سورية بدا حرية

الأيام السورية؛ بقلم: علياء الويسي

“اي يعني وبعدين لإمتى رح نضل هيك؟”.

هذه كانت جملته التي يكررها في كل مرة نلتقي فيها، كان يبدأ بها قبل إلقاء السلام، وغالباً ما تكون الجملة التي يفجّرها في محيطنا الراكد قبل الوداع.

أبو عبدو ابن مدينة حلب، رجل على أبواب الأربعينيات، متزوج ولديه صبي وبنت في المرحلة الابتدائية، خريج كلية العلوم، لكنه يعمل في مجال تجارة مواد الجملة والمواد الغذائية، لم يكن يتحدث بالسياسة إلا قليلاً، يحب المزاح وتأليف النكات.

مع بدايات الثورة السورية وشعاراتها الوطنية، صار أبو عبدو سياسياً من الدرجة الأولى، يناقش ويحلّل ويؤلف هتافات جديدة للمظاهرات، لم يكن يُقلق باله، ويجعله مهموماً، بائساً، أن كل المدن خرجت بمظاهرات، إلا مدينته، ما زالت فكرة المشاركة محصورة بقلة قليلة.

كان سعيداً أن بعض الهتافات التي كتبها رددها أصدقاء شاركوا في مظاهرات في إدلب، ترك عادة مروره اليومي على المقهى، وصار يغيب كثيراً، لكنه حين كان يطل علينا يبادرنا مباشرة بكلمته المعهودة “اي يعني وبعدين لإمتى رح نضل هيك”.

حتى بيوم جاءنا وهو مرتبك وقال:

ـ يا شباب “بكرا رح نطلع من عند جامع بلال بصلاح الدين، الشباب مرتبين مظاهرة، بدنا همتكم وأكيد لازم تكونوا معنا”..

كلنا قلنا له نعم سنكون هناك، تواعدنا، ورتبنا شكل اللقاء والوصول إلى نقطة التظاهر، لكن أغلبنا لم يذهب، ومن ذهب وقف في زاوية ما ليتفرّج من بعيد، هو الوحيد الذي كان هناك وجرّب أن يصرخ عالياً بهتافات طالما رددها همساً في محيطه الضيّق.

أبو عبدو لم يعد فقد تم اعتقاله.

بعد تسعة أيام دخل علينا في المقهى، رغم أنه كان يجرّ رجليه جراً، ويمشي كما البطة، وبدأت الأسئلة، ضربوك، شبحوك، استخدموا الدولاب أو بساط الريح أو الكرسي الألماني، فقط ضحك بصوت عال وقال:

ـ لست شاطراً في حفظ الأسماء، ولا يهمني معرفة نوع أدوات التعذيب، نعم عذبوني كثيراً ولكنني سعيد، فقد سمعت صوتي بين الناس للمرة الأولى عالياً دون خوف..

بعضنا قال له ها أنت قد جربت التظاهر، يكفي هذه المرة فأنت لم تعد صغيراً وبرقبتك عائلة، ابتسم بمرارة وهو يخاطبنا:

ـ مساكين لم تجربوا أن تسمعوا صوتكم يهدر بلا خوف، أنا سمعت صوتي ولن أتراجع، طلّقت الخوف بالثلاثة، استمروا في تنظيراتكم، وسأستمر فيما تدّعون أنه جنون.

ما عاد أبو عبدو يمر على المقهى بعدما فقد الأمل من مشاركتنا…

ولكننا كنا نتابع أخباره، علمنا أنه معتقل من جديد، فقد تم اعتقاله عند جامع آمنة في سيف الدولة بعد أن تناوب الشبيحة على ضربه بوحشية، خرج بعد شهرين، وكان أقل الواجب أن نذهب لزيارته، والاطمئنان عليه.

كان مهموماً وتعباً، قلنا معناها الرجل تربّى وعقل… ولما سألناه هل تعبت يا صديقنا، قال:

ـ لم أتعب، ولن أتعب، تعبت منكم ومن تنظيراتكم، تعبت من خوفكم ولا مبالاتكم، الموضوع يلزمه تعب أكثر وتنظيم أكثر، يجب علينا جميعاً أن نكون معاً، لن نستطيع الانتصار على عقلية الاستبداد بخوفكم وصمتكم، صمتكم ذبحني وذبح الثورة، لو أي واحد منكم عمل شيئاً ما، صرخ صوتاً أو وزع منشوراً أو بخ على حائط، لكان وضعنا اليوم أفضل بكثير…

بعد هذا اللقاء، والتوبيخ المهذب من أبي عبدو، بعضنا انتخى وشارك وصار رفيقه في المظاهرات، وبعضنا استمر مراقباً من بعيد، والباقي قطع علاقته به تماماً تحت مبدأ “الصديق اللي بدو يطالعك مظاهرة اتركه واستريح”..

اليوم في مخيم بعيد تقطن سيدة صارت على أبواب الأربعين تعيل طفلين صارا بمراحل أول الشباب، هي أم عبدو التي ترمّلت بعد أن وصلتها ورقة من دائرة النفوس تفيد أن زوجها قد وافته المنية إثر جلطة قلبية في واحد من المعتقلات.

هي تعرف أنه لم يمت بجلطة ولا باحتشاء، تعرف أنهم قتلوه تحت التعذيب، لأنهم حينما اعتقلوه للمرة الثالثة، أحسّت بأنها تفقده.

تعاملوا معها ومع الأولاد بشراسة، فتشوا البيت، حطموا أغلب الأشياء فيه، واكتشفوا مجموعة من الأسلحة الفتاكة في غرفة النوم، (علم بلون أخضر، مجموعة شعارات خطّها بيده على كرتون رخيص، وصورة له يرفع فيها العلم بيد وشعار يقول “سوريا بدا حرية” باليد الأخرى.)

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.