سليم بركات رجل الخسارات الشمالية

حامل الإرث الثقافيّ للكُرد والعرب والأشوريين والسريان والأرمن

سليم بركات الشاعر هو ذاته الروائي، يتبادلان الحكي والاستعارات والأوهام، مشدودين إلى غواية المعنى الغائب، الطُلسّم الذي يتكئ بشيفراته على اللغة بوصفها التعويضي وليس التوصيلي.

77
الأيام السورية؛ حنان معمو

سليم بركات روائي وشاعر وأديب كردي سوري من مواليد عام 1951 في مدينة عامودا التابعة لمنطقة القامشلي في أقصى الشمال الشرقي لسوريا.

قضى فترة الطفولة والشباب الأول في مدينته والتي كانت كافية ليتعرف على مفرداته الثقافية بالإضافة إلى الثقافات المجاورة كالآشورية والأرمنية. انتقل في عام 1970 إلى العاصمة دمشق ليدرس الأدب العربي ولكنه لم يستمر أكثر من سنة، ولينتقل من هناك إلى بيروت ليبقى فيها حتى عام 1982 ومن بعدها انتقل إلى قبرص وفي عام 1999 انتقل إلى السويد.

بداية الرحلة

ذهب إلى دمشق لدراسة اللغة العربية، أواخر الستينات، ولم يبق فيها سوى سنة واحدة غادر بعدها إلى بيروت، ليجد الحرية التي طالما بحث عنها، وسيتحدث عنها بعد ذلك كثيراً، حيث لا حد لحرية خياله ولا لحرية جسده.

نشر سليم بركات أول قصيدة له بعنوان “نقابة الأنساب” في مجلة “الطليعة” الأسبوعية السورية، في العام 1971، وانقطعت أخباره حيناً عن الشام ومناخها الأدبي، ثم ما لبثت أن عادت بقوة بعد سنوات قليلة حين وصل كتابه الأول ” كل داخل سيهتف لأجلي وكل خارج أيضاً” بقطعه الصغير وتصميمه الغريب، ولم تمض سنتان حتى صدرت مجموعته الشعرية الثانية “هكذا أبعثر موسيسانا” في العام 1975.

الإرث الثقافيّ في تجربة سليم بركات

حاملًا الإرث الثقافيّ للكرد والأشوريين والأرمنيين والسريان، ومعه مخزنَ العربيّة القديمة، وخيالًا غريبًا، دخل السوريّ الكردي سليم بركات بقصائدهِ بيروت في العام 1970، قادمًا إليها من دمشق بعد سنة واحدة درس في جامعتها اللغة العربيّة، بعدما أتى من قرية موسيسانا الكرديّة في الشمال السوريّ.

منذ وصوله، شغلَ بركات الوسط الثقافي ببلاغته وعجائبه، وتطويعِ مهجورات اللغة في سياق الجملة الحديثة. وقف الكلُّ مُندهشين من الفتى ذي التسعة عشر عامًا وهو يُركّب قصائده بشكلٍ غير مألوف.

الهاجس الشعري لدى سليم بركات

قدّم سليم بركات شعراً متطوراً من حيث البنية والتراكيب واللغة والصورة في وقت كانت لغة الخطابة ما تزال تطغى على الشعراء، والحداثيون منهم كانوا يحوّمون في التغريب واستنساخ تجارب شعراء أوروبا وأميركا.

العجائبي والفانتازي والسحري، كُلّها شيفرات للتمرد على الوضوح في المكان والسلطة والتاريخ والهوية المهيمنة، ما أعطى لقصيدة سليم بركات غواية أن تكون صاخبة ومتمردة، ولا وضوح لها، ولا اطمئنان لخطابها، فهي قصيدة مزاجه الشخصي، وسؤاله الشخصي ورعبه الشخصي، ووعيه الحاد بأوهام التاريخ الذي يصنعه الآخرون.

ينحاز من خلال القصيدة للنبش في المسكوت عنه، المسكوت الراهن باستلاب لساني تعبيري ودلالي، والمطوي على سرائر يحاول أن يستعيدها عبر استعادة أساطير الكردي المهاجر والعاشق..

فمنذ أن كتب أوراقه الشعرية الأولى «كل داخل سيهتف لأجلي، وكل خارج أيضاً» و«هكذا أبعثر موسيسانا» و»للغبار، لشمدين، لأدوار الفريسة وأدوار الممالك» و»الجمهرات» وضع اللغة أمام رهان الوجود، فهما يبادلان لعبة الفريسة والصياد، مثلما تضعه في سياق الباحث عن(لذّته) وسط عتمة الوجود، حيث هذه اللغة الشعرية هي ذاتها التي تشتبك مع تاريخ طويل ومنهك مع الغناء والملحمة والسيرة.

سليم بركات مع مجموعة من أغلفة كتبه(ضفة ثالثة)

سليم بركات الشاعر هو ذاته الروائي

هذا الهاجس الشعري القلِق والمُريب هو الذي دفعه للمغامرة الأكثر جموحا نحو كتابة الرواية، تلك التي تمثلت أسفار سيرته الوجودية، سيرة وجوده وخساراته ومراثي أمكنته وهجراته الداخلية والخارجية، إذ كتب رواية «الجندب الحديدي/ سيرة طفولة» ورواية «هاته عاليا، هات النفير على آخره/ سيرة الصبا» وهذا ما يمكن تسميته مجازا بـ «كتابة البراءة» وأنّ رواياته الأخرى الأكثر تمثلا لتجربته الثقافية يمكن وضعها ضمن مقترح (كتابة الخبرة)..

سليم بركات الشاعر هو ذاته الروائي، يتبادلان الحكي والاستعارات والأوهام، مشدودين إلى غواية المعنى الغائب، الطُلسّم الذي يتكئ بشيفراته على اللغة بوصفها التعويضي وليس التوصيلي.

إذ تبدو هذه الوظيفة وكأنها نزوع للمجاهرة بفرادة الشاعر وتعاليه خارج المكان والقبيلة والأثر، وحتى البلاغة التي يجترحها البعض لقراءته يتمثلها الكثير من التحولات العاصفة، فهو لا يطمئن كثيرا للغة التي يكتبها، لذا ينحتُ فيها كثيرا، ويبعثر في أنظمتها، ويُضلِل عبرها مسار تلك القراءة، حدّ أنه يوحي وكأنه تحت وطأة إحساس باغتراب وجودي مفارق، له أسئلته وإحالاته، وله أيضا شغفهُ الباعثُ على مواجهة وزر أي مهيمنة قد تجرّه إلى قاعها وغيلانها.

شكل سليم بركات، مدرسة خاصة في الإبداع العربي وفي السرد الجديد القائم على استنطاق التراث والوعي به وتوظيفه، فهو ملم مميز بفنون البلاغة والقول بمنهج ملتزم تماما. وفي الوقت نفسه هو حديث جدا لا يكاد يفترق عن الحداثة في أبدع تجلياتها، بحيث يصعب عليك أن تصنف موقعه بالضبط. هل هو ينتمي لزمنه الخاص أم لتقاطعات القديم والجديد والرغبة في صناعة نص متفرد له ذاتيته وعنفوانه وجنونه.

الدخول إلى عوالمه

في البداية يبدو الدخول إلى عوالمه، كأنه رحلة البحث عن كنز مستعص أو مغارة يدخلها المرء لأول مرة فيتوه بداخلها ثم يخرج بسهولة ليكتشف أن رأسه قد احتشد بصور متداخلة وأضغاث أحلام تتراكب مع مشاهد من حياة الإنسان، ليجد نفسه ربما يسأل السؤال الآتي.. هل أنا الذي أحلم أم أنه سليم بركات؟

تتنقل في النص ما بين مدن الأكراد وعالم النرد المتقلب الى مدن متباعدة في الذهن، ترى نساء يجلسن في سمر، تلك هوايتهن الوحدة، وهن قد تجمعن في شكل أطياف متناثرة، كأنهن جدات او نساء من عالم لم يولد بعد.

التسلّح بلغة الآخر العربي

ذكر سليم بركات، الشاعر والروائي الغزير الإنتاج شعراً وروايةً، في إحدى مقابلاته التلفزيونيّة القليلة: “كان ممكناً أن أكتب بالكرديّة مثلاً، لو كانت لدي موهبة أكثر مثل أقراني الأكراد الآخرين، تعلّموا اللغة الكرديَّة في المنفى، تعلّموها بإتقان. لكن ربما كان إحساسي إنه ما دمت قادراً على أن أعبّر بأيّ لغة عن نفسي، سواء أكانت هي اللغة لغة الأصل أم لا، أو اللغة الوافدة. وكون اللغة العربية بالنسبة لنا لم تكن لغة وافدة، بل لغة موجودة دينياً، يعني لم أكن غريباً عليها. ثم وجدتها لغة غنيَّة جداً، يمكن التعبير بها عن خصوصيتي ككردي، إلى الحد الضروري للتعبير عن نفسي. حوَّلتُ اللغة العربيَّة معي إلى هويَّة كرديَّة”.

هذا التسلّح بلغة الآخر العربي في التعبير عن الذات الكرديّة وأوجاعها، يصفه بركات في إحدى مقابلاته بالقول: “ذهبت في اتجاه شريك منعني عن اللغة الكرديَّة، ذهبت إليه متسامحاً بلغته التي هي اقتداري على تدبير حريتي في بلاغتها، وتدبيري هويتي في نبلها الأعمق مستغلاً استغلال العاشق تواطؤها (اللغة) مع أعماقي على تدبير المعنى الذي يستحقه كردي في الإشارة إلى دجاجات أمّه وتبغ أبيه”.

خصوصية وفرادة التجربة

يمكن تناول تجربة بركات الإبداعيّة، بوصفه كاتباً كردياً يحاول التعبير عن نفسه وهمومه وخياله وآلامه ككرديّ، بلغة عربيّة، شديدةِ الفصاحة والبلاغة، ومخاطبه في ذلك، القارئ العربيّ بالدرجة الأولى،

خصوصية وفرادة التجربة لدى بركات نابعة بالتحديد من خصوصية المكان وتقسيماته، فالعارف لتلك الخصوصية في الجزيرة السورية وتقسيماتها؛ من عربٍ وكردٍ وأرمن وآشوريين وشركس، يرى عمق وأثر ذلك في أعماله الأدبية على العموم، والروائية على الخصوص.

رحلة السرد الأولى التي ارتبطت بالمكان الأول الشمال السوري، لتنتقل إلى الشمال القبرصي، وبعدها إلى الشمال السويدي استقرارا؛ إنه رجل الشمال، رجل الخسارات الشمالية، كما يقول عن نفسه. إن ذاكرة المكان والبيئة استحوذت على كل ما يريد بركات البوح به؛ من خلال وصفه لهما بأدق التفاصيل على حساب وضوح المعنى الذي كان يبدو ضبابيا أحيانا، وواضحا أحيانا أخرى، وهي إحدى الألعاب السردية التي برع بها.

المكان تمثل بالطبيعة؛ بسكونها ومتحركها، فجاء السرد في عمقه تصويرا فوتوغرافيا له، ونقلا تسجيليا لأجزائه، ارتباطه بالمكان أنتج ذلك الفيض السردي المعبر عن نفسٍ تائهةٍ تبحث عن وجودها وحريتها، في واقع ذي أعراف وتقاليد مسجونة بحدوده المكانية والزمانية، يقول في رواية «فقهاء الظلام»: «أنا الحرية، أعبر الجثث لحمى لا قانون فيها، الحمى هي الحرية».

استطاع التعبير عن المحتوى الكامن في وعيه، بارتباط هويته الكردية البيّن بالشخصيات، فمحاكاتها لم يكن انعكاسا لها كما تنعكس الأشياء في المرآة، بل جاء محايثا لما يمكن أن يكون، أي الممكن في ذاته وفي سرده التخييلي، وهو ما أراده من خلال لعبة الاختباء التي لعبها بالتهويمات الغامضة والغيابات لها.

مصدر ضفة ثالثة موقع قنطرة موسوعة جياي كرمنج
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.