سوريا.. من الفساد إلى المافيا المنظمة… النظام الأسدي الجديد

الأيام السورية؛ خالد المحمد

تتبارى الدول في إبراز جانب المؤسسات وتطوير العمل الحكومي، ومكافحة البيروقراطية والفساد ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب… هذا في الدول … أما في العالم الأخر والذي تسيطر عليه عائلات وأنظمة، لم تستطع عبر عشرات الأعوام الوصول إلى درجة أشباه الدول، كحال عالمنا العربي وسوريا الأسد خصوصاً، وأركز دائماً على إلصاق اسم الأسد بسوريا في هذه المرحلة، لأن سوريا في ظل حكم عائلة الأسد هي غير سوريا التاريخية، فهي في فجوة تشكل مرحلة سقوط الدولة والمؤسسات من تاريخ سوريا، التي لم تمر بهكذا حقبة عبر تاريخها.

هذه الفجوة أو الثقب الأسود، والذي إذا ما حاولنا النظر فيه واستعراض ملامح اللادولة واللاشرعية قد لا تتسع له كتب ومؤلفات.

ففي سوريا الأسد معايير الدولة والإدارة تختلف عن مفهوم الدول، مما وضع تصنيفها خارج إطار التاريخ والجغرافية والمنطق وكل المواد التي يمكن أن تُدرّس.

فغالباً ما كان يتم اختيار الشخص المناسب للمكان المراد، وفق معايير الدولة الأسدية للشخص المناسب، والتي تتجلى أهم هذه المعايير: بتاريخ حافل من الفساد وحياكة المؤامرات وكتابة التقارير(وخصوصاً بأقاربه وأهله)، والسجل البعثي والأمني الناصع من وجهة نظرهم، دون النظر إلى أي مؤهلات أخرى، بل على العكس غالباً ما كان التفضيل من نصيب أصحاب الشهادات المزورة والمشتراة من الخارج، وأن يكون الشخص مناقضاً للاختصاص المطلوب، كتعيين اقتصادي في إدارة مشفى، أو دكتور بيطري في لجنة تطوير مناهج التربية، وغيرها الكثير من الأمثلة التي حصلت في سجل الدولة الأسدية.

طبعاً ويترقى هذا القيادي اللامع في مؤسسات ومناصب الدولة، تبعاً لحجم سرقاته وفساده ونهبه للمال العام.

ولم يختلف الأمر في ظل انتقال الدولة الأسدية من منظومة دولة الفساد إلى منظومة دولة المافيات، ما بعد عام /2011/ مع تفكك نظام الدولة الفاسدة، وحكم الحزب الواحد والشخص الواحد، عقب وصول الشعب السوري إلى حالة الانفجار من حالة القمع والفساد والتخلف والفشل الإداري والاقتصادي للدولة أو “شبه الدولة”، التي كان يقودها الأسد ومنظومته الفاسدة، هذا الانفجار الذي وصل إلى إشعال الثورة السورية في وجه الدولة الأسدية الفاشلة، وانتقال هذه الدول إلى مرحلة المواجهة المباشرة  مع الشعب، الذي كانت تعتبر نفسها تُحكِم السيطرة على أنفاسهِ وأفكاره.

المافيات الاقتصادية التي سيطرتْ على مقدرات وتجارة البلاد تتشابك في علاقاتها وأموالها مع المافيات العسكرية، والتي تتبادل فيما بينها أدوار التمويل والحماية والتشبيح خارج سلطة الدولة.

النظام تمترس خلف الحل الأمني، والذي تولى الجيش زمام المبادرة فيه، هذا الجيش الذي يشكل أحد أهم وأكبر منظومات الفساد في البلاد، منذ تسلم الأسد للسلطة، والذي سيعجز هذا الجيش بفساده وفساد قيادته عن الصمود أمام الثورة، خصوصاً بعد موجة الانشقاقات للشرفاء منه، فكان الحل الأمثل هو انتقال الدولة وجيشها خصوصاً إلى نظام المافيات، والذي تراءى لها نجاحهُ مع تدخل مافيات حزب الله اللبناني في المعارك إلى جانبه.

فبدأ النظام بالانتقال إلى نظام المافيات كحل انقاذي له (مافيات أمنية – مافيات عسكرية- مافيات اقتصادية …) وغيرها الكثير من المافيات والعصابات التي تستقل بنفسها قيادة وتمويلاً وهو ما أدى إلى كثيرٍ من حالات الصدام والتصفيات بين المافيات الأمنية أو العسكرية ضمن القطاع الجغرافي الواحد.

وكان معيار القيادة والإدارة الأهم في هذه المنظومة الجديدة هي الوحشية والولوغ في دماء السوريين، وتدمير المدن فوق رؤوس ساكنيها، وهو ما استطاع أن يحققهُ سهيل الحسن وعصام زهر الدين وغيرهما من قادة هذه المافيات، عبر انجازاتهم الوحشية تجاه الشعب السوري الحر فانتقلوا من كونهم ضباطاً مغمورين فاسدين في دولة الفساد السابقة، إلى قادة مافيات إجرامية في دولة المافيات الجديدة للأسد، من خلال وحشيتهم تجاه أبناء سوريا، وممارساتهم حتى تجاه مؤسسات الدولة الرمزية، والشعب السورية في المناطق الخاضعة لسلطة بشار الأسد، وبدا كثير من قادة الميلشيات خارج نطاق سيطرته وسلطته.

عدا عن المافيات الاقتصادية التي سيطرتْ على مقدرات وتجارة البلاد، والتي تضج وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام يومياً بأسمائهم وأرقام ثرواتهم، هذه المافيات التي تتشابك في علاقاتها وأموالها مع المافيات العسكرية، والتي تتبادل فيما بينها أدوار التمويل والحماية والتشبيح خارج سلطة الدولة.

هذه الميلشيات الاقتصادية والعسكرية والتي تضاف لها مافيات سياسية ومافيات فنية ومافيات إعلامية، تتمحور حول أشخاصٍ وقياداتٍ كانت جزءاً من حقبة الفساد والإفساد السابقة قبل عام /2011/، والتي وجدت في اندلاع الثورة السورية وخصوصاً في مرحلتها المسلحة، فرصة لاستلام زمام المبادرة لقيادة “انقلاب تدريجي ” والإنهاء على أشباه المؤسسات، التي كانت قائمة في مرحلة الفساد تلك، لتنقل سوريا إلى نظام جديد لن ينتهي إلا بسقوط الأسد وحرب تحرير تنهي جميع المليشيات المتواجدة على أرض سوريا.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.