سوريا: وقف إطلاق نار أم تشريع أممي لمذبحة؟


رأي القدس

تتجه المسألة السورية إلى مفصل تاريخي كبير يتمثّل في تسوية تعقب استصدار قرار لمجلس الأمن يصادق على ما اتفق عليه في مؤتمر فيينا 1 المتضمنة بدء مباحثات بين المعارضة السورية ونظام الرئيس بشار الأسد لتشكيل حكومة وحدة وطنية تقوم بالإشراف على إجراء انتخابات رئاسية، وتضمنت مباحثات فيينا أيضاً الاتفاق على وقف لإطلاق النار في سوريا.
وبغضّ النظر عن الطريقة التي ستعمل فيها واشنطن على تركيبة القرار بشكل يقبل به حلفاء النظام السوري في موسكو وطهران، من جهة، ويوافق عليه حلفاء المعارضة السورية في تركيا وقطر والسعودية، من جهة أخرى، فالأكيد أن هناك أطرافاً كبيرة ستتضرر، ماديّاً ومعنوياً، من المطحنة الروسية الأمريكية لاختراع التسوية.
القرار المقبل سيفتح الطريق نحو تشريع لا يستهدف «الدولة الإسلامية» و»جبهة النصرة» فحسب، بل كذلك جماعات أخرى تم اعتمادها في «قائمة الإرهاب» التي كلّف الأردن بتقديمها، والتي تقول التسريبات إنها تضمّ تنظيمات سلفيّة سنّية مسلحة وتتجاهل الميليشيات العراقية واللبنانية المنخرطة في الصراع السوري، كما ليس متوقعا أن يتعرّض القرار المرتقب لمسألة وجود القوات الإيرانية النظامية التي تقاتل في سوريا، رغم أن نقل الأسلحة والقوات الإيرانية ممنوع بقرار أممي سابق.
بهذا المعنى فإن «وقف إطلاق النار» الذي يبشّر به الأمريكيون لن يكون، بأي حال، وقفاً حقيقياً لإطلاق النار بل تقنيناً لمرحلة جديدة من المجازر الجوّية والأرضية تشارك فيها القوات الروسية وقوات النظام وما يسمى «قوات سوريا الديمقراطية» المؤلّفة بشكل رئيسي من وحدات عسكرية تابعة لحزب «الاتحاد الديمقراطي» الكردي، إضافة إلى طائرات قوات التحالف الغربي، وربما بعض قوى المعارضة السورية غير المصنّفة «إرهابية» ضد كل ما يعتبره القرار الدولي تنظيمات إرهابية.
تبدو خطة التسوية هذه للناظر إليها مثل معادلة حسابية لإدارات روبوتية تصّنع وتقرر مصائر الشعوب بتواريخ دقيقة (جمع وفد معارضة بتاريخ …، إعلان قرار أممي بتاريخ…، مفاوضات لمدة ستة أشهر ومرحلة انتقالية لـ18 شهرا، انتخابات رئاسية بعد سنتين الخ…).
الطرف الأساس المفترض في المعادلة، وهو الشعب السوري، وخصوصاً في المناطق التي ثارت على النظام، أضحى مقطّع الأوصال وفقد أركان اجتماعه الاقتصادية والاجتماعية، وصارت المعارضة، التي تمثّل أحلام هذا الشعب بالعدالة والتنمية والمجتمع المدني، منهكة بدورها، بل إن حلفاء النظام (ولا نقصد موسكو وإيران فحسب بل كذلك بعض الدول العربية) يحاولون رفدها بأشخاص وتنظيمات تتلقى سلاحا من النظام وتدافع عنه قولاً وفعلا، بعد أن عملوا بدأب على تشتيتها وتفريقها ووطّدوا أركان تلك «المعارضة» الأخرى بالمال والسلاح والغطاء الجوي.
يضاف إلى ذلك أن «شهر العسل» الأمريكي – الروسيّ الذي أصبح عاجل التطبيق فجأة (بعد أن فاض سيل النزوح إلى الغرب، وتعرّضت باريس لهجوم في قلبها، وتصاعدت موجات الكراهية والإسلاموفوبيا وتعززت قوى اليمين المتطرف في أوروبا وأمريكا)، أظهر للسطح ما كان خافياً من اتفاق عميق بين العاصمتين، فموسكو تحارب من أجل الحفاظ على النظام وواشنطن لا تريد سقوطه وتمنع حلفاء المعارضة من مدّها بالسلاح النوعي ومن فرض منطقة آمنة وغطاء جوّي يؤمّن وجودها ويسمح بإعطائها شرعيّة تسقط شرعيّة النظام.
كل هذا يوحي بطبخة مستعجلة للحلّ في سوريا (وكذلك في اليمن وليبيا)، وبإعطاء روسيا، ما دامت قد أصبحت القوة الضاربة الأكبر في سوريا، رخصة أممية للقتل العميم الذي شاهدنا منذ أيلول/سبتمبر وحتى الآن نماذج فظيعة عنه. إيقاف إطلاق النار سيكون، باختصار، الاسم الفنّي لمجازر هائلة على وسع سوريا، وبذلك، كما تظن أمريكا وروسيا، ستختفي «المسألة السورية» وسيعود الثقب الأسود الكبير للانغلاق.
التفصيل الصغير البسيط الذي سيحرق طبخة حل «المسألة السورية» هذه هو تجاهل أساسها، وهو ثورة شعب على نظام دكتاتوري دموي، واستبدالها بـ»محاربة إرهاب» وطّد هذا النظام أركانه، وفاقه، مع ذلك جرائم لا تنتهي. الهندسة المفرطة في هذه «الطبخة» وتجاهل الأسباب التي قادت للوضع الحالي يجعلها تصلح للتطبيق في مختبر كيميائي لا في واقع اجتماعيّ وسياسي واقتصادي معقد كالواقع السوري.

القدس العربي_

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.