سعال

بقلم: رفعت إيلجاز

الترجمة عن التركية: نور عبدالله

هذا السّعال اللّعين، سوف يهلكني، سيخرب بيتي، ويُخزيني، يختار توقيته بحيث يقلب أموري رأساً على عقب. أُعاني من مرض صدري، التهاب في القصبات الهوائية، لستُ أدري، ربّما من التدخين، أو من تغيّر الجو، أو من الرياح الموسمية، أو من الشمالية، لكن هذا لا يعني أن أسعل ليل نهار.

عندما أكون وحيداً في غرفتي وليس بجانبي من أستحي منه، لا يصدر عنّي أي صوت، أمّا لو حللتُ ضيفاً على أحدهم، أو قابلت لضرورات العمل شخصاً ذا بنطال مخطط وربطة عنق، وهندام أنيق، عندها يلحظ السُّعال النائم في داخلي كالحيّة الملتفّة، فيفتح عينيه أولاً، ثمَّ وبخبثٍ يبدأ بدغدغة حلقي، يلتصق به ويبدأ بتخريشه، أبلع ريقي مرّةً فلا يذهب، أبلعه ثانية فلا يذهب، أقول “هاه” فلا يختفي، أقول “أهاه” فيزداد بعناد، أحاول تجاوزه ب “أوهوو” ولكن دون جدوى.

ينفلت السعال المتسلسل، ويا له من سعال، كالقنبلة، ليته كان كالقنبلة، فهي تنفجر مرّة واحدة، تعمل عملها، وتخرّب ما تخرّبه، ثمَّ تختفي، لكن سعالي ليس كذلك، إنّه كخرطوشة كستناء، مفرقعة، ما إن تنفجر حتّى تتسلسل مفرقعةً، فلا يبقى للحديث طعمٌ ولا للمقابلة معنى، أنسى ما سأقوله وأبدأ بالهراء، ولا أعود قادراً على الإمساك بزمام الأمور المنفلتة، وأوّل ما يتبادر إلى ذهني كي لا أرى القرف والاشمئزاز البادي على وجه الشخص المقابل هو أن أشمّع الخيط وأهرب.

حدث هذا خلال السنين التي قضيتها عاطلاً عن العمل، رأيت بريق أمل في الحصول على عمل في فندق في الينابيع الحارّة في مدينة يالوفا بوساطة قريب محترم لصديق لي، بدأت بالاستعدادات لتجهيز نفسي قبل يومين أو ثلاثة أيّام، وفي اليوم الموعود سلكت طريق منتجع يالوفا.

لم يتأخّر مفعول بطاقة التوصية التي أحضرتها بالظهور، فبعد أن قرأ المدير الذي كنت في غرفته بطاقة التوصية، أصغى إلى جرس الطعام الذي بدأ يدق، وقال لي: “فلتتفضّل إلى الطعام أوّلاً”. كان كل شيء في الفندق جميلاً، هواؤه وماؤه وطعامه، كنت قد نسيت سنين بطالتي، وبدأت من جديد أحبُّ الحياة، وأعتاد على الناس، حتّى أنني كوّنت صداقات خلال فترة الغداء، وقد بدا لي صوت الجاز الذي كاد يثقب أذني لطيفاً، وبينما كنت أشرب قهوتي أخبروني أن المدير يطلب رؤيتي، دخلت إلى غرفة المدير بينما أزرر أزرار بدلتي التي فقدت لونها وشكلها بل وحتّى شخصيتها على مدار سنتين، أشار لي جلالة المدير إلى مقعد يتّسع لشخصين مثلي وقال” تفضّل بالجلوس”.

سؤاله الأوّل كان هل سأقبل بثلاثمائة ليرة كراتب شهري أم لا، نحن في سنة 1946!.. لا أعلم إن كان يلزم أن أشرح قيمة الثلاثمائة ليرة!.. ويضاف إلى الثلاثمائة ليرة سرير نظيف أنام عليه، حوض استحمام أدخله متى أشاء، صالة طعام يصدح فيها صوت الجاز، هواء نظيف، ووقت كثير للقراءة والكتابة.

وبدون تفكير قلت: “موافق”.

المهمّة التي كنت سأتولّاها هي مهمّة باستطاعة أي شخص يعرف القراءة والكتابة تولّيها. سألني عن تعليمي، وحتّى لا أثير الريبة اخترعت تعليماً مناسباً للمهمة التي سأتولّاها، وقلت” تعليم متوسّط” لو أنني أجبت بتعليمي الحقيقي، للعب الفار في عبّه.

سألني “ماهي الوظائف التي شغلتها إلى الآن”؟

“اشتغلت كاتباً في أماكن متعدّدة” أجبت، وحتّى لا أثير الشك في نفسه كان يجب أن أضيف عملاً يتناسب مع مهمتي الجديدة، “وعملت في مكتب محامٍ أيضاً” وقد أعجبه أن أكون عملت في مكتب محامٍ من قبل، ونظر إلي بإعجاب: “جيد”، “العائلة والأولاد؟” سأَل، كنت أعلم أن مسؤولي الفنادق لا يحبذون العائلة والأولاد، ويخافون من تسكّعهم في الفندق، فأجبته: “لقد انفصلنا”، ولكي يضمن الوضع أكثر قال: “لن تُكثر من الذهاب والمجيء إلى اسطنبول إذاً” أجبت: “اطمئنّوا، لن أقضي الوقت ذهاباً وإياباً إلى إسطنبول، بسبب وبلا سبب، بينما الناس في اسطنبول تتمنى القدوم إلى هنا” ضَحِكَ وقال وكأن خاطراً خطر على باله: “لا أريد ضيوفاً..”، كان يجب أن أجد جواباً يعجبه، فقلت: “أنا هاربٌ منهم” ، فقال: “يمكنك أن تهرب منهم، لكنهم بعد الآن سيتصلون بك، لسبب ما يكثر أصدقاء من يعمل هنا”، ولكي تتلاشى ريبته قلت: “لن أكون بحاجة لأصدقاء ما دمت أعمل هنا”، ضَحِكَ، إذاً فقد كنّا متفاهمين على الأغلب،”حالياً ستستقر في غرفة بثلاث أسرّة، فيما بعد ننقلك على غرفة بسرير واحد”،” حتّى لو لم تنقلوني، لا يهم”

كان يُسَرُّ لكل شيء أقوله، أنزل دفتراً سميكاً من الرف، وسألني عن اسمي وكنيتي، وكتب فيه ما أمليته، وأضاف مالم أمله، أوه، سنتان من البطالة، والضيق والمِحن كانت قد انتهت! وأخيراً تنفّست الصعداء.

لا أدري إن كان من الفرح أم من الضغط الممارس والتحقيق معي على مدى خمس عشرة دقيقة، بدأت أشعر بدغدغةٍ في حلقي، وحرقةٍ تمتدُّ إلى الأسفل، تخريش، حكّة.. سعال.. قد جاء.. والتصق بحلقي!!

صدر عني “هاه” خفيفة، فلم تنفع، “أوهووو” دون جدوى..، انفلتت “أوهووووو” متسلسلة، فأحسست بهزّة كادت تقتلع رئتي من مكانها، سعلت بلا انقطاع، كلّما سعلت انقطعت أنفاسي، كان المدير يراقبني مقطّباً حاجبيه، استقام فجأةً حمل إبريق الماء من على المنضدة وصبّ كأساً من الماء ومدّه لي: “خذ رشفةً”، لكنه سحب الكأس الذي مدّه فجأةً وكأنّه تذكّر شيئاً، ولكي أنقذه من هذا الموقف أشرت له بيدي أن لا حاجة، مددت يدي إلى جيبي الخلفي لألتقط منديلي، لم يكن هناك منديل في جيبي… ومتى كنت أجد منديلي في جيبي عندما أحتاجه!! أحسست وكأنني بهلوان سقطت عصاه وهو يمشي على الحبل، وبقي وحيداً عاجزاً، والآن ماذا كنت سأفعل؟.. قلت: “عفواً” وهرعت إلى الخارج، ارتميت من الباب، أحسسته ينظر إليّ بشفقة، وعندما عدت ودخلت غرفة المدير وجدته يحسب شيئاً ما،” أنت مريض إذن” قالها وهو ينظر إليَّ بقسوة، “منذ زمن بعيد عانيت من مرض، لكنني شفيت”، “من الواضح أنك لم تشف بعد، لابد أن تفحص رئتيك”.

“معكم حق، يجب أن أفحصها” قلتها محاولاً التملص من الحديث، “لا تضع وقتاً أبداً” ألقى نظرةً وهميةً على الدفتر أمامه واستكمل: “لقد أخذت اسمك وعنوانك، هناك متقدمون آخرون على هذه الوظيفة، سوف نعلمك بالنتيجة على عنوانك”، لم يكن قد بقي لجلوسي معنىً فنهضت، قال: “مع السلامة، سوف أعلمك بالنتيجة” وهو يرجع خطوة للوراء كي لا يصافحني،”لا تكلفوا نفسكم، النتيجة واضحة” قلت.. كانت القلعة التي بنيتها في خيالي قد تهدّمت على رأسي بسبب سعال.


 

الكاتب رفعت إيجاز-إنترنت

رفعت إيلجاز: شاعر وكاتب تركي ولد في مدينة كاستامونو عام 1911  وتوفي في اسطنبول عام 1993 صدر له العديد من الروايات ودواوين الشعر والقصص الفكاهية وقصص الأطفال، وقد عرف بروايته مدرسة المشاغبين التي أصبحت مسلسلاً فيما بعد، درس في دار المعلمين وعمل معلماً للمرحلة الإعدادية وبعدها مديراً للمدرسة، بعدها درس في كلية الآداب ودرّس في الجامعة، من مؤلفاته: في الشعر: الصحبة 1943- كان الصباح في أوسكودار1954- منبهر 1962- في أوتار آذاننا 1983 ومن رواياته: مدرسة المشاغبين1957- بيجامات1959- البحر الأسود 1969- الليالي المظلمة 1974- عمارة الأطفال 1984- نصر الدين خوجا وتلاميذه (جحا وتلاميذه) 1984.

 


نور عبدالله مترجمة وصحفية سورية، من حلب، تقيم في مدينة إسطنبول التركية.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.