سوريا: صورة البلد الذي مزّقته الحرب بعد عامٍ من كورونا

المخيمات (4/6)

الأيام السورية؛ عفاف الحاجي

لا تعمل “منظمة الصحة العالمية” سوى في مناطق سيطرة النظام السوري، وقدمت معظم جهودها في المساعدة الطبية المباشرة هناك، مع غيابها من المناطق الشمالية الشرقية والشمالية الغربية، وهو ما فاقم من تفاوت القدرة على الاستجابة للجائحة، وجودة وقدرة المنظومة الصحية، بجانبِ عوامل متعددة أخرى.

المخيمات

أدى عقد من النزاع في سوريا إلى إفراز أكبر أزمة نزوحٍ شهدها العالم منذ الحرب العالمية الثانية. ومقابل الـ6.6 مليون شخص الذين غادروا إلى خارج البلاد هنالك أكثر من 6.7 مليون شخص نازح داخلي وفقاً لتقديرات الأمم المتحدة. تعتبر الفئة الأخيرة، وخاصةً ساكني المخيمات منهم، الأشد تأثراً بجائحة كورونا، لأسبابٍ تتعلق بالظروف التي يعيشونها، وعدم إمكانية تطبيق الإجراءات الوقائية الملائمة لمنع انتشار الفيروس، أو الحماية منه.

في تقريرٍ إحصائي صدر في 29 كانون الأول/ديسمبر 2020 عن منظمة “منسقو استجابة سوريا” – وهي منظمة محليّة غير حكومية – وثّق الفريق الأوضاع الإنسانية في مخيمات النازحين شمال غربي سوريا، والظروف والمشاكل الرئيسية التي تواجه ساكنيها. أوضحت الإحصائية أن عدد المخيمات الكلي يبلغ 1304 مخيماً، يقيم فيها نحو مليون و48 ألف نازح، وهي تتضمن مخيمات عشوائية يبلغ عددها 393 مخيماً ويقيم فيها 187764 نازحاً.

ويتحدث التقرير عن نسبة العجز في الاستجابة الإنسانية، والتي وفقاً للفريق بلغت 54.8 في المئة في قطاع الأمن الغذائي وسبل العيش، و 72.6 في المئة في قطاع المياه والإصحاح (المرافق الصحية)، ووصلت حتى 86.5 في المئة في قطاع الصحة والتغذية و74.9 في المئة في قطاع الحماية، كما بلغت نسبة العجز في قطاع المأوى 54.4 في المئة، وهي النسبة المتعلقة بتأمين الخيم للمخيمات العشوائية. ويُلاحظ ارتفاع نسبة العجز في كافة القطاعات مقارنةً بالتقرير السابق الصادر من الجهة نفسها في شهر آب/ اغسطس 2020.

يظهر الجانب الصحّي ضمن أبرز المشاكل التي تواجه النازحين في المخيمات وفقاً للمنظمة، إذ تُذكر البيئة غير الصحية ومخاطر التلوث خصوصاً في المخيمات العشوائية، وانتشار حفر الصرف الصحي المكشوف، والحرمان من مصادر الدخل الأساسية والاعتماد على المساعدات الإنسانية فقط، وغياب الرعاية الصحية والأسس الوقائية اللازمة من فيروس كورونا المستجد. ويتحدث التقرير عن الحاجة لتأمين نظام رعاية صحية ثابت ومستمر في المخيمات، لأن زيادة أعداد الإصابات بكورونا ضمن النازحين وإدارة عمليات المرضى المصابين به كانتا من أبرز التحديات التي تواجه المخيمات في شمال غربي سوريا.

بصورةٍ عامة تتشكّل المخيمات العشوائية مع كل موجة نزوح جديدة، نظراً للاكتظاظ السكاني في مخيمات الشمال والضغط على قدرتها الاستيعابية. وقد يجبر القاطنون في هذه المخيمات الموضوعة عشوائياً على البقاء أشهر في العراء في ظلّ انعدام وجود أيّ مرافق صحية على الإطلاق.

عبّر العديد من سكان المخيمات بأنواعها عن العجز عن حماية أنفسهم من العدوى بـCovid-19، إذ يصعب تحقيق فكرة العزل الذاتي، أو التباعد الاجتماعي في هذه المخيمات المكتظّة بالسكان، ولا تتوفر أدنى مقومات الوقاية، حتى أن غسيل اليدين بانتظام يعدّ خياراً غير مطروح بصورة حقيقية، وذلك لاعتماد الكثير من سكان المخيمات على المياه المجموعة من الخزانات المشتركة.

ووفقاً لما تشير إليه منظمة أطباء بلا حدود، لا يكاد الماء النظيف يتوفر في بعض المخيمات، وتعتمد بعضها على المراحيض المشتركة، ويبين تقرير وحدة تنسيق الدعم الصادر في كانون الأول/ديسمبر 2020 عدم وجود حمامات عامة في 65 في المئة من المخيمات التي شملتها الدراسة، وأن 55 في المئة فقط من المخيمات التي تحتوي على حمامات يردها ماء منتظم. ولا يمكن أن يُطلب من الناس “التزام منازلهم” في وقتٍ يعيش فيه أكثر من ثلث سكان إدلب منفيين من بيوتهم ومجموعين بكثافةٍ في مخيماتٍ تنعدم فيها سُبل الحياة وتفتقر في أعمّها للخدمات الأساسية. ويضاف إلى ذلك كله، ما تورده منظمة أطباء بلا حدود في بداية الجائحة عن معاناة 35 في المئة من مرضاها من مشاكل في التنفس أصلاً، وهو ما يزيد من التعقيدات في حال إصابتهم بالفيروس.

مكان مخطط بياني

بالمقابل، وعبر خمسة عشر تقريراً أصدرها “مركز المجتمع المدنيّ والدّيمقراطية”، يرصد بها مستجدات جائحة كورونا في سوريا والإجراءات المتعلقة بها بصورة دوريّة من يوم 19/3/2020 حتى 30/9/2020، يتكرر الحديث عن انخفاض مستوى الوعي بخطورة الفيروس ومستوى تعاون الناس مع منظمات المجتمع المدني، وتسجّل التقارير حالات متنوعة حدث فيها اختلاط مع مصابين دون ارتداء الكمامة ليعرف الآخرون لاحقاً بإصابة المخالط به، أو مثلا حادثة اكتظاظ غرف الانتظار في “مشفى الإخاء” بالمراجعين رغم ظهور أعراض الزكام على بعض المُنتظرين، وعدم ارتداء الكمامات، ومثلها ازدحام الناس في الأسواق وحتى على نوافذ التسجيل لدى المراكز الطبية ومراكز الطفل والأم في بعض المخيمات.

تنوّه التقارير إلى ارتباط ذلك بانتشار الفقر وغياب الحدّ الأدنى من القدرة الشرائية للحصول على مواد تعقيم والكمامات الواقية، ويردف ذلك حديث منظمة أطباء بلا حدود عن محاولات البعض إيجاد حلول بديلة مثل نصائح بعض المعلمين لطلابهم باستخدام قطع القماش القديمة لتغطية وجوههم، وكذلك لجوء البعض لتغطية وجوههم بأكمامهم عند الحاجة القصوى للاختلاط.

وما يزيد الأمر تعقيداً، تعرض المخيمات المتكرر للهطولات المطرية المتتالية، ما حدا بفريق “منسقو استجابة سوريا” إعلان “كافة المخيمات الموجودة في محافظة إدلب وريفها ومناطق ريف حلب، مناطق منكوبة بالكامل” في 31 كانون الأول/يناير 2021، وكانت هذه الظروف المناخية سبباً بتهدم المئات من الخيام وتضرر آلاف أخرى وبقاء العديد من العوائل في العراء أو لجوئها إلى خيم أقاربهم، وهو ما يُنتج بالضرورة بيئة يستحيل فيها إجراء أيّ نوع من التباعد الاجتماعي أو غيرها من الإجراءات الوقائية الأساسية.


عفاف الحاجي، صحافية من سوريا مقيمة في اسطنبول.

مصدر نشر المقال في موقع السفير العربي بتاريخ 24 نيسان/ أبريل 2021، بدعم من مؤسسة روزا لكسمبورغ.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.