سلامة موسى.. ضرورة الخلاص من أسر الفكر الغيبي

يتلخص فكر سلامة موسى بالديموقراطية والعلمنة وتحرير المرأة، والمطالبة بثلاثة توجهات؛ العقلانية والتحديث والتمثل بالغرب، والإيمان بالاشتراكية كسبيل لتحقيق العدالة الاجتماعية، والبحث عن أصول الشخصية المصرية في جذورها الفرعونية.

الأيام السورية؛ بتول حسن

مفكر مصري كبير، ومصلح من طلائع النهضة المصرية، وأحد أهم المؤثِّرين في الفكر العربي والمصري في القرن العشرين، ويَعُده الكثيرون رائد الاشتراكية المصرية ومن أول المروّجين لأفكارها، عرف عنه اهتمامه الواسع بالثقافة، واقتناعه الراسخ بالفكر كضامن للتقدم والرخاء.

الولادة والنشأة

وُلد سلامة موسى عام ١٨٨٧م في قرية بهنباي، وهي قرية تبعُدْ سبعةْ كيلو متراتْ عن الزقازيق لأبوين قبطيين. والده كان يعمل موظفا بالحكومة، وسرعان ما توفى بعد عامين من مولد ابنه.

التحق بالمدرسة الابتدائية القبطية بالزقازيق حتى حصوله على الشهادة الابتدائية، ثم انتقل بعدها إلى القاهرة ليلتحق بالمدرسة التوفيقية، ثم المدرسة الخديوية، وحصل على شهادة البكالوريا عام ١٩٠٣م.

السفر إلى باريس وإنجلترا

قرر في العام 1906 وبسبب مشاكل عائلية، السفر إلى أوروبا، وكان يبلغ من العمر حينها التاسعة عشرة فقط، لذلك كان لهذا القرار أثر هام في تكوين وعيه وفكره.

قضى في فرنسا ثلاث سنوات من حياته، أتاحت له التعرُّف على رموز الفكر والفلسفة في أوروبا، تعرّف من خلاله على الفكر والفلسفة الغربيين وقرأ العديد من المؤلفات، فتعرف على فولتير وتأثر بأفكاره، كما قرأ لكارل ماركس ومؤلفات لاشتراكيين آخرين، كما أنه اطلع هناك على ما توصّلت إليه العلوم، وتعرّف خلال إقامته على آخِر ما توصَّلت إليه علوم المصريات.

بعد أن قضى ثلاث سنوات في باريس انتقل إلى إنجلترا لدراسة الحقوق حيث عاش أربع سنوات أخرى، لكنه أهمل دراسته وانصرف إلى القراءة، وانضم إلى جمعية العقليين، والجمعية الفابية، والتقى فيها بالمفكر والمؤلف المسرحي الإيرلندي جورج برنارد شو، وتأثَّر تأثرًا كبيرًا ﺑ “نظرية التطور” (النشوء والارتقاء) وبصاحبها “تشارلز داروين”،

العودة إلى مصر

عاد إلى مصر عام ١٩١٠م، وأصدر كتابه “مقدمة السوبرمان” الذي كان أول نافذة يتعرَّف من خلالها المجتمعُ الثقافي المصري عليه، والذي تضمن بدايات لأفكاره التي تطورت بعد ذلك والتي ركزت على ضرورة الانتماء الكامل للغرب وقطع أي صلة تربط مصر بالشرق، وتضمن نقدا للفكر الديني والإيمان الغيبي.

ثم أصدر كتاب “نشوء فكرة الله” الذي نقل فيه أفكار الكاتب الإنجليزي “جرانت ألين” ونقْدَه للفكر الديني، داعياً لفهم الكون على أساس مادي.

بعد عودته إلى مصر من إنجلترا أصدر أول كتاب باللغة العربية عن الاشتراكية في الشرق الأوسط في العام 1912، كما أصدر هو وشبلي شميل صحيفة أسبوعية اسمها المستقبل سنة 1914 لكنها أغلقت بعد ستة عشر عددا، كما ساهم هو والمؤرخ محمد عبد الله عنان في تأسيس الحزب الاشتراكي المصري عام 1921، ولكنه انسحب منه رافضا الخضوع لأية قيود تنظيمية وذلك إثر خلافات كانت قد أثارتها نقده لثورة أكتوبر البلشفية، فاعتزل الحياة السياسية، واكتفى بالنشاط الفكري، حيث رأس مجلة الهلال عام 1923 لمدة ست سنوات.

في سنة 1930 أسس المجمع المصري للثقافة العلمية، وأصدر مجلة أسماها المجلة الجديدة وكان يهدف من خلالها إلى تغليب الاتجاهات العلمية على الثقافة المكتوبة بالعربية، لكن حكومة صدقي باشا أغلقت المجمع، فقام سلامة بتكوين جمعية المصري للمصري وتبنت هذه الجمعية مقاطعة البضائع الإنجليزية، مستلهمة في ذلك تجربة الزعيم الهندي غاندي.

صورة لسلامة موسى مع بعض الصحفيين (كتابات)

تفكيره

يمكن تلخيص فكر سلامة موسى بثلاثة توجهات؛ أولا العقلانية والتحديث والتمثل بالغرب، ثانيا إيمانه بالاشتراكية كسبيل لتحقيق العدالة الاجتماعية، وثالثا البحث عن أصول الشخصية المصرية في جذورها الفرعونية. ويضاف إليها المطالبة بديموقراطية ليبرالية والعلمنة وتحرير المرأة.

يقول الدكتور غالي شكري، إن “سلامة موسى كان يرى أن تحرير الطبقات المطحونة من العبودية الأولى، عبودية الوهم والخرافة، سوف يؤدي إلى تحرير تلك الفئات من العبودية الثانية، عبودية الاستغلال الطبقي، وظلت هذه الفكرة نقطة الانطلاق عند سلامة موسى في تكوين منهجه الفكري إلى النهاية، بأن راح في مختلف مؤلفاته يلح إلحاحا شديدا ومركزا على ضرورة الخلاص من أسر الفكر الغيبي”.

علاقته مع الاشتراكية

تأثر سلامة بالفكر الاشتراكي خاصة الجمعية الفابية البريطانية، التي كانت تدعو إلى تحقيق الاشتراكية بالتدرج دون عنف أو ثورة، وتحولت فيما بعد إلى حزب العمال.

كما تأثر بفكر كارل ماركس حتى قال فيه: “وأحب أن أعترف أنه ليس في العالم من تأثرت به وتربيت عليه مثل كارل ماركس، وكنت أتفادى اسمه خشية الاتهام بالشيوعية” فرأى أن فكره ضروري لفهم وتحليل التاريخ.

كما أنه تأثر بأفكار شبلي شميل وهو من رواد الاشتراكية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. إلا أنه رفض مقولات الاشتراكية العلمية ورأى بواجب تحقيق التقدم تدريجيا وأراد إقامة ديمقراطية نيابية ووجه الانتقادات إلى البلشفية.

سلامة موسى مع بعض أغلفة كتبه(موقع المحيط)

مؤلفاته

ترك سلامة موسى مؤلفات كثيرة في شتى الاتجاهات الكتابية، وساعده على ذلك أنه ولج مجال الكتابة وهو في العشرين من عمره، كما أن إجادته للغات الأجنبية خاصة الإنجليزية والفرنسية أتاحت له الاطلاع على معارف متنوعة وثقافات مختلفة.

أصدر حوالي أربعين كتابا منها: (الاشتراكية، مقدمة السوبرمان، حرية العقل في مصر، النهضة الأوربية، الدنيا بعد ثلاثين عاما، الحرية وأبطالها في التاريخ، أحلام الفلاسفة، المرأة ليست لعبة الرجل، هؤلاء علموني، أحاديث الشباب، الإنسان قمة التطور، حرية الفكر وأبطالها في التاريخ، غاندي والحركة الهندية، مصر أصل الحضارة، نظرية التطور وأصل الإنسان، الحب في التاريخ، أسرار النفس، العقل الباطن أو مكنونات النفس، اليوم والغد، السيكولوجية في حياتنا اليومية، ما هي النهضة، النهضة الأوروبية، حياتنا بعد الخمسين، البلاغة العصرية واللغة العربية، فن الحب والحياة، كتاب الثورات، الأدب للشعب، الأدب والحياة، برنارد شو، مشاعل الطريق للشباب، مقالات ممنوعة، الصحافة حرفة ورسالة).

كما دوّن سيرته الذاتية في كتابه “تربية سلامة موسى”، وأصدر عددا من المجلات، وكتب الكثير من المقالات، ويذكر أنه استعمل كلمة ثقافة ترجمة لكلمة Culture لأول مرة في اللغة العربية الحديثة.

وفاته

تُوفِّي سلامة موسى في القاهرة عام ١٩٥٨م.

مصدر (سلامة موسى، تربية سلامة موسى) (غالي شكري، سلامة موسى وأزمة الضمير العربي) (أحمد محمد جاد، فلسفة المشروع الحضاري)
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.