سعدالله ونوس.. في الكتابة نقاوم الموت وندافع عن الحياة

ربط ونُّوس المسرحَ بالحياة، وكان يحرص على ربط القول بالفعل، وأسهم في تنشيط الحركة المسرحيَّة في بلده، وأثار في مقالاته كثيراً من هموم المسرح العربيِّ ومشكلاته والعقبات التي تقف في وجه تناميه.

213
الأيام السورية؛ بتول حسن

ولد سعد الله ونوس سنة 1941 في قرية من قرى طرطوس تسمى حصين البحر، درس المراحل الدراسية الأولى في القرية، ثم تابع الدراسة في ثانوية طرطوس حيث حصل على الثانوية العامة عام 1959، وفي نفس العام حصل على منحة دراسية لدراسة الصحافة في كلية الآداب بجامعة القاهرة.

أثناء دراسته وقع الانفصال في الوحدة بين مصر وسورية مما أثر كثيراً عليه، هزته هذه الواقعة هزة شخصية كبيرة دفعته إلى كتابة أولى مسرحياته والتي لم تنشر حتى الآن، وكانت مسرحية طويلة بعنوان «الحياة أبداً» عام 1961.

العمل في الصحافة

تخرّج عام 1963 وعاد إلى دمشق حيث عُيِّن مشرفاً على قسم النقد بمجلة “المعرفة” التي تصدر عن وزارة الثقافة. وخلال عمله بالمجلة أصدرت عام 1964 عدداً خاصاً عن المسرح كتب فيه دراسة عن مسرح اللامعقول عند توفيق الحكيم.

وبعد ثلاث سنوات من العمل في مجلة «المعرفة» تركز اهتمامه على المسرح وعندما سنحت له الفرصة سافر عام 1966 في منحة دراسية إلى باريس لدراسة الأدب المسرحي في معهد الدراسات المسرحية التابع لجامعة السوربون.

هناك وصلته أنباء هزيمة 1967 فتأثر كثيراً واعتبرها هزيمة شخصية له. وعبّر بألم عن هذه الهزيمة في مسرحيته الشهيرة “حفلة سمر من أجل 5 حزيران” في العام 1968.

عاد بعدها إلى دمشق فعُيِّن رئيساً لتحرير مجلة “أسامة” الخاصة بالأطفال من عام 1969 إلى عام 1975 ثم عمل محرراً في صحيفة السفير البيروتية.

سعدالله ونوس الشاب مع أسرته(سناك سوري)

تأسيس فرقة المسرح التجريبي

عند اندلاع الحرب الأهلية في لبنان عاد إلى دمشق ليعمل مديراً لمسرح القباني، ويؤسس مع شريكه وصديقه المسرحي فواز الساجر فرقة المسرح التجريبي في دمشق التي قدمت عدة عروض قبل توقفها.

كما ساهم في إقامة مهرجان دمشق المسرحي الأول 1969، وعُرِضت خلال هذا المهرجان مسرحيته “الفيل يا ملك الزمان”. وفي عام 1977 أصدرت وزارة الثقافة مجلة “الحياة المسرحية” وهي مجلة فصلية متخصصة في شؤون المسرح وأوكلت إلى سعد الله ونوس رئاسة تحريرها حتى عام 1988.

الكلمة ـ الفعل في مسرح ونوس

خلق ونّوس مسرحاً جديداً مختلفاً عن مسرح الخطابة. فقد آمن بالكلمة – الفعل – وخلق مسرحاً وجودياً فلسفياً. وفي حوار لونّوس عام 1979 شرح تطور أسلوبه المسرحي قائلاً: “منذ منتصف الستينات بدأت بيني وبين اللغة علاقة إشكالية ما كان بوسعي أن أتبينها بوضوح في تلك الفترة، كنت أستشعرها حدثاً أو عبر ومضات خاطفة. لكن حين تقوض بناؤنا الرملي صباح الخامس من حزيران، أخذت تلك العلاقة الإشكالية تتجلى تحت ضوء شرس وكثيف. ويمكن الآن أن أحدد هذه العلاقة بأنها الطموح العسير لأن أكثّف في الكلمة، أي في الكتابة شهادة على انهيارات الواقع وفعلاً نضالياً مباشراً يعبر عن هذا الواقع. وبتعبير أدق كنت أطمح إلى إنجاز (الكلمة – الفعل) التي يتلازم ويندغم في سياقها حلم الثورة وفعل الثورة معاً. لم يكن دور المشاهد وحده يستوعب حدود الفعالية التي أتوخاها، لكن المناضل الذي أريد أن أكونه ليس في النهاية سوى كائن فعله الكلمات”.

تسييس المسرح

طرح ونّوس فكرة “تسييس المسرح” كبديل عن المسرح السياسي. كان مؤمناً بأهمية المسرح في إحداث التغييرات السياسية والاجتماعية في العالم العربي. يقول ونّوس: “قد كررت مراراً أنني لم ألجأ إلى الأشكال الفنية التي لجأت إليها تلبية لهواجس جمالية أو لتأصيل تجربة المسرح العربي من الناحية الحضارية، وإنما لجأت إلى هذه الأشكال وجربتها، محاولاً أن أتواصل مع جمهور واسع، وكنت أريد أن يكون مسرحي حدثاً اجتماعياً وسياسياً يتم مع الجمهور”.

لم يقتصر نشاط ونُّوس المسرحيّ على بلده، فقد عُرِضَتْ مسرحيَّاته منذ عام 1970م في كثيرٍ من البلدان العربيَّة؛ منها: السُّودان ولبنان والعراق والجزائر والكويت ومصر والأردن والمغرب، وكُرِّم لنتاجه المسرحيِّ مرَّاتٍ في عدد من الدُّول العربيَّة أيضاً، فقد كُرِّم في مصر وتونس ولبنان والإمارات العربيَّة المتحدة، وكان لمسرحه صدى عالمي أيضاً، وقد تُرجمت بعض مسرحيَّاته إلى لغاتٍ منها: الفرنسية والإنكليزية والألمانية والرُّوسيَّة والإسبانية والبولونية.

سعدالله ونوس(ميديا بلوس)

مؤلفاته

ربط ونُّوس المسرحَ بالحياة، وكان يحرص على ربط القول بالفعل، وأسهم في تنشيط الحركة المسرحيَّة في بلده، وأثار في مقالاته كثيراً من هموم المسرح العربيِّ ومشكلاته والعقبات التي تقف في وجه تناميه.

كتب العديد من المسرحيات القصيرة والطويلة، وابتدأت رحلته مع التأليف المسرحي منذ عام 1961 مع مسرحية “الحياة أبداً” التي لم تر النور أبداً، ومجموعة مسرحيات قصيرة كتبها في العام 1964 “ميدوزا تحدق في الحياة” ومسرحية “فصد الدم” ومسرحية “عندما يلعب الرجال” ومسرحية “جثة على الرصيف” ومسرحية “مأساة بائع الدبس الفقير”، كما كتب في العام 1965 مجموعة جديدة من المسرحيات القصيرة كمسرحية “حكايا جوقة التماثيل” ومسرحية “لعبة الدبابيس” ومسرحية “الجراد” ومسرحية “المقهى الزجاجي” ومسرحية “الرسول المجهول في مأتم أنتيجونا” وفي العام 1968 كتب مسرحية “حفلة سمر من أجل 5 حزيران” ومسرحية “الفيل يا ملك الزمان” في العام 1969 ثم مسرحية مغامرة رأس المملوك جابر عام 1973، وفي نفس العام كتب مسرحية “سهرة مع أبي خليل القباني” وفي عام 1977 كتب “الملك هو الملك” وعام 1978 كتب “رحلة حنظلة من الغفلة إلى اليقظة” وفي عام 1990 كتب “الاغتصاب” ثم كتب مسرحية “منمنمات تاريخية” في العام 1994، وفي نفس العام كتب مسرحية “طقوس الإشارات والتحولات” وفي العام 1995 كتب مسرحيتي “أحلام شقية” ومسرحية “يوم من زماننا” ليكتب في العام 1969 ثلاث مسرحيات “ملحمة السراب” ومسرحية ” بلاد أضيق من الحب” ومسرحية “رحلة في مجاهل موت عابر” ليختم أعماله بمسرحية “الأيام المخمورة” في العام 1997.

كما ألف كتاباً نظرياً يشرح فيه أفكاره عن المسرح والثقافة أسماه “بيانات لمسرح عربي جديد”، وأتبعه بكتاب آخر يتناول نفس الافكار باسم “هوامش ثقافية”.

مرضه ووفاته

أصيب سعدالله بسرطان البلعوم في عام 1992، وقد حدد له الأطباء الفرنسيون مدة للمرض القاتل بستة أشهر وأن هذا الرجل سيفارق الحياة بعدها، لكنه كما عبّر هو نفسه فقد كافح المرض من خلال إصراره على الكتابة والتأليف والإبداع، وهكذا دخل في صراع استمر خمس سنوات مع المرض، في عام 1994 عاوده السرطان في الكبد وبدأ دورة علاج طويلة في دمشق.

توفي ونوس في 15 أيار/ مايو 1997 بعد صراع طويل استمر خمس سنوات مع مرض السرطان.

سعدالله ونوس(العربي)

رسالة يوم المسرح العالمي

كلف المعهد الدولي للمسرح، التابع لليونسكو، سعد الله ونوس بكتابة “رسالة يوم المسرح العالمي” لعام 1996، وكتب هذه الرسالة التي ترجمت إلى لغات العديد من بلدان العالم، وقرئت على مسارحها. يقول فيها :”لو جرت العادة على أن يكون للاحتفال بيوم المسرح العالمي، عنوان وثيق الصلة بالحاجات التي يلبيها المسرح ولو على مستوى الرمزي، لاخترت لاحتفالنا اليوم هذا العنوان “الجوع إلى الحوار”. حوار متعدد، مركب، وشامل. حوار بين الأفراد، وحوار بين الجماعات. ومن البديهي أن هذا الحوار يقتضي تعميم الديمقراطية، واحترام التعددية، وكبح النزعة العدوانية عند الأفراد والأمم على السواء. وعندما أجس هذا الجوع، أدرك إلحاحه وضرورته، فإني أتخيل دائماً، أن هذا الحوار يبدأ من المسرح، ثم يتموج متسعاً ومتنامياً، حتى يشمل العالم على اختلاف شعوبه وتنوع ثقافاته. وأنا أعتقد أن المسرح، ورغم كل الثورات التكنولوجية، سيظل ذلك المكان النموذجي الذي يتأمل فيه الإنسان شرطه التاريخي والوجودي معاً. وميزة المسرح التي تجعله مكاناً لا يُضاهى، هي أن المتفرج يكسر فيه محارته، كي يتأمل الشرط الإنساني في سياق جماعي يوقظ انتماءه إلى الجماعة، ويعلمه غنى الحوار وتعدد مستوياته. فهناك حوار يتم داخل العرض المسرحي، وهناك حوار مضمر بين العرض والمتفرج. وهناك حوار ثالث بين المتفرجين أنفسهم. وفي مستوى أبعد، هناك حوار بين الاحتفال المسرحي (عرضاً وجمهوراً) وبين المدينة التي يتم فيها هذا الاحتفال”.

“في الكتابة نقاوم الموت وندافع عن الحياة”. هذا ما كان يردده سعد الله ونوس حتى الخفقة الأخيرة من حياته، ولا نستغرب إن كانت فترة صراعه مع المرض أغنى فترة في عمله الإبداعي. لقد كثّف ونّوس إبداعه خلال سنوات صراعه مع المرض بعدما قال له الأطباء أن أمامه فقط بضعة شهور ليعيش.

إقرأ المزيد:

الطيب تيزيني أعاد قراءة الفكر العربي محاولاً انتشال الواقع من أمراضه المزمنة
فواز الساجر.. فتح الأبواب الموصدة للمسرح السوري قبل أن يقتله الضيق
مصدر عبد اللطيف رمضان، مسرح سعد الله ونوس صلاح الدين أبو دياب، سعد الله ونوس الحضور والغياب مواقع إلكترونية
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.