سوريا: صورة البلد الذي مزّقته الحرب بعد عامٍ من كورونا

أرقام شديدة التباين (1/6)

تقديرات المرصد السوري لحقوق الإنسان، تقول إن الإصابات ضمن مناطق سيطرة قوات النظام قد بلغت نحو 859600 ألف إصابة مؤكَّدة، تعافى منها أكثر من 545 ألفاً، بينما توفي 22645 شخصاً، وذلك في تقريره الصادر يوم 16 نيسان/ ابريل 2021.

بقلم؛ عفاف الحاجي

وصفت مفوضية الأمم المتحدة وضع الرعاية الصحية في سوريا بالـ”مأساوي”، حيث لا تعمل سوى 58 في المئة من المستشفيات، و53 في المئة من المراكز الطبية التي تقدم الخدمات الأساسية. وعلى امتداد الأراضي السورية، بمختلف تصنيفاتها وظروفها، تكشف الجائحة عن المشهد: خروج التفّشي عن السيطرة، ووقوع جميع أطياف الشعب السوري، مدناً وأريافاً، بين أنياب المرض والحرب والدمار.

تتطلب تغطية جائحة كورونا في سوريا استحضار الوضع الاستثنائي الذي يسِمُ هذه البلاد الموزعة على سلطات مختلفة وقوى متحاربة فيما بينها (الحكومة السورية في مناطق سيطرة النظام، “الإدارة الذاتية الديموقراطية” في المنطقة الشمالية الشرقية، الحكومة السورية المؤقتة المعارضة في مناطق سيطرة تركيا والفصائل الموالية لها، و”حكومة الإنقاذ” في محافظة إدلب والتي تُعدّ الذراع المدني ل”هيئة تحرير الشام”)، فضلاً عن استمرار الحرب، من قصف ومعارك، وفقدان الحدّ الأدنى من الأمان والخدمات في مناطق عدة.

لا تعمل “منظمة الصحة العالمية” سوى في مناطق سيطرة النظام السوري، وقدمت معظم جهودها في المساعدة الطبية المباشرة هناك، مع غيابها من المناطق الشمالية الشرقية والشمالية الغربية، وهو ما فاقم من تفاوت القدرة على الاستجابة للجائحة، وجودة وقدرة المنظومة الصحية، بجانبِ عوامل متعددة أخرى.

نرسم صورة بانورامية شاملة – ما أمكن – لتفاعل جائحة كورونا مع البنى الصحية بحالاتها وأنواعها في الداخل السوري، ووضع التجهيزات والحملات المُقدّمة في مختلف المناطق الرئيسية.

أرقام شديدة التباين

حتى منتصف نيسان/ إبريل 2021، تسجّل الإحصائيات المنشورة على موقع وزارة الصحة السورية 21004 إصابة بفيروس كورونا في المناطق التي تسيطر عليها، مع وفاة 1473 حالة من المصابين. إلا أن هذه الأرقام تواجه بتشكيك جهات محلية ودولية. فمثلاً، نشرت جامعة “إمبريال كوليدج” في لندن دراسة في يوم 15 أيلول/سبتمبر 2020 تقول فيها إن التقارير الحكومية لا تحصي سوى 1.25 في المئة من الوفيات الفعلية بفيروس كورونا في دمشق. وتكشف الدراسة عن وجود 4380 حالة وفاة في المدينة بسبب كورونا ولم تُسجّل بشكل رسمي، في المدة الواقعة بين 2 إلى 15 أيلول/ سبتمبر، مضيفةً أن رصد تلك الحالات حصل بسبب وجود آليات مراقبة عالية في دمشق، ما يعني أن حالات الوفاة خارج العاصمة قد تكون أعلى بكثير لعدم إمكانية مراقبتها من نشطاء وجهات طبية.

وقدّر موقع Syria in Context وجود 85 ألف حالة إصابة بفيروس كورونا على الأقلّ في دمشق فقط، معتمداً في استنتاجاته على صفحات الوفيات المنشورة على الإنترنت من 29 تموز/ يوليو حتى 1 آب /أغسطس 2020، وصور الأقمار الصناعية للمقابر ومقابلات مع أطباء وغير ذلك.

تأتي آخر التقديرات من “المرصد السوري لحقوق الإنسان”، الذي يقول إن الإصابات ضمن مناطق سيطرة قوات النظام قد بلغت نحو 859600 ألف إصابة مؤكَّدة، تعافى منها أكثر من 545 ألفاً، بينما توفي 22645 شخصاً، وذلك في تقريره الصادر يوم 16 نيسان/ ابريل 2021.

وكانت مصادر طبية رسمية في دمشق قد أكدت بدء الموجة الثالثة من انتشار الفيروس منذ بداية شهر آذار/مارس 2021، وتبع ذلك تصريح مدير مستشفى المجتهد في دمشق في 20/3/2021 بأن مناطق سيطرة النظام أصبحت في الذروة الثالثة للجائحة، وأن هذه الموجة “أصعب من سابقاتها”.

في شمال غرب سوريا، تبين الأرقام الصادرة عن “شبكة الإنذار المبكر والاستجابة للأوبئة” في 16 نيسان/ابريل 2021 ارتفاع عدد الإصابات المسجلة إلى 21623، مع 19.661 حالة شفاء و638 حالة وفاة. وكانت مديرة الاستجابة لسوريا في منظمة Save The Children، سونيا كوش، قد حذّرت في بداية العام من أن “الوضع أسوأ بكثير مما تخبرنا به الأرقام”، وتحيل المنظمة ذلك لعدم كفاية الاختبارات ونقص الإمدادات الطبية.

يردف هذا التحذير تصريح مدير الصحة في إدلب، لموقع “ميدل إيست آي” في كانون الأول/ ديسمبر 2020، بأن عدد وفيات Covid-19 قد يكون أعلى في شمال غرب سوريا، لأن بعض الوفيات التي تحدث في المنازل لم تُسجّل رسمياً، لعدم قدرة الأطباء على التأكد مما إذا كانت مرتبطة بالفيروس.

وفي أوائل نيسان/ابريل من هذا العام، حذّر فريق “منسقو الاستجابة” السكان في شمالي سوريا من الزيادة الملحوظة في أعداد الإصابات المرتبطة بفيروس كورونا، وأتبعه إنذار الدفاع المدني السوري بموجة جديدة من الوباء “قد تكون أخطر من سابقاتها”.

بالمثل، يُواجه السكان في مناطق سيطرة “الإدارة الذاتية” شمال شرق سوريا موجة ثالثة هي الأعنف والأسرع انتشاراً مع وصول السلالة الجديدة. ففي آخر الأرقام الصادرة عن هيئة الصحة في الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا تسجّل 12756 حالة إصابة بفيروس كورونا، منها 432 حالة وفاة، و1382 حالة شفاء وذلك حتى منتصف نيسان/ ابريل 2021. وهو ما أُتبع بسلسلة من التدابير الوقائية الجديدة، من قرارات الحظر، ومنع التجمعات. وكذلك قد يختلف واقع انتشار الجائحة في هذه المناطق عن الأرقام الصادرة بسبب عدم توفر الفحوص المخبرية الكافية وضعف البنى التحتية الطبية ونقص الشفافية.


عفاف الحاجي، صحافية من سوريا مقيمة في اسطنبول

مصدر نشر المقال في موقع السفير العربي بتاريخ 24 نيسان/ أبريل 2021، بدعم من مؤسسة روزا لكسمبورغ.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.