“سراب بري” مَروياتُ الخوف والألم

رؤية بقلم : أسعد فخري
تبدو رواية “سراب بري” لعبد الرحمن مطر في مطالع أناشيدها السردية، حكاية تغرق في الألم، والخوف، وترصد عن كثب مداليل البعد الإنساني لحدوثة الحرية وأثمان التحصل عليها عبر محاولاتها الدؤوبة لمواجهة النسيان من خلال الاشتغال على تذكر أهوال السجن، وتفاصيل يومياته بعناية حاذقة تلفت إلى العديد من المسائل والإشكاليات التي تُعنى بماهية العلاقة المركبة بين السيرية، وفن الرواية كجنس أدبي له مكانته في المقروئية الراهنة.
في مدخل الفصل الأول من الرواية، تحتل صورة الثورة السورية مكانتها داخل الهول والموت على أشدهما، صورة بالغة الألم، وهي ترسم مشهد الطائرات الحربية لحظة إلقاء حممها في الغوطة الشرقية على البشر والحجر، مشهد يحث الخطى نحو إدراك الهاوية، ويرسم صورة العدوان، ومفاصل الموت فيه. إنها اللحظة السردية التي اتسعت فيها الرؤية وتجاوزت حدود الزنزانة الانفرادية وحكايات تفاصيل يوميات سجون طرابلس الليبية ودمشق، بحق استطاع الروائي عبد الرحمن مطر التعبير عن الموت بوصف آلامه ومراثيه دون أن يغفل عن استكمال حدوثة السجن والاعتقال ولقاء من كانوا معه في زنازين النظام السوري، ومعتقلاته.
في المفصل الثاني من الفصل الأول يُدخلنا الروائي إلى لعبة مواجهة النسيان بتذكر يوميات اعتقاله في ليبيا من أحد الشوارع بطريقة لا تخلو من الاشتغال البوليسي في تفاصيلها، وأحداثها، حيث يُقتاد إلى مكان غامض يكتشف عامر عبد الله بطل الرواية أنه مركز للاستخبارات يتم التحقيق معه وفق جملة من الاتهامات التي بنيت بحذاقة ودربة بدءاً من سفرياته المتكررة خارج البلد مروراً بما يكتبه في مقالاته وبحوثة عن حقوق الإنسان، والحريات السياسية، والحريات العامة.
يحال عامر إلى المحكمة الاستثنائية، ويحكم عليه بالسجن المؤبد بعد أن يلاقي الكثير من العذابات، والإهانة، والألم، والخوف داخل زنازين جهاز الاستخبارات .
في السجن تبدأ تفاصيل مواجهة النسيان حيث ندرك أن عامر عبد الله أحيكت حوله العديد من القصص التي لم يكن يعلم بها، وأن الرجل كان مجرد صحافي، وباحث في الشأن السياسي دون خلفية حزبية أو ايدولوجية، لكن التهم الجاهزة والمركبة وفق معادلة الحاجة الأمنية عادة ما تكون لبوساً موضوعياً يتحقق فيها الاتهام ليغدو اعترافاً صريحاً ووافياً للزج بالمعتقل في غياهب السجون ولربما الإعدام إن تطلب الأمر.
إن التفاصيل الممتدة داخل متون السرد الروائي في “سراب بري” اشتغلت على التنويعات، والتحولات التي ساهمت في تغيير منظور الرؤية واتساع مشهديتها مما غيب عنها رتابة الإيقاع، وتكرار المشاهد، وذلك كان أحد أهم الأسباب التي ساهمت في نمو حالة من التذكر الحاذق في مواجهة نسيان تدوين الألم والخوف اللذين كانا أحد أهم المفارقات ضمن لعبة التداعي السردي الذي حرص الروائي على أن يكون بارعاً في تفاصيلاتها، ووقائها.
لكن إشكالية “روينة السيرة” في رواية “سراب بري” لم تستطع تجاوز مفهومة كتابة السيرة روائياً إلى درجة أن الروائي انكفأ على تدوين الوقائع “تسجيلياً” داخل السجن شاغلاً الحيز الكبير من السرود بتفاصيل لم تتجاوز في حضورها حدود التعريف بالمكان وأدق تفاصيله ويومياته في الوقت الذي لم يلتفت فيه الروائي إلى إمكانية حقيقية كان النص الروائي يمتلك تأثيثاتها الأولية من خلال ترابط أدوات القمع دخل الدكتاتوريات العربية، فهو لو أحدث نوع من التداخل بين المفاصل السردية بين ما كان يجري في سوريا من حراك وما كان على أشده في ليبيا لكان الأمر اختلف تماما عم تحصلنا عليه من خلال المعاني الكبرى لسرود سراب بري، إذ ستكون المحصلة مقاربة صارخة للتقاليد العمياء دخل الأنظمة العسكرية وتفاصيل القتل فيها.
لكن وعلى الرغم من ذلك تبقى رواية سراب بري من الأعمال التي تستحق الانضمام إلى عائلة رواية السجن في المشهد الروائي العربي الذي فاض بميراث كبير، وهائل من الأعمال التي تسجل ذاكرة الألم والخوف والقلق وتغيب الحريات .

عبد الرحمن مطر

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.