سردية التحرر والزمن الجميل لدى اليسار السوري

نحتاج جميعنا إلى إعادة قراءة الماضي، والعثور على نقاطٍ إيجابية فيه كي نبني سردياتنا ونجد معنىً لحياتنا، فسردية التحرر اليسارية لا تنتج إلا معرفة مشوهة، ورؤية مشوشة للحاضر، أقصى ما يمكن أن تبلغه أن تردد بشعرية مفرطة: آه يا أيام الزمن الجميل!

75
الأيام السورية؛ بقلم: عمار عكاش

لا تشكل سرديّة الإنسان عن تاريخه مجرد تفرّع عن وجهة نظر يتبنّاها ويسعى لإثباتها، السردية هي أداة نظرية تتيح تكوين فهم لمرحلة ما أو حقبة، وتشكيل نمط معيّن من تعاقب الحوادث وبناء نقاط انعطاف تاريخية وتحقيب التاريخ، لذا لا يمكن أن نفصل لحظة واحدة النموذج النظري أو الأيديولوجيا التي يحملها شخص أو جماعة عن سرديته للتاريخ القريب والبعيد، فهما مرتبطتان وتتبادلان الاعتماد والتبعية.

تُجمِع سرديّة التيار المعارض في سوريا على اختلاف أطيافه، على إيجاد حقبة ذهبيّة في التاريخ السوري القريب وهي حقبة الخمسينيات من القرن الماضي التي كان فيها برلمانٌ منتخب، ولأن لكل سرديةٍ اسم وحبكة وشكل تتخذه يمكن أن نسمي هذه السردية بسرديّة الديمقراطية في الخمسينيات.

وربما يتفق قسم كبير من اليسار السوري المعارض مع هذه السردية، لكنه يتبنى سردية أوسع يمكن أن نسميها بسردية التحرر، وهي برأيهم بدأت في الخمسينات من القرن الماضي وامتدت إلى أواخر السبعينيات، وتضمّ حبكة السرديّة على فاعلين أساسيين هم القوى اليسارية والبورجوازية الوطنية التي ساهمت في هذا التحرر، ويستشهدون بأمثلة من ظواهر محددة لإثباث هذه السردية، مثل أنماط الزي التي شاعت في تلك الفترة، كالميني جيب، واللباس الضيق، والتوجه نحو خلع الحجاب.

من حيث المبدأ من الممكن استخدام نمط الزيّ كمؤشر سوسيولوجي ضمن مؤشرات أخرى، كون أنماط الزي تمثل إحدى تعابير الثقافة الاجتماعيةـ ومن ثم تنتقل السردية للحديث عن غياب التزمت الديني والاجتماعي عن المشهد السوري مستشهدين بأمور من قبيل تقبّل العائلات السورية لمشاهد القُبل في المسلسلات التلفزيونية، ويضيفون أيضاً مؤشراً آخر يتعلق بكثرة مشاهد التقبيل والتعري في الأفلام السينمائية التي كانت تشاهدها بعض العائلات سويّةً في دور السينما.

عموماً يميل السوريين على اختلاف توجهاتهم على إيجاد نقطة في الماضي يمجّدونها، فليس الأمر حكراً على اليساريين، إذْ يميل الإسلاميون والمحافظون بدورهم إلى الاحتفاء بالعادات التقليدية الأقدم عهداً، تحت مسميّات مثل الشهامة، والنخوة، والغيرة على بنت الحارة.

عموماً يميل السوريين على اختلاف توجهاتهم على إيجاد نقطة في الماضي يمجّدونها، فليس الأمر حكراً على اليساريين، إذْ يميل الإسلاميون والمحافظون بدورهم إلى الاحتفاء بالعادات التقليدية الأقدم عهداً، تحت مسميّات مثل الشهامة، والنخوة، والغيرة على بنت الحارة.

ويميل الليبراليون إلى تصوير سوريا كبلد من أكثر بلدان العالم تقدماً في الخمسينيات، يبدو لي أن المسألة تتعلق بالعجز عن الفعل في الحاضر، وإن كان لا بدّ من الارتكاز إلى شيء في الماضي لبناء الذات، فإن هذه العقلية في أغلب الأحيان تنتهي إلى بناء يوتوبيا أيقونيّة موجودة في الماضي لها بعض القرائن والأمثلة السطحية في الذاكرة، وتنتهي هذه اليوتوبيا إلى الهروب من الحاضر إلى أيقونات الماضي، والحلم بيوتوبيات مستقبلية.

أعتقد أن ما شهدته سوريا في الخمسينيات هو إرهاصات تشكل دولة جديدة وليدة، تفتقد بناها إلى العمق التاريخي، وكانت ثمة مؤشرات إيجابية دون شك، واحتمالات كثيرة ممكنة أحبطها الاستبداد لاحقاً، لكن ليس لأحد أن ينسب لنفسه الفضل في تلك الحقبة، فالجميع كان موجوداً وحاضراً: الشيوعيون والبعثيون والناصريّون والإسلاميون والقوميون السوريون.

كما أن ثمة خللاً منهجياً يكتنف سردية اليسار في استخدام الملابس كمؤشر على التحرر، فهو لا يستقيم حتى مع نظريتهم الماركسية التي تتحدث عن التغيرات الكيفيّة، فلو بقيت التغيرات في إطار نوعي لن يحدث تحول تاريخي حقيقي، فالعبرة هي في مدى تغير العقلية التي تسمح بهذا النوع من اللباس، فبكل تأكيد لم يكن من يرتدون هذه الملابس جزءً من الحركة الطلابية الغربية المطالبة بالتحرر الجنسي!. كما أن هذه السردية تعفي الذات من النقد الذي يتحقق من خلال طرح سؤال أساسي يتعلق بمدى نجاح اليساريين والشيوعيين في تغيير بنية العلاقات التقليدية التي تحكمها الطائفة والحارة والعشيرة، ومدى الحرية التي اكتسبتها المرأة (في المجتمع وفي العائلات اليسارية) في اتخاذ قراراتها الشخصية، سواء أكان الأمر يتعلق باختيار شريك الحياة، أو يتعلق بحريتها في انتقاء ما يناسبها من ملابس، وبحريتها في تبني نمط حياتي يناسبها.

دون شك لا يحتاج المرء إلى ذكاء كبير كي يدرك أن هذه الأمور لم تُنجَز فيها تغيرات كبيرة، فبقيت العائلة الأبوية ببنيتها التقليدية هي من يتدخل بشكل كبير في قرارات الذكر والأثنى المصيريّة، بل لم يكن غريباً أن تجد عائلات شيوعية ويسارية ترفض زواج أبنائها من أبناء من طوائف أخرى، وسُجّلت حالات غير قليلة لجرائم شرف ارتكبها أبناء عائلات شيوعية ويسارية من بيئات ريفية وعشائرية.

ومثلما حدث في بلدان أخرى، تلونت الأيديولوجيا اليسارية والأفكار العلمانية بلون البيئات التي نُقِلت إليها، هي غيرت شيئاً من ماكياج الوجه إن صح التعبير، وجَمّلت، وربما حسنت في بعض التوجهات الشخصية نحو عمل المرأة ودراستها، لكن المفارقة أن العامل الاقتصادي الموضوعي لعب دوراً أضخم بكثير في خروج المرأة إلى الفضاء العام أكثر من جميع الأفكار اليسارية والعلمانية.

كما أن هناك جانباً أبستمولوجياً مهما في هذه الأيديولوجيّات التحررية اليسارية يصيب مفهاهيمها التحررية بالعطب، فهي تشبه المنظومات الدينية من حيث اليقين الذي تحمله، كما أنها تلغي الفرد لصالح هدف سامٍ ربما لن يأتي أبداً لكنه مع ذلك يخلق أملاً ومعنىً، الفرد هنا يتحول أداةً لتحقيق هدف سام، فليس من المستغرب بالتالي ألا ينجز الكثير على صعيد امتلاك نفسه كفرد.

وهنالك أطروحة مشتركة أخرى يحب الكثيرون تردادها لنفي وجود بذور للتطرف في سوريا وهي عقد المقارنات بين البيئات القروية الأكثر انفتاحاً و بين المدينة ذات الطابع المتعصب ذي الأحياء المغلقة ( وهو حديث من الناحية الوصفية صحيح جزئياً)، وأكثر مثال تكراراً هنا مثال الفتاة التي ترقص في القرية ممسكةً بيد الرجل، لكننا لو تمعّنا قليلاً في هذه المقارنة السطحية، لوجدنا أنها مقارنة تستند إلى اختلاف كمي في الدرجة ضمن المنظومة الأبوية ذاتها بحكم اختلاف شروط الحياة بين البيئتين، ذلك أن القرية السورية كانت أشبه بعائلة ممتدة حيث الجميع قريب الجميع، مما كان يسمح بدرجة معينة من الاختلاط، وهذا ما يفسر تغير بعض أبناء القرى لدى انتقالهم إلى المدن وتزمتهم إزاء الاختلاط.

أعتقد أن ما شهدته سوريا في الخمسينيات هو إرهاصات تشكل دولة جديدة وليدة، تفتقد بناها إلى العمق التاريخي، وكانت ثمة مؤشرات إيجابية دون شك، واحتمالات كثيرة ممكنة أحبطها الاستبداد لاحقاً.

على العموم لم يبقَ من سرديّة التحرر هذه إلا مثال واحد من الحاضر يطيب لبعض المثقفين السوريين (يساريين وعلمانيين وليبراليين) الاستشهاد به كبارقة أمل هو انتشار المساكنة بين بعض الشبان والشابات في بعض مناطق دمشق، ما أحبّه في هذا المثال هو أنه على الأقل مثال ينتمي إلى الحاضر، ويسشتهد بظاهرة موجودة وحقيقية، لكنه يميل إلى المبالغة والتضخيم، ولا يراعي أن هذه الحالات لا تشكل بعد نسبة إحصائية تذكر، هي في أحسن الحالات تنتمي لثقافة سريّة تعيش على هامش المجتمع.

بالنسبة لي أجد بارقة أملٍ صغيرة، في الشباب في مقتبل العمر الذين بدؤوا بالبحث عن خيارات شخصية، وتعلموا شيئاً من الفردية التي يسميها كهنة الجيل القديم أنانيّةً، وباتوا يتمتعون بالجرأة على القيام بأشياء كثيرة للتسلية والمتعة قد تبدو تافهةً بالمعايير الأيديولوجية والأخلاقية لجيل اليسار الكهنوتي القديم، هذه الفئة الجديدة لم تعد تنصت لأصنامنا في الفن والرواية والأدب، وتتحلّى بنزعة تجريبية؛ تجرّب وتتعلم وتغيّر في نفسها، هذه الفئة بدأت تتشكل في المنافي وفي بعض المدن السورية عبر مخاض صعب وفي واقع قاسٍ ، وكي لا أغالي أقرّ أن ثقافة هذه الفئة من الشباب لم تزل بعد ثقافة هامشيّة، وفي أحسن الأحوال ثقافة فرعيّة.

أجد أيضاً بعض الأمل في جرأة عدد كبير من النساء السوريات على الذهاب إلى المحاكم في أوربا وطلب الطلاق، فلم تعد الأسرة صنماً، ولم يعد الطلاق المحلّل شرعاً والممارس بنمط أرثوذوكسي صنماً، أجد في هذا دليلاً على على رغبة كامنة بامتلاك الذات لم يسمح لها المحيط الاجتماعي والعادات في الداخل السوري بالظهور. وأجد بارقة أمل في توجه عدد كبير من المِثليّين إلى التعبير عن توجهاتهم علناً والمطالبة بحقهم بالمعاملة كبشر لهم حقوق مثل باقي أعضاء المجتمع.

لا شك أننا نحتاج جميعنا إلى إعادة قراءة الماضي، والعثور على نقاطٍ إيجابية فيه كي نبني سردياتنا ونجد معنىً لحياتنا، لكن سردية التحرر اليسارية آنفة الذكر لا تنتج إلا معرفة مشوهة، ورؤية مشوشة للحاضر، أقصى ما يمكن أن تبلغه أن تردد بشعرية مفرطة: آه يا أيام الزمن الجميل! آه يا ليت الزمن الجميل يعود يوماً!


عمار عكاش، كاتب ومترجم سوري، مقيم في اسطنبول.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.