سوريا: صورة البلد الذي مزّقته الحرب بعد عامٍ من كورونا

دمشق ومناطق سيطرة النظام (3/6)

بقلم: عفاف الحاجي

وصفت مفوضية الأمم المتحدة وضع الرعاية الصحية في سوريا بالـ”مأساوي”، حيث لا تعمل سوى 58 في المئة من المستشفيات، و53 في المئة من المراكز الطبية التي تقدم الخدمات الأساسية. وعلى امتداد الأراضي السورية، بمختلف تصنيفاتها وظروفها، تكشف الجائحة عن المشهد: خروج التفّشي عن السيطرة، ووقوع جميع أطياف الشعب السوري، مدناً وأريافاً، بين أنياب المرض والحرب والدمار.

دمشق ومناطق سيطرة النظام

في 22 آذار/ مارس 2020 خرج وزير الصحة السوري ليعلن عن أول إصابة بفيروس كورونا في البلاد، وذلك بعد أسابيع من ظهور الشائعات وإعلان جميع الدول المجاورة لسوريا عن وصول الجائحة لأراضيها، وظهور عدة مؤشرات تدلّ على تكتم النظام على حقيقة ما يجري في الداخل.

ومنذ الإعلان عن الحالة الأولى، أحاط الغموض والتخبّط بالكثير من جوانب تعامل السلطات السورية مع الجائحة. كانت الطواقم الطبية على الخطوط الأمامية لمواجهة الفيروس، لكن منظمة “هيومن رايتس ووتش” اتهمت النظام بعدم توفيره الحماية اللازمة للعاملين، وكانت من أبرز الحوادث المتعلقة بذلك إعلان نقابة الأطباء السورية وفاة 61 طبيباً وعاملاً في المجال الصحي في آب/أغسطس وبسبب اعتماد النظام السوري على استراتيجية استهداف المستشفيات في حربه ضد المعارضة ،حتى أثناء انتشار جائحة Covid-19، عبّر 49 في المئة من المستطلعة آرائهم عن خشية الذهاب لطلب الرعاية الطبية بسبب الهجمات. ويخاطر الممارسون الطبيون المتبقون بحياتهم عبر الاستمرار في توفير الرعاية الطبية تحت ظروف العنف المستمر، ونقص الأدوية والمعدات. 2020، في وقتٍ كان العدد الرسمي المعلن لجميع حالات الوفاة في عموم البلاد 64 فقط.

ووفقاً لما صرّح به أطباء لهيومن رايتس ووتش، فإن الوفيات التي تُنعى على صفحات الوفيات الرسمية للحكومة تنتمي بشكل أساسي إلى النخبة، مثل مديري المستشفيات، أو أساتذة طب سابقين. وقدّر الأطباء حينها بأن عدد الوفيات بين الأطبّاء والممرضين في الصفوف الأمامية أعلى بكثير – على الأرجح – بسبب عدم القدرة على إحصاء موظفي الصحة في الأرياف، وبناء على معرفتهم الخاصّة بالأطبّاء والممرضين الذين ماتوا.

وتحيل المنظمة “قلّة الإبلاغ” لعوامل عديدة أبرزها: قيود الحكومة على إطلاع عمّال الإغاثة على نتائج الفحوصات في مرحلة مبكرة، وغياب الفحوصات على نطاق واسع على الرغم من ضغط منظمات الرعاية الصحية لتوسيع قدرات الفحص. منبّهة أن منظمة الصحة العالمية بتبعيتها للأمم المتحدة لا يمكن لها التحكّم بالإبلاغ وهي تعمل فقط بموافقة الحكومة. من جهته، وثق المرصد السوري لحقوق الإنسان في أوائل عام 2021، أسماء 172 طبيباً ضمن مناطق نفوذ النظام السوري توفوا متأثرين بإصابتهم بكورونا خلال عام 2020. ويُضاف لذلك، ما ظهر في أيلول/ سبتمبر 2020 من إصابة ما يقارب 200 من موظفي الأمم المتحدة بالفيروس في سوريا.

مكافحة انتشار جائحة كورونا في مناطق سيطرة النظام واجهت عدّة مشاكل أبرزها تهالك المنظومة الصحية، ونقص الطواقم الطبية، ومحدودية الفحوص والموارد الطبية، وضعف إمكانيات المشافي الحكومية، وانهيار الوضع الاقتصادي العام، الذي تسبب في عدم قدرة الناس على اتخاذ أيّ من الإجراءات الوقائية المعتمدة عالمياً، أو تأمين متطلبات الحماية الأساسية.

مدير الإسعاف والطوارئ في وزارة الصحة أكّد أن وزارة الصحة عادت لتطبّق خطة الطوارئ B وأن جميع المؤسسات والكوادر الصحية مستنفرة بالدرجة القصوى، مصرّحاً في آذار/ مارس 2021 لوكالة الأنباء السورية الرسمية “سانا”، بأن “نسبة إشغال أسرة العناية المركزة بمرضى كورونا في المشافي العامة المخصصة للحالات المثبتة والمشتبهة بالإصابة بالفيروس بدمشق بلغت 100 في المئة”، مضيفاً أنه جرى نقل بعض مرضى كورونا الذين يحتاجون إلى عناية مشددة لمحافظات أخرى، وذلك بسبب تجاوز القدرة الاستيعابية للمشافي في العاصمة.

وكانت منظمة الصحة العالمية قد نقلت عن ممرضين وأطباء أن المشافي الحكومية الجاهزة للتعامل مع حالات Covid-19 قد تخطت قدرتها الاستيعابية، في حين لا تملك غيرها من المستشفيات البنية التحتية اللازمة. وعزوا ذلك إلى عدم توفّر قوارير الأوكسيجين وأجهزة التنفس الصناعي والأسرّة. ومع بدء الموجة الثالثة، خرجت تحذيرات عدة عن تجاوز الأزمة قدرة نظام الرعاية السوري على الاستيعاب، وخروج الجائحة عن السيطرة، وكان آخرها تصريح عضو الفريق الاستشاري لمواجهة فيروس Covid-19 في دمشق، بأن الكثير من الحالات القادمة إلى مشفى المواساة تتوفى بسبب ضعف الإمكانات، وما رافق ذلك من إجراءات حكومية بوقف العملية التعليمية مؤقتاً وجملة من الإغلاقات الأخرى. ويأتي هذا معاكساً للخطوة الحكومية بتخفيف الإجراءات في أيار/مايو 2020، حين برّر الرئيس السوري ذلك بأن المواطن أصبح أمام خيار “الجوع والفقر والعوز مقابل المرض” وأن “الجوع كنتيجة للفقر والعوز حالة مؤكدة وليست محتملة، أما حالة المرض فهي احتمال، ونتائج الجوع محسومة سلفًا، أما نتائج الإصابة بالمرض فليست محسومة”.

بلغ عدد المراكز والمخابر الحكومية والخاصة المعتمدة لإجراء اختبار PCR، 19 مخبراً وفقاً لما أصدرته وزارة الصحة السورية في 29 تشرين الثاني/ نوفمبر 2020. ويُكلّف الاختبار ما يعادل 100 دولار أمريكي وهو مبلغ يقارب ضعف متوسط الراتب الحكومي في بلدٍ صار أكثر من 80 في المئة من سكانه يعيشون تحت خط الفقر وفقاً لتقديرات الأمم المتحدة.

ومع الأزمة الاقتصادية الخانقة واحتياج 11 مليون شخص في سوريا إلى المساعدة الإنسانية، يصبح من الصعب للغاية ارتداء الكمامات، أو الحصول على اسطوانات الأكسجين، والأدوية اللازمة وأجهزة التنفس الاصطناعي عند الحاجة إليها، ومع ذلك تلجأ عشرات الحالات لتقلي العلاج الذاتي في المنازل إذ لا تستقبل المشافي إلا الحالات شديدة الخطورة.

تبرز مشكلة المعتقلين في مناطق النظام السوري أيضاً، إذ يوجد نحو 130 ألف شخص لا يزالون محتجزين أو مخفيين قسرياً وفقاً لإحصائيات “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”. وكانت منظمات حقوقية حذّرت من مصير المحتجزين في السجون المركزية والمعتقلات السورية في حال تفشي الفيروس بينهم، بسبب ظروف الاعتقال والاكتظاظ في السجون وانعدام الخدمات الطبية، والتجويع المتعمد والافتقاد الى أساسيات الصحة والنظافة والوقاية هناك. ودعت النظام إلى إطلاق سراحهم، وهو ما قوبل بعدم استجابة.


عفاف الحاجي، صحافية من سوريا مقيمة في اسطنبول

مصدر نشر المقال في موقع السفير العربي بتاريخ 24 نيسان/ أبريل 2021، بدعم من مؤسسة روزا لكسمبورغ.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.