سورية وملامح الحرب الباردة الجديدة

بقلم: مضوي الترابي

منذ تفكك الاتحاد السوفييتي عام 1991 وتقاسم أسطوله في البحر الأسود (300 قطعة بحرية) بين روسيا الاتحادية وأوكرانيا (“وريثة” شبه جزيرة القرم بموجب قرار إداري بتسليمها إلى أوكرانيا السوفييتية اتخذ عام 1954 بمبادرة من نيكيتا خروشوف)، أصبحت شروط بقاء الأسطول الروسي في القرم موضوعاً حساساً في العلاقات بين موسكو وكييف، وتم تحديد وضع الأسطول القانوني من خلال سلسلة من الاتفاقيات بين الجانبين.

 
كانت القوى المناهضة لروسيا في أوكرانيا، ومنها زعماء “الثورة البرتقالية” الموالية للغرب (عام 2004)، قد طرحت مراراً مسألة إنهاء بقاء الأسطول الروسي في شبه جزيرة القرم، لكن الاتفاقية التي وقعها رئيسا البلدين في مدينة خاركوف الأوكرانية عام 2010 مددت مدة مرابطة الأسطول الروسي حتى عام 2042، مقابل دفع روسيا 100 مليون دولار سنوياً، أجرة لقواعدها البحرية في سيفاستوبول.

 
لكن الانقلاب الأوكراني الأخير الذي أوصل إلى الحكم في كييف قوىً لا تخفي عداءها لروسيا هدد، من جديد، بقاء الأسطول الروسي في شبه الجزيرة، الأمر الذي أثار قلقاً مشروعاً في موسكو، وكان من أبرز دوافع دعمها حراك شعب القرم ضد الانقلاب، وتعبيره عن إرادته الانضمام إلى روسيا، إلى جانب دافع حماية الروس من هجمات القوميين المتشددين. قبول انضمام القرم إلى روسيا سمح لها بإزالة الخطر المحدق بوجودها العسكري في منطقةٍ ذات أهميةٍ استراتيجيةٍ بالغةٍ بالنسبة لها، كما أنه رفع هيبتها كدولةٍ، تدرك مصالحها وتقدر على حمايتها.. وإن كره الكارهون.

 

 
بتحليل هذه الضغوط التي واجهت قادة الاتحاد الروسي (بوتين وميديفديف)، خلال العقد الماضي، سعى قياصرة روسيا الجدد إلى تعزيز الوجود العسكري الروسي في سورية (القاعدة البحرية في طرطوس، والجوية في مطار باسل الأسد قرب القرداحة)، حتى قبل أن تبدأ الحرب الأهلية في سورية، فهل ينفّذ (القيصر الجديد) فلاديمير بوتين نصيحة القيصر بطرس الأكبر (وهو من أعظم القياصرة الروس) التي تعود إلى 400 سنة؟

 
تقول النصيحة إن على روسيا، إذا أرادت ان تبقى أمة قوية عظيمة، أن تحقق ثلاثة شروط في سياستها الخارجية. أن تصل إلى المحيط الهادئ، حتى لو اضطرت إلى الصراع مع الإمبراطورية الفارسية. أن تبلغ المياه الدافئة في البحر الأبيض المتوسط، حتى لو اضطرت إلى تقويض الإمبراطورية العثمانية. أن تقيم، أخيراً، أفضل العلاقات والتحالفات مع سورية (الهلال الخصيب في ذلك العصر) نظراً إلى موقعها “الجيوستراتيجي” الذي يربط ثلاث قارات، آسيا وأوروبا وإفريقيا.

 
لذلك، تعتبر سورية أهم حليف استراتيجي لروسيا في المنطقة، منذ أكثر من 60 عاماً، وموسكو تدير من خلالها جزءاً مهماً من سياستها الخارجية في الشرق الأوسط، وهي (أي سورية)، قاعدة مهمة للمصالح الاقتصادية والعسكرية الروسية.

 
كلفت موافقة الرئيس السوري على تحويل ميناء طرطوس إلى قاعدة ثابته للسفن النووية الروسية، شطب معظم الديون السورية، إضافة إلى صفقة أسلحة تتمثل بعملية شراء بالتقسيط أو بالدَين، ولهذه القاعدة أهمية كبرى، فهي القاعدة الروسية الوحيدة على البحر المتوسط وخارج أراضي الاتحاد السوفياتي السابق، ولها بعد استراتيجي كبير، كونها محطة التموين الوحيدة للأسطول الروسي في المتوسط وخارج روسيا. وما يزيد أهميتها العسكرية أنها تمنح القوات الروسية فرصة الوصول السريع إلى البحر الأحمر والمحيط الأطلسي. لذلك، تخشى روسيا خسارتها قاعدة طرطوس البحرية، في حال سقط النظام في سورية. ومن هنا قرار قيادتها بحماية هذه القاعدة بأي ثمن.

 
ولا تقتصر المصالح الروسية على النفوذ العسكري والسياسي، بل تشمل أيضاً المصالح الاقتصادية التي تبدأ بشراء السلاح الروسي، إذ تعد سورية من أكبر زبائنه، وهي تحتل المرتبة الخامسة بين 80 دولة. أما الاستثمارات الروسية في سورية فقد بلغ حجمها، وفق إحصاءات غرفة تجارة دمشق حتى العام 2011، نحو 19 مليار دولار، وتتجاوز حالياً العشرين ملياراً، وتتركز أساساً في الصناعات المتعلقة بالطاقة ومجال النفط والغاز، وتبرز، في هذا المجال، أهمية صفقة عقد التنقيب المبرم مع شركة (سيوز نفط غاز) الروسية، وهي أول شركة أجنبية، تحصل على حق التنقيب والإنتاج في الجرف القاري التابع لسورية.

 

وهناك شركات روسية أخرى، أبدت أخيراً اهتمامها بالتنقيب والاستكشاف البحري عن النفط والغاز في المياه السورية. ويؤكد ذلك وزير النفط والثروة المعدنية في دمشق، سليمان العباس، الذي أفاد بأن لديه طلبات قيد الدرس من شركات عدة.

 

لكن اللافت لبعض المراقبين إنه سبق دخول الشركات الروسية للعمل في قطاع النفط السوري، انسحاب 11 شركة أجنبية من العمل في هذا القطاع.

 

 

وسبق للأميركيين أن وضعوا دراساتٍ بإشراف وزارة الخارجية في أثناء تولي هيلاري كلينتون مسؤوليتها، توصي بأن يكون استغلال نفط سورية في أيدي شركات أميركية، خصوصاً الشركة التي اكتشفت حقول الغاز في إسرائيل، والتي يمثلها في علاقاتها بالدوائر الأميركية الرئيس السابق، بيل كلينتون. وهي، في الوقت نفسه، تسعى إلى استغلال هذه الثروة المرتقبة في سواحل لبنان البحرية، انطلاقاً من حرص الأميركيين على ضرورة أن يكون تطوير موارد شرق البحر المتوسط تحت سيطرتهم، وأن يؤدي إلى تصدير الغاز إلى تركيا، ومن ثم إلى الأسواق الأوروبية، فتكون النتيجة تقليص دور روسيا في مجال تزويد تركيا بالغاز، الذي يمثل 70% من حاجتها حالياً. وهكذا تبرز خطورة الصراع الاستراتيجي الدولي بين روسيا والولايات المتحدة في الحرب السورية.
وبعد اكتشاف هيئة المسح الجيولوجي الأميركي أن الساحل الشرقي للمتوسط، أي الساحل السوري – اللبناني – الفلسطيني، يحتوي على مخزون هائل من الغاز يقدر بـ 700 مليار متر مكعب، إضافة إلى النفط، واكتشاف حقل غاز في منطقة قارة قرب حمص، وتقدر كميته بـ 437 مليار متر مكعب (وقد حصلت روسيا على عقود التنقيب فيه). وبعدما رفضت سورية مرور خط غاز قطر الذي يحمل الغاز الإسرائيلي والمصري إلى تركيا لوصله بأنبوب “نابوكو” من أراضيها، واستعاضت عنه بأنبوب غاز يمر من إيران إلى العراق إلى سورية إلى لبنان، إضافة إلى غاز بحر قزوين بأنابيب السيل الجنوبي في “غازبروم”، أصبحت سورية عقدة أنابيب الغاز التي تعتبر شرايين دماء القرن الحالي. وبالتالي، فإن من يسيطر على سورية يتحكم بالقرن الحالي.
أصبح الصراع على سورية مصيرياً بالنسبة إلى روسيا، وفرصة ذهبية لاستعادة دورها قوة عظمى في حلبة الصراع الدولي. وأرادت روسيا أن ترسل إشارات واضحة إلى قادة حلف الناتو أن الإمكانية اللوجستية للقوات الروسية لا تقل عن مقدرة قوات الحلف مجتمعة، ففي أقل من 48 ساعة، نشروا في سورية سبعة أفواج جوية، تمكنت، في اليوم الثاني، من القيام بـ 900 طلعة جوية، واستطاعت صواريخها الجوالة (الكروز) من الانطلاق من بحر قزوين لضرب الرقة ومناطق تمركز داعش بمنتهى الدقة. وبعد إسقاط الطائرة الروسية بواسطة المقاتلات التركية، نشرت روسيا طراداتها العسكرية، ومن ضمنها الطراد موسكو وبإمكانية دفاع جوي صاروخية (صواريخ إس 400) تستطيع ضرب أهداف جوية، جنوب هضبة الجولان، وشرق دير الزور والبوكمال، وغرب جزيرة قبرص وكل منطقة بحر إيجة، ومنطقة وسط وشرق الأناضول. بهذا باتت سورية في صميم الأمن الجيوسياسي الحيوي والاقتصادي الروسي.
ومن هنا، من يراهن على تغير الموقف الروسي تجاه سورية واهم، ما سيغير المعادلة هو تغيير موقف المعارضة السورية من روسيا، فروسيا ليست مهتمة بالأسد بقدر اهتمامها بسورية الدولة.
 
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.