أنا “مو” شحادة

من سلسلة يوميات لاجئة

217
بقلم: نهى شعبان

ما حصل معي اليوم  أعاد لي ذكرياتٍ كثيرةً مؤلمةً، كنت أحاول جاهدة نسيانها ولكن هي الجروح لا تندمل؛ تتفتح مع كل آهة ألم نسمعها من حولنا.

الطقس الجميل، والشمس الدافئة أغرياني  للخروج من المنزل للتسوق بعد أسبوعٍ كاملٍ حبيسة المنزل بسبب سوء الأحوال الجوية.

اتفقت مع ابنتي الوحيدة على اللقاء بعد خروجها من الجامعة في الواحدة ظهرا للتسوق وسط البلد. وشراء حاجيات للمنزل

في الحادية عشر ظهرا  قررت الخروج  أبكر من الوقت المتفق عليه  كي أتمشّى قليلاً بمفردي، وأتجوّل بين المحلات. وقد اشرب عصير الرمان وأستمتع به أثناء تجوالي.

منذ مدة لم أتمشّ وأتجوّل ، كنت بحاجة للتسكع  قليلا وسط الناس ورؤية وجوه جديدة،  أحب مراقبة نظراتهم وأعشق النظر في تعابير الوجوه  لأنها في النهاية مصدر الهامي لعناوين قصصية .

وصلت إلى المكان المعهود مع آذان الظهر، وقفت أمام المسجد، قررت اغتنام الفرصة، والصلاة في مسجد الحسين القديم الذي يعد قبلة السياح العرب لكل من يزور العاصمة  الأردنية عمان.

بعد خروجي هرولتُ  لأتفقد وصول ابنتي، استرعى انتباهي لهجة امرأة وهي تصرخ بانكسار:

“أنا مو شحادة يا شيخي والله مو شحادة”

وهو يعيد ويكرر لها بصوت عالي:

“قومي من هون لا تخليني أحكي معك كلام ما بليق”

وتكرر: “قلتلك ما عم أشحد بشو مضايقتك قعدتي هون؟”

استرعى انتباهي لهجتها السوريّة،  التفتّ خلفي؛ وجهها مألوف لديّ ترى هل أعرفُها ؟ أم يتهيأ لي؟

وأنا أحاول عصر ذاكرتي، تقدّمت نحوها ببطء وأمسكت كتفها، استدارت ونظرت إليّ متفاجئة قائلةً: أهلين مو أنتِ مدام(……؟)

نعم صدق حدسي انها بنت بلدي، أمسكتْ بي، احتضنتني وهي تبكي: “صحيح أنا لست مخطئة، أنا أعرفك

هل تذكرت؟”

“أنا رانيا التي زرتها مع رفيقتك منذ عام، أنا لم أنس وجهك، ولم أنسى تعاطفك معي ومواساتك لي  لأنك عانيت نفس الألم”

أمسكتُ يدها، وانزويتُ بها على جانب الطريق:

  • نعم، نعم، تذكرتُك، هذا صحيح ماذا تفعلين هنا هل تشحدين؟ أووه هل تشحدين؟ لماذا؟

أجهشت بالبكاء وهي تصرخ: “والله ماني شحادة، أنت مو عارفة شو القصة، خليني أشرح لك، كل شي صار بالصدفة”

صوت بكائها العالي لمّ العديد من الفضوليين حولنا!

كانت ابنتي قد وصلت، وحين رأت الناس متجمهرة حولنا ركضت نحوي ، وهي تصرخ: ماما ماذا حصل؟ هل حدث لك شيء؟هل أنت بخير؟

وبعد أن طمأنتها، قلت لرانيا: تعالي معي لنبتعد من هنا، ونجلس في مكان هادئ لأعرف منك ماذا فعل بك الزمن ووصلت لهذه الحالة ؟

وحتى لا أ حرج رانيا  ونستطيع التحدث بحرية التفت الى ابنتي وطلبتُ منها  شراء حاجياتها واللحاق بي.

في الطريق اشتريت لكلتينا فنجانين قهوة، وبعد أن جلسنا استدرت نحوها قائلة:

  • أخبريني ما الأمر؟ ماذا حصل لوجهك الجميل وابتسامتك العريضة؟ عيناك؟ هيا اخبريني؟

-أرجوك لا تأخذي عني هذه الفكرة، الموضوع  ليس كما رأيت، بدايةً دخلت إلى الجامع كي أصلي، وعندما خرجت جلست أمام المسجد كي أرتاح، وإذ بشخص يضع في يدي نصفَ دينارٍ، نظرت إليه ولم أقل شيئا، وبعدها أتى بعض النسوة ورمين أمامي بعض النقود، أيضا بقيت صامتة حتى جئت أنت.

  • كم جمعتِ؟

– حوالي ستة دنانير

  • قلت لي سابقا أنك تعملين، ماذا حلّ بعملك؟ ولماذا شكلك مزري هكذا؟

– البيت الذي كنت أعمل فيه سابقا، استغنوا عن خدماتي، أحضروا فلبينية مقيمة.

بعد ذلك اتفقت مع نواطير البنايات، على شطف الأدراج خمسة أيام في الأسبوع وكنت أتقاضى مبلغ عشرين دينار كل يوم  والحمد لله كانت أحوالي مستورة حتى أصابني الديسك في ظهري، ولم أعد أستطيع العمل، حتى الطبيب لم أستطع متابعته بسبب ارتفاع المعاينة.

  • لماذا لم تذهبي إلى المفوضية، وتطلبي منهم العلاج؟

-ذهبت أكثر من مرة يقولون لي ملفك قيد الدراسة، في حال جد جديد نتصل بك.

أعيش اليوم على كوبونات المفوضية، وحتى الجيران يتفضلون علينا أحيانا بما يعطيهم الله، وصاحب المنزل الذي استأجرته خفض لي بالسعرخمسون دينارا”، رغم ذلك بت اليوم  لا أستطيع دفع الإيجار وفواتير المياه والكهرباء شهريا، عداك عن مصروف مدارس الأولاد، وكل شهر تتراكم الديون عليّ، وهكذا أعيش على باب الله.

  • والآن ماذا ستفعلين، لا تقولي لي إنّ شغلة الشحادة أعجبتك؟

-بالتأكيد كسر النفس ليس سهلا، وأنت تعرفينني جيدا، لم يبق لي غير شوية هالكرامة، أنت ما فيك تساعديني من خلال علاقاتك ورفقاتك  بالشغل؟ عندكم ما بدهن مستخدمة؟

“همٌّ يبكي، وهمٌّ يضحك قلت لنفسي كلنا بالهوا سوا، ولكن شوية هالكرامة اللي مخليتنا نصمد”.

  • سوف أسال لك عن عمل، لا أعدكِ، ولكن سأحاول.

نظرت إليها وهي تبكي بحرقة، ودّعتها على أمل التواصل قريبا وطوال الطريق أبكي؛ نعم نحن النساء دائما ضحايا الحرب وندفع الثمن الأكبر.

رانيا سيدة سورية في الأربعين من عمرها، حين اجتمعت بها منذ حوالي العام كانت قد فقدت معيليها الزوج وابنها البكرفي مدينة عربين على يد قوات الأسد.

هربت الى الأردن مع أولادها  الأربعة بداية عام 2014 ، أكبرهم اليوم  فتاة في الصف الثامن  وأصغرهم طفل عمره خمس سنوات .

تسكن اليوم  في حي شعبي، صحيح أن بيتها متواضع  وشبه خال من الأثاث، ولكن أول ما يستقبل الزائر  ضحكتها العريضة ووجهها السمح، والترتيب ورائحة النظافة التي تفوح منه. وهذا  طبعا كان أول انطباع علق في ذاكرتي حين زرتها سابقا .

ممن يعرف رانيا سابقا ويرى وجهها اليوم يعرف سلفا؛ إنّ الدهر أكل وشرب عليها.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.