجثىً لا يسمع ندائيَ ولا تحيطني ذراعاه؟!

كيف تنسى مئاتِ الأسئلة التي حضرتها في ثوانٍ آنذاك؟! ونياطُ قلبها تتقطع بمديةِ الحزن والألم.

تسأل نفسها، هل هذه الحياةُ الهانئةُ التي رسمتها الأحلام؟! وهل هذا هو المستقبلُ الذي تمنته لأطفالها؟!

أطفالها! نعم تذكرت أنه يجب عليها أن تتفقدهم، ربما أزاحوا الغطاء عنهم وهم نيام، تقف وتتجه نحو غرفتهم، تنظر إليهم من باب الغرفة، طفلان وطفلة، ينامون كالملائكة، تبتسم عندما ترى أصغرهم يضع إبهامه في فمهِ، عادته منذ الصغر، تقترب وتقبلهم على جباههم الدافئة، وتتمنى لهم أحلامًا سعيدةً وواقعًا أجمل، تعود خطاها لترتمي على أريكتها التي باتت تخافُ الجلوس عليها، وقبل وصولها إليها تسمعُ صوتَ مفتاحِ زوجها ينقذها مما هي فيه، لتستأنفَ ما استحضرته الذاكرة قبل قليلٍ واقعًا من جديد.

تتجهُ نحوَ البابِ لتستقبلهُ بابتسامتها الجميلةِ، وكلامِها الطيِّبِ رغمَ ما يعتريها، يلجُ كالوجلِ الذيْ يبحثُ عنِ الأمانِ، تنظرُ إلى عينيهِ وكأنَّ حدْسها الأموميِّ يخبرها بأنَّ أمرًا ما حدثَ، هو الشعورُ نفسهُ الذي ينتابُها عندَ كلِّ نازلةٍ، تحدِّقُ بعينيهِ وكأنها تسأله: ماذا حدث؟!

باتت متيقنة مما رأته في عينيه أنّ حدسها صادق، نعم! لقد رأتْ بعينيه كلامًا مؤلمًا يريد أن يقولهُ!

ماذا عساه يكون؟!

أرادت أن تسأله، ولكنها وبحكمةٍ أتاها اللهُ إياها، تغلّبتْ على فضولها وسارعتْ إليه، تمطره بعبارات الود والمحبة، وكأنها تهدهد على ألمه ليسكن، وساقتهُ ليصلح من شأنه، وهي تمازحه وتمسح بيمين عطفها على قلبه، ليسكن روعه، وكان سحرها فعالًا.

جلسا على المائدةِ يتناولانِ العشاء، وكأنّهما يملكان الدنيا وما فيها.

وعندما انتهيا شعرت بأنه استراح، وبأنَّ الوقت مناسب لتسأله، بادرته بسؤالها إن كان قد حصل ما عكر صفو يومهِ؟!

نظر إليها بدهشة وكأنه كان مغيّبًا واستفاق، وكلماتٍ تحمل بين حروفها حزنًا وهمًا، أوضحتْ لها ما حدث، وما فهمته أنه مصابٌ بمرض في ظهره يمنعه من العمل كالمعتاد فتوقف عن عملهِ.

عادت وهدّأت من روعه، وتكلّمت حتى شعر أنها أبسط مشكلةٍ في هذا الوجود، ونامَ هادئ البال مرتاح الفؤاد، وهي أحيتْ ليلها تغسلُ وجنتيها بدمعها.

أيام مضت دونما جديد؛ غير أنها أيقنتْ أخيرًا أن روتينها قد كُسر بعدَ أن تعاقدت مع إحدى العائلات لتدرس بناتها ثلاثة أيامٍ كل أسبوع.

صباحًا في عملها الأول، وساعتين في ترتيب منزلها، وقضاء حاجات عائلتها، لتبدأ بعدها ثلاث ساعاتٍ بتدريس تلك الطالبات.

مرآتها التي اعتادت رؤيةَ وجهها الجميل أنكرتها بعد أن أثبت الإرهاق هالته السوداء حول عينيها البراقتين، وأطفأت ابتسامتها التي طالما زينت ثغرها إلا في أوقاتِ تواجدِ زوجها، دثرها الذبول والنحول، وصاحبها الهم لا يزول، وعيني حالها تتابعان تحطمها بين سندان الظروف ومطرقة الغربة.

معطاءةً رغم فقدها، وسخيةً رغم فقرها، ومسعدة رغم أساها.

ربما اعتادت النسوة أن يقلن سوءاً بحق بعضهن، لكنهن كن يرينها مثالًا يحتذى به، وسراجًا يستضاء به.

طالما جلست على تلك الأريكة تنتظر زوجها، إلا أنّ الأيام دول كما قيل، فقد بات زوجها من ينتظرها.

شوقها لأطفالها يقودها إلى غرفتهم؛ لتطبع قبلتها الحانية على جباههم حتى قبل أن تخلع نعليها، وربما استيقظ أحدهم من دمعة سالت من عينها سقطت على وجهه.

تسأل نفسها دائمًا، هل نعود يا ترى إلى وطنٍ يحتضننا ويشفق علينا كالأم، أم نبقى في غربتنا القاسية كزوجة أبٍ لا تعرف الرحمة؟!

وتتوالى المآسي..

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.