سنوات الحرب السورية.. انعكاساتها على الزواج والأسرة

لا يختلف رأيين على أن الحرب تُغيّر وتُبدّل في العديد من المفاهيم، سواء كان هذا التغيير على مستوى الوعي الفردي أو المجتمعي، ومن المؤكد أن مسألة الزواج والارتباط نالت جزءاً مهماً من هذا التغير، سواء سلباً أو إيجاباً..

فاديا حج فاضل

تدور دورة حياة الفتاة، وعلى الأغلب يكون محورها الزواج، منذ القدم وحتى يومنا هذا لم يتغيّر محور وجوهر حياة الفتاة، من أنّها خلقت للزواج والإنجاب، ليس فقط من وجهة نظر مجتمع ذكوري يقوم بتنميطها وتأطير دورها، إنما من خلالها هي أيضاً، فالفتاة ـ أي فتاة ـ ترغب عميقاً بالزواج والارتباط، والمبرر الجاهز من الجميع: أن هذه هي سنّة الكون.

ولا يختلف رأيين على أن الحرب تُغيّر وتُبدّل في العديد من المفاهيم، سواء كان هذا التغيير على مستوى الوعي الفردي أو المجتمعي، ومن المؤكد أن مسألة الزواج والارتباط نالت جزءاً مهماً من هذا التغير، سواء سلباً أو إيجاباً..

الخوف من العنوسة

تقول “زينة” وهي طالبة جامعية عمرها 21 عاماً: “لم أكن أتوقع يوماً أن أرتبط وأنا ما زلت طالبة، وها أنا ذا سيكون عقد قراني في الفترة القريبة القادمة، لم أتزوج بسرعة لأنني أحببت، ولكن لم يبقَ شباناً في البلد نتيجة سحبهم للخدمة الإلزامية أو الاحتياط أو هروبهم خارج البلد، وأنا أخشى العنوسة”.

الزواج صفقة

بينما لـ “سمر” موقف مختلف، سمر في الـ 32 من عمرها، قضت حياتها مستقلة رافضة للزواج والإرتباط، وقد تمت خطبتها مؤخراً على شاب يعمل في إحدى دول الخليج: “الزواج ليس سوى اتفاقية، وبالنسبة لي لم أعد أطيق ذرعاً بالبقاء هنا، كان عرض الزواج بالنسبة لي بطاقة طائرة وفيزا للخروج، ولا أدري أبداً إن كان بإمكاني الاستمرار معه، لكنني لا أخشى الطلاق، المهم أن أخرج من هذه الحرب”.

أثّرت الأوضاع الحالية على الجميع، فمن صار يرى الزواج صفقة للخروج من أتون الحرب، ومن تتزوج خوفاً من شبح العنوسة رغم صغر سنها، ومن تعرقل تتويج حبهم بالارتباط نتيجة الأوضاع، ومن سرق بيته وزوجته، ومن ومن.

“شادي” مهندس عمره 29 عاماً، له حكاية أيضاً رواها لنا: “ضقت ذرعاً بالبقاء هنا، قررت السفر عن طريق التهريب، عرضت صديقتي أن أرتبط بها شكلياً مقابل مبلغ من المال يساوي تكلفة عملية التهريب”، حيث أن صديقته رغم امتلاكها للمال لا تستطيع السفر وحدها نتيجة ضغط أسرتها ورفضهم لسفرها وحدها، يكمل شادي: “تزوجنا وسافرنا، وسيتم الطلاق بمجرد أن نسّوي أوضاعنا ونستقر”.

لا معلّقة ولا مطلّقة!

ليس المعاناة فقط معاناة من يتحول الزواج عندهم إلى صفقة نفعية بسيطة، إذ حتى الذين تزوجوا عن حب وقناعة يعانون الأمرّين، فرند، طبيبة عمرها 30 عاماً، تروي قصتها: “عشت قصة حب لمدة سنتين وتزوجنا، ثم سافر زوجي ووصل إلى السويد، وبدأ معاملة لم الشمل، وها أنا أنتظر منذ ستة أشهر كي أستطيع السفر إليه ونبدأ حياتنا التي قررنا مشاركتها سوياً”.

تروي لنا لين (31 عاماً، مدّرسة): “تزوجت بعد قصة حب، ويدرك الجميع أن زواجي كان قائماً على الديون فقط، سافر زوجي إلى تركيا بعد أن اكتشفنا أنني حامل، وبقيت مع أهلي حتى أنجبت ابني ثم سافرت إليه بعد أن كان قد وجد عملاً يعيلنا”.

أما قمر، والتي تبلغ من العمر 33 عاماً تقول: “أنا مرتبطة أمام الجميع، أهلي وأهله، ولكن لا نستطيع الزواج كونه فار من الخدمة الإلزامية، ولا نستطيع فعل شيء حيال ذلك، وما زلنا ننتظر أن تأتيه موافقة على تأجيل سفر لمدة تسعة أشهر كي نتزوج ونثبّت زواجنا ونسافر من هنا، إلى أن يتم ذلك أجد نفسي لا معلقة ولا مطلقة”.

هجران وسرقة

لم يقتصر هذا التأثير والانهيار على الطبقة الشابة غير المتزوجة أو المتزوجة حديثاً، “حنين” امرأة متزوجة لديها ثلاثة أولاد وعمرها 45 عاماً، تروي لنا قصتها: “باع زوجي ذهبي ورحل إلى السويد عن طريق التهريب، وأن يرسل لي وللأولاد للالتحاق به عن طريق لم الشمل، أرسلنا له أوراقنا، لكنه لم يرد علينا حتى، انتظرنا طويلاً، لنكتشف في النهاية أنه تزوج من امرأة أخرى كان على علاقة معها، ورحلا معاً، ليعيشا حياةً جديدة، دون أن يترك معنا شيئاً، مالاً أو ذهباً ليسندنا في هذه الأيام السوداء التي تزداد اسوداداً”.

فالفتاة ـ أي فتاة ـ ترغب عميقاً بالزواج والارتباط، والمبرر الجاهز من الجميع: أن هذه هي سنّة الكون.

أثّرت الأوضاع الحالية على الجميع، فمن صار يرى الزواج صفقة للخروج من أتون الحرب، ومن تتزوج خوفاً من شبح العنوسة رغم صغر سنها، ومن تعرقل تتويج حبهم بالارتباط نتيجة الأوضاع، ومن سرق بيته وزوجته، ومن ومن.

كان تأثير الحرب على العلاقات الزوجية الحديثة أو القديمة كبيراً، أدت إلى خلق شروخات كبيرة، وخلّفت أبعاد وتبعات كثيرة، أهمها عدم إمكانية تسجيل الأبناء في حال كان الأب مطلوباً للإحتياط، مما خلق فئة من الأطفال مكتومي القيد، رغم أنهم يعيشون بين أمهم وأبيهم. أو عدم إمكانية تسجيل الزواج لمن يعيشون في مناطق سيطرة المعارضة.

نالت الحرب من كافة نواحي الحياة وألقت بضبابها على الجميع دون استثناء، ولو على أبسط المستويات، وبات السفر وبدء حياة جديدة تتصف بالاستقرار حلم الجميع من أصغر إلى أكبر فرد يحيا في سوريا.

صورة تعبيرية(شجون عربية)
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.