سورية .. وصفقة القرار 2254 !

بقلم: علي ناجي الرعوي

لم تكن الصفقة الأميركية – الروسية حول سورية والتي تمخض عنها القرار الاممي رقم 2254 محصلة طبيعية لرغبة دولية في حلحلة الأزمات المتفاقمة في منطقة الشرق الأوسط ومن ذلك الأزمة السورية .. كما لم تكن هذه الصفقة التي تبلورت تفاصيلها في الورقة المقدمة من المعسكرين القديمين إلى مجلس الأمن الذي اجتمع قبل أسابيع على عجل لدقائق معدودة من اجل تمرير تلك الورقة وتحويلها إلى قرار ملزم بمباركة بريطانية وفرنسية قد فرضتها كما يعتقد البعض دواع إنسانية أو أخلاقية أو بواعث قلق جراء تمدد عناصر تنظيم (داعش) بل إن الضبابية التي أحاطت بهذه الصفقة قد دفعت الجميع إلى العودة إلى تلك التجليات التي ترافقت مع القبول الأميركي بالتدخل العسكري الروسي في سورية والذي ما كان له أن يحدث من دون حصول (قيصر الكرملين) على الضوء الأخضر من البيت الأبيض بعد أن ساد اعتقاد بأن نظام الأسد بدأ بالانهيار والتهاوي تحت ضربات قوى المعارضة الذي فشل في إخضاعها بقوة البراميل المتفجرة وكل وسائل الحرب التي انخرطت فيها إيران وبعدها حزب الله اللبناني بكل ثقلهما.
لا ريب أن واشنطن بتلك الصفقة مع الروس قد سلمت رأس المعارضة السورية إلى فلاديمير بوتين، كما أن إدارة الرئيس اوباما قد خضعت بموجب هذه الصفقة التي مازال يلفها الغموض حتى اليوم لسلسلة شروط وضعتها موسكو ليس اقلها محاولة القفز العلني على مقررات اجتماع الرياض ناهيك عن موقفها الذي ارتبط بشكل مباشر منذ بداية الأزمة السورية قبل خمس سنوات بعنوان وحيد هو : رحيل الأسد قبل أن تتراجع عن هذا الموقف بقبولها أن يكون الروس حماة للأسد والمفاوضين باسمه وإيعازها لحلفائها الأوروبيين بتبني موقف مرن من التدخل العسكري الروسي في سورية، وكل هذه التنازلات التي قدمتها واشنطن وهي من كانت مرفوضة منها سابقا يصعب القول إنها كانت مجانية ودون أي ثمن لمعرفة الجميع أن السياسة الأميركية تقوم على محورين هما : محورا المواقف والمصالح، ومن غير الممكن تصور أن إدارة الرئيس اوباما قد تخلت عن هذه العقيدة البراجماتية وأضحت تميل إلى الصورة الكوزمولوجية التي ترضخ في الغالب لسياسة الأمر الواقع.
وتبعا لذلك يستنتج دبلوماسي عربي في حديثه عن المسرحية التي جرت في مجلس الأمن بأن ما جرى لا يندرج في سياق التملص الأميركي من كل السياسات التي انتهجتها بلاده في سورية ورغبة واشنطن في التركيز على محاربة الإرهاب كأولوية في هذا البلد وإنما هو الذي يرتبط بتفاهمات بعضها ظرفية تكتيكية، وبعضها الآخر إستراتيجية على تقاسم المصالح مع الروس في هذه المنطقة الملتهبة انطلاقا من سورية والعراق بالتشارك في خلق توازن واستقرار في مراكز الزلزال بعيدا عن تناقض الدورين الأميركي والروسي الذي أعاق إلى حد ما إعادة رسم خطوط النفوذ في هذه المنطقة.
ومن هذا الاستنتاج يقول ذلك الدبلوماسي العربي : لم يفاجئني الأميركيون والروس حينما لمست في كلامهم وفي مقارباتهم إصرارا على الخروج من مجلس الأمن بقرار لتسوية الأزمة السورية لكن ما فاجأني حقا أنهم الذين لا يقيمون اعتبارا لتضحيات الشعب السوري الذي قتل من أبنائه حوالي 250 ألف شخص، وأُجبر أكثر من نصفه على الفرار من ديارهم فهم الذين يعقدون الصفقات على حساب هذا الشعب ودمائه بإعطائهم فرصة جديدة لنظام الأسد للاستقواء على أبناء شعبه وكأنهم بذلك يستخفون بموقف ودور من لا حول له ولا قوة، وهو ما كانت محصلته أن خرجوا بقرار مليء بالمتناقضات سيحتدم الصراع حوله عندما يتم السؤال : عمن سيمثل المعارضة في أي تسوية مقبلة ؟
الأميركيون كانوا كما قيل يملكون القدرة على إسقاط نظام الأسد لكنهم وطوال خمس سنوات لم يكونوا يريدون ذلك فلو أرادوا لفعلوا واقفلوا هذا الملف بما يعيد وضع سورية من جديد على طريق (الدولة المعافاة)..
صحيح أنهم لا يحبون بشار الأسد لكنهم لم يقوموا بأي عمل ضاغط لإسقاطه لا من داخل سورية ولا من خارجها وربطاً بذلك فان تسليم واشنطن الدور لروسيا لاشك وانه الذي يؤسس لتوافق قادم بين الطرفين حول مستقبل سورية والمنطقة والإقليم كله بما يخدم مصالحهما أولا .. وما دون ذلك لن يكون سوى مجرد تفاصيل صغيرة..

الرياض

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.