سلطة القضاء.. هل نطمح لنكون مجتمعات شبيهة بالغرب!

ما الهدف من سيطرة السلطة السياسية والاقتصادية والدينية على البشر، وترك سلطة القضاء آخر همومهم!

26
الأيام السورية؛ علي الأعرج

التاريخ جلي ليقولها علناً، بأن العلمانية كتصنيف معرفي، هي نتاج مجتمعات الغرب التي قامت بإجهاض سلطة التشريع الكنسي المسيحي؛ ومع تطور مفاهيم الدول الحديثة ذات النزعات القومية، تجذّرت العلمانية وانتشرت كمعنى سياسي في كل العالم تقريباً.

لقد عملت العلمانية كمذهب سياسي لتغيير المجتمعات ومحاربة الأيديولوجيات القديمة وإنهائها، لقد خاضت تجارب قاسية وخاصة في القرن العشرين؛ استبدلت سلطات، وظهرت حركات، وتغيرت مفاهيم ودول وخرائط وسقطت إمبراطوريات، وبطريقة ما أصبحت العلمانية هي المتهم الأول في هذا التغيير للتاريخ، لكن في عالم اليوم أصبحت نوعاً ما قائمة على تعريفات مختلطة لدرجة إخضاع العلماني (كتصنيف معرفي)، للعلمانية (كمذهب سياسي) كما يراه الأنثروبولوجي طلال أسد.

في عالم اليوم تعلو الصراعات وتظهر حركات متطرفة من هذه النقطة في عدم تمييز المعرفي عن السياسي، وهو ما يدعو سياسيات اليوم لوضع البيض جميعه في سلة واحدة، وعليه تصبح مسألة حرية الإنسان وتفكيره على المحك، لعدم التمييز بين الفعل السياسي المباشر بين المواطن والسلطة وطريقة التفكير إزاء مفاهيم ثقافية وتحليلها من منطق علمي.

قبل ظهور الثورات العربية، كانت أوروبا تمثّل حُلم لجميع الطامحين للحرية، واليوم وبعد الهجرات الواسعة والاختلاط بدول العالم الأول، والاندماج، بدأ ذلك الحلم ينهار نوعاً ما؛ لقد بدأ البشر يفهمون أن أوروبا لا تمثل الحرية بمعناها الأعم، إنما تمثّل حرية مقوننة ذات سلطة غير منتهية، سلطة أشرس من الديكتاتوريات في دول العالم الثالث، لأنّ الديكتاتوريات تمثّل شكل القمع دون الاهتمام بالامتعاض الشعبي، رغم إدراكهم لذلك الامتعاض، لكن سلطات العالم الأول، تمثّل شكل من ترويض اجتماعي وثقافي للناس.

وهو ما عبّر عنه الفيلسوف الكندي تشارلز تايلور في محاولة تحليل ظاهرة العلمانية داخل أوروبا:

السلطة حتى وإن كانت مليئة بمفاهيم الحرية الفردية واحترامها، لكنها لا تسمح بإسقاط من يمثلونها في السيطرة وخاصة أنها تمثّل البنية الاقتصادية والمعرفية.

“قد تطلب الحكومات الطغيانية التقليدية من الناس أن يظلوا سلبيين وأن يطيعوا القوانين، أما الديمقراطيات سواء قديمة أو حديثة فعليها أن تطلب أكثر، إنها تسأل من أعضائها أن يقوموا بإسهامات ضرورية من ثرواتهم (في شكل ضرائب)، ومن دمائهم (في الحرب)، ودائماً، وبدرجة ما، في المساهمة في عملية الحكم. إن على المجتمع الحر أن يستبدل الإكراه الطغياني بدرجة معينة من الإكراه الذاتي. وحينما يفشل في ذلك، يصبح النظام معرضاً للخطر”.

كلام تايلور يحمل من الخطورة، رغم اعترافه القطعي بحرية الدول في تشكيل البنية التداولية للسياسة، أنه يقول بصراحة أن الحرية التي يعيشها العالم الأول ليست سوى شكل من الطغيان غير المباشر، عملية تحويل الفرد إلى آلة إنتاج خاضعة لسلطة الدولة المطلقة، من خلال عملية إكراه الذات، أو قبول الترويض السياسي والثقافي.

أمام هذه المعادلة يصبح من الحري بنا إعادة التفكير حول بنية السياسية التي تضمن حرية الفرد دون إلزام مطلق في خضوعه للسلطة.

عندما قامت الثورات العربية في بدايتها لم يكن الهدف هو تدوير السلطة، بل تغيير أبديتها والحدّ من تعاليها، ومن الصحيح أن تطور الثورات أخذت الأمور لمكان آخر كلياً، لكن أمام حقيقة السلطة الغربية اليوم يعود ليظهر هذا الطرح: السلطة حتى وإن كانت مليئة بمفاهيم الحرية الفردية واحترامها، لكنها لا تسمح بإسقاط من يمثلونها في السيطرة وخاصة أنها تمثّل البنية الاقتصادية والمعرفية.

حتى أوروبا حريصة على إبقاء الأفراد في بوتقة من الإخضاع الذاتي وترويضهم على الخوف من القوانين تحت اسم احترام القوانين.

لقد عملت الثورات العربية في أحلام البعض على تحقيق ذلك الطموح بأن نحوّل مجتمعاتنا لمجتمعات أوروبية من موضوع سيادة القانون والحريات الفردية، ولكن حتى وإن نجحت فسنتحول لما عليه أوروبا اليوم. حالة من الإكراه الذاتي في سلطة القانون المطلقة.

أثبتت التجربة البشرية أن السلطة بكل أشكالها الدينية والعلمانية والقومية والديمقراطية والوطنية والليبرالية ما هي إلا شكل من السيطرة على حياة البشر وإخضاعهم لقوانين تخدم فقط السلطات.

يجب إعادة التفكير في مفهوم الثورة وإعادة البناء، وحتى إعادة التفكير في مفهوم السلطة وشكلها المستقبلي، ليس من مبدأ إلغاء السلطة بشكل مطلق، ولكن حصر السلطة فقط في جانبها القضائي؛ ليس بالمعنى المتعارف عليه اليوم كالفصل القانوني بين المؤسسة المتحكمة اقتصادياً والأفراد، بل في القضاء المتمثل بالفرز الجنائي بين الأفراد أنفسهم فقط.

مشكلة السلطات هو هيمنتها من ناحية ممارستها لخلق حالة أمن وعدم اعتداء أفراد على أفراد، لتسيطر على ما هو أكثر من ذلك، إباحة الشركات بالتحكم في معرفية الناس وأفكارهم والسماح لهم بالسيطرة على المجتمعات. لذا يجب أن تكون مهمة السلطة في أي دولة هي سلطة قضائية لتحافظ على حياة البشر من الاعتداء فقط، ولا شأن آخر لها فيما يفعله المجتمع المدني من طرائق معارفهم وأفكارهم وحيواتهم.

لقد أثبتت التجربة البشرية أن السلطة بكل أشكالها الدينية والعلمانية والقومية والديمقراطية والوطنية والليبرالية ما هي إلا شكل من السيطرة على حياة البشر وإخضاعهم لقوانين تخدم فقط السلطات. ما نحتاجه فعلياً هو سيطرة الثقافة الاجتماعية المدنية والحدّ من السلطة إلى أقصى حد وإبقاء دورها فقط على الجانب القضائي.

ويبقى سؤال مشروع، ما الهدف من سيطرة السلطة السياسية والاقتصادية والدينية على البشر، وترك سلطة القضاء آخر همومهم!

إن الحرية لا تُجزّأ وهيبة الدول وسلطاتها لا تعني لنا شيئاً نحن الأفراد في كل هذا العالم، فليذهبوا فعلياً للجحيم.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.