سدّ الفرات المهدَّد بالطوفان… قصة رمز “سورية الأسد”

من صحيفة العربي الجديد اخترنا لكم تقريراً من إعداد محمد أمين يتحدث فيه عن سد الفرات والتحذيرات من طوفانه وجاء في نص التقرير:
 قفز سد الفرات في مدينة الطبقة السورية، خلال الأيام القليلة الماضية، إلى واجهة الاهتمام الإعلامي، العربي والعالمي، إثر تحذيرات جدية من انهياره، ما قد يؤدي، في حال حصوله، إلى كارثة كبرى تحل في شرقي سورية وغربي العراق، تأخذ في طريقها مئات المدن والبلدات والقرى بفعل السيل الجارف الذي سينتج عن الانهيار المتوقع في حال عدم تدارك الأمر بسرعة.
وجمع السد السوريين، موالين ومعارضين، بانتظار انفراجة تزيل الخوف من انهياره، ما قد يفتح بوابات جحيم لم تفتح بعد على سورية، التي باتت برمتها بلاداً منكوبة بكوارث متنقلة، لا يبدو أن المجتمع الدولي جاد في وضع حد لها.
وطيلة عقود، كرّس النظام لدى السوريين فكرة أن سد الفرات “هو من إنجازات ثورة الثامن من مارس/ آذار”، وهي التسمية التي يُطلقها النظام على انقلاب عام 1963، الذي استولى الجيش، بقيادة عدة ضباط من طائفة معينة، من خلاله على السلطة في عام 1966، ولا يزال حاكماً للبلاد حتى الآن.

لكن مصادر مطلعة تشير إلى أن تفكير الدولة السورية ببناء سد على نهر الفرات بدأ بعد استقلال البلاد عن فرنسا في 1946، لكن ظلت مجرد أفكار يتم تداولها على نطاق ضيق، حتى خمسينيات القرن الماضي، إذ تم تكليف شركة فرنسية بوضع دراسة لإقامة السد، لكن الأحداث التي عصفت بالبلاد لم تسمح بتطوير المشروع الذي عاد للواجهة إبان الوحدة مع مصر (1958-1961).

وكان الرئيس المصري الراحل، جمال عبد الناصر، ينوي بناء سد في سورية بعد الانتهاء من بناء السد العالي في مصر، لكن الانفصال بين الدولتين جمّد المشروع حتى 1966، إذ تم الاتفاق مع الاتحاد السوفييتي آنذاك على بناء سد على نهر الفرات، شمال قرية صغيرة في ريف الرقة الغربي، اسمها الطبقة.

وقد وجد الخبراء أنه أضيق مكان يمكن فيه إقامة سد كبير في سورية، ما اعتبر في حينه نقلة هامة في اقتصاد البلاد. وفي عام 1968 بُدئ العمل فعلياً في السد، بمشاركة نحو 13 ألف عامل ومهندس وفني تحت إشراف خبراء روس، إذ تم ردم أول متر في جسم السد. وفي نوفمبر/ تشرين الثاني من العام 1970، استولى الرئيس السوري الراحل، حافظ الأسد، على السلطة في البلاد بانقلاب عسكري، فوظّف بناء السد سياسياً لترسيخ سلطته، واستحدث وزارة لسد الفرات في الحكومة في ذاك العام، الذي شهد بالفعل تسارع العمل في السد بشكل ملحوظ. وفي يوليو/ تموز 1973 تم تحويل مجرى النهر ليمر عبر المحطة الكهرومائية، ولتبدأ بعدها مرحلة التخزين في البحيرة. وفي مايو/ أيار 1974، تم تشغيل أول مجموعة توليد للكهرباء في سد الفرات، واكتمل تشغيل المجموعات الأخرى في 1978. واختار حافظ الأسد يوم 8 مارس من ذاك العام للاحتفال بانتهاء العمل في سـد الفرات، في محاولة لزرع فكرة أن هذا السد الكبير هو من إنجازاته، وخصوصاً أن ذلك العام شهد أولى حركات التململ من الحكم العسكري الذي بدأ يضغط أمنياً على السوريين، ويكشف عن وجهه الطائفي، إذ بدأ الأسد الأب بترسيخ حكم الحزب الواحد، والطائفة الواحدة، والتي دفع السوريون أثمانها الباهظة حتى عام 2011 الذي شهد بداية ثورة لا تزال تحاول إزالة هذا النظام.

ويحتجز سد الفرات بحيرة يصل طولها إلى نحو 80 كيلومتراً، وعرضها في بعض الأماكن يصل إلى نحو 5 كيلومترات، ومحيطها 200 كيلومتر، ومساحتها 640 كيلومتراً مربعاً، ويبلغ حجم التخزين فيها 14.1 مليار متر مكعب، وتتفرع منها قنوات تروي مئات آلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية، تزيد على 640 ألف هكتار، وفق أرقام رسمية. كما كان السد يولد طاقة كهربائية بحدود 2.5 مليار كيلوواط ساعة سنوياً، وساهم في تنظيم مجرى نهر الفرات، ودرء أخطار فيضانه. ويتألف جسم السد الترابي، وفق معلومات رسمية، من الرمل والحصى، بطول 4500 متر، وعرضه عنـد القاعدة 512 متراً، وعند القمة 19 متراً، وارتفاعه 60 متراً، وطول الجناح الأيسر للسد 150 متراً، ومنسوب قمته 305.5 أمتار، وارتفاعه الأقصى 15 متراً. وبني المفيض بين السد الرئيسي والجناح الأيسر، وهو مندمج مع المحطة الكهرومائية ويقع فوقها، ويتألف من ثماني فتحات مزودة ببوابات حديدية أمامية وخلفية قوسية، يبلغ عرض الفتحة 15 متراً، وارتفاعها 14 متراً. ويبلغ الارتفاع الأقصى للمفيض 75 متراً، وطاقـة تصريفه 19 ألف متر مكعب بالثانية، وطوله الإجمالي 250 متراً. وتعد المحطة الكهرومائية جزءاً أساسياً من سد الفرات، وهي كانت من أكبر المحطات التي تولد الطاقة الكهربائية في سورية. ويبلغ طول المحطة 273 متراً، والارتفاع الكلي من أخفض نقطة 80.7 متراً، تتألف من ثماني مجموعات توليد مائية، مزودة، كل منها، بعنفة مائية من نوع كابلان، تولد الواحدة منها 110 ميغاواط، وبإنتاج سنوي من الطاقة يقدر بنحو 2.5 مليار كيلوواط.

وشكل سد الفرات نقلة نوعية في حياة مجتمع قروي قبلي بسيط، يعيش على هامش الحياة السورية، بكل تجلياتها. وتسببت البحيرة الكبيرة في محو أماكن تاريخية هامة في المناطق التي غمرتها، كما أزالت قرى عدة، جرى نقل سكانها إلى محافظة الحسكة، في أقصى شمال شرقي سورية، وجرى تعويضهم بأراضٍ جديدة. وكان نهر الفرات، قبيل بناء السد، يرتبط بذهن القاطنين على ضفتيه بـ”الجبروت والقوة”، ويُوصف بـ”السلطان”، لكن السد روّضه، وحدّ من آثار فيضانه في أشهر الربيع. ووثق المخرج السوري الراحل، عمر أميرالاي، الآثار السلبية لسد الفرات على المنطقة التي غمرتها البحيرة من خلال فيلمه التسجيلي الشهير “طوفان في بلاد البعث”، والذي أنجزه في العام 2003، ومنع النظام عرضه في سورية. ورصد أميرالاي التحولات الكبيرة في حياة سورية المعاصرة منذ استولى حزب “البعث” على السلطة منذ 1963، خصوصاً في الريف السوري الفقير الذي تأثر بإقامة سد الفرات. وفي جرأة لم يسمح بها النظام، ألقى الفيلم الضوء على الثقافة التي زرعها النظام في أذهان الأطفال السوريين، والتي ترسخ فكرة أن سورية، بكل حضاراتها العريقة، باتت تختصر بشخص واحد هو حافظ الأسد. واليوم يترقب السوريون الأنباء التي ترد عن سد الفرات، ويبدون خشية من طوفان جديد في بلاد لم يعد “البعث” سيدها، لكنها باتت أسيرة ثقافة جديدة غير بعيدة عن ثقافة هذا الحزب.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.