الأيام _ سوريا الصغرى

في حيّ مانهاتن في نيويورك، كان ثمة حيّ صغير، اسمه “سوريا الصغرى”، نسبةً إلى المهاجرين العرب الذين جاؤوا “العالم الجديد”، تاركين وراءهم عند الزاوية اليمنى للبحر الأبيض المتوسط، وطناً، كان في ذاك الوقت، في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، جزءاً من “الإمبراطورية العثمانية”. وطن أو مكان عصفت به “أزمة” كبرى، تُسمّى في كتب التاريخ: حوادث عام 1860. وقد يخشى المرء من كثرة الألفاظ – الألغام، التي تصف تلك “الحوادث” التي أدّت إلى هجرة بعض المسيحيين المشرقيين من سوريا ولبنان إلى “العالم الجديد”، بتشجيع من المبشّرين الأميركيين الذين كان وجودهم رائجاً في مشرق ذاك الزمان. الأوراق مختلطة في كتب التاريخ؛ بين المذابح الطائفية (وكان المسيحيون ضحيتها)، والتنظيمات أي الإصلاحات أو ذاك التحديث الذي أرادته الإمبراطورية العثمانية سبيلاً لـ حداثتها.قيل إن السوريين الذي طبعوا الحيّ بعاداتهم وروائح طعامهم وملابسهم، بنوا هناك ثلاث كنائس. لم يبقَ منها اليوم على ما يبدو إلا كنيسة القديس جورج. أما كنيسة القديس يوسف التي أنشأها الموارنة السوريون، فقد حلّ فوقها على ما يبدو أحد برجي مركز التجارة العالمي، الشهير بتاريخ الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، تاريخ غيّر عالمنا. وبين أنقاض البرج، وجد حجر زاوية كنيسة القديس يوسف.
من الصحيح أن العرب حين يهاجرون، يأخذون معهم عاداتهم وطقوسهم في الحياة، ويكثرون من فتح المطاعم والمقاهي التي كانت يافطاتها باللغة العربية، إلا أن طرق التفكير أيضاً تهاجر معهم. ففي “سوريا الصغرى”، قام نعوم وسلوم مكرزل، بإنشاء صحيفة “الهدى” الشهيرة. وكمشرقيين شطّار، استطاعوا الإفادة من آلة الطباعة، لطبع “الهدى” باللغة العربية. اللغة هي الأساس في التميّز، فهناك في الحي الصغير، نشأت رابطة القلم، التي ضمّت أشهر أدبائنا: جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وأمين الريحاني وإيليا أبو ماضي. كتبوا بلسانين: لغة الضاد واللغة الإنكليزية. ومن وراء “بحر الظلمات” أثروا في دنيانا وثقافتنا، بثّوا الأفكار القوّية من خلال ثمانية وعشرين حرفاً عربياً.
وكان أمين الريحاني من سكّان ذاك الحي، وفي روايته “كتاب خالد” وصف الريحاني “سوريا الصغرى” بدّقة، ولعلّ الرواية استلهمت شيئاً من تجربته كمهاجر مشرقي سكن في الحيّ. وبعد سنوات طاف الريحاني في دنيا العرب، وكتب كتابه الشهير “ملوك العرب”.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.