ست نساء… حيوات ما بعد رحلة اللجوء

62
الأيام السورية؛ كفاح زعتري

ست نسوة من جنسيات مختلفة، اجتمعن بغرفة واحدة، لم يكن الوقت مناسب للتعارف أو التعرف على المكان، نام الجميع وكانت الساعة الثامنة مساءاً.

نايا واحدة من نزيلات الغرفة 222، طالبة جامعية أنهت سنتها الأولى في جامعة دمشق، وحيدة لأبويها، تقول أنها أتت نزولاً عند رغبه والديها، ووافقت على أمل أن تتمم إجراءات لم الشمل لأمها ووالدها المريض، أما رغبة الأهل بسفرها، فكان بسبب خوفهم على ابنتهم من الاعتقال أو الخطف على الحواجز، لم تكن مشاركة بالتظاهر كما لم يكن لديها موقف تجاه ما يحدث؛ ليست ساذجة أو لامبالية، كانت واعيه وقارئة جيدة، يبدو أنها عاشت تجاذبات من أطراف تحبهم وتثق بهم، ترغب أن تدرس هندسة الطيران في ألمانيا، تعتبر التحدي الأكبر برحلة اللجوء، هو التكيف مع ظروف الإقامة في الكامب. وتضيف هي فترة مؤقتة مهما طالت، يمكن الاحتيال على الوقت وتجاوزها.

ماريا شابة عشرينية أتت من أثيوبيا، تتحدث الإنكليزية بطلاقة، وسيمة وأنيقة، لطيفة ومتعاونة، كانت منزوية بداية ربما لكونها الافريقية الوحيد مع خمس نساء أخريات من الشرق الأدنى. تحدثت عن ضعف فرص العمل في بلدها، عن ظاهرة تعدد الزوجات في الأسر المسلمة.

مليكة وأمها وصديقتها زينب من إيران، لم يعانوا مشقة ومخاطر السفر غير القانوني. بمجرد غادروا الطائرة غيروا “اللوك الإيراني” الذي كان أحد القيود المفروضة عليهن. تقول مليكة: الممنوع أكثر من المباح، حتى الخيارات في المقاهي محدودة، تضيف: “لكننا نعيش حياتنا كما نريد، على أن لا يكشف أمرنا”. كن مسلمات، وبحكم العادة كن يستخدمن مفردات إسلامية، سرعان ما ينتبهن بأن عليهن استخدام مفردات نصرانية كونهن غيرن ديانتهن.

التشدد والعصبية وتقييد الحريات، أخرج الناس عن طورهم وعن دينهم، ومن ثم يرمون باللائمة على الغرب الذي يفسد النفوس والعقول.

أحدث نفسي؛ “التشدد والعصبية وتقييد الحريات، أخرج الناس عن طورهم وعن دينهم، ومن ثم يرمون باللائمة على الغرب الذي يفسد النفوس والعقول.” مليكة ترغب بدراسة الطب، زينت تحب العمل كصيدلانية وتريد دراسة الصيدلة، أم مليكة ترملت قبل 11 سنة، تقول الحياة قاسية في إيران، الأسعار غالية جداً، النَفَس محسوب علينا، ترغب في الارتباط برجل تحبه ويحبها.

رشا شابة سورية في بداية العشرين، وحيدة أبويها، كانت مستوحشة، تشعر بالغربة والحنين، تبكي كطفلة صغيرة فقدت شيء يخصها، تتواصل مع أهلها بواسطة الرسائل، كي لا يسمعوا صوتها المتهدٍّج ويكتشفوا حزنها، أرادت أن توهمهم بأنها سعيدة وكل شيء حولها جميل. غادرت عالمها الصغير وقذفت بنفسها في “مجاهل أوربا- وفق تعبيرها-” لتبني مستقبلها بعد أن أوصدت كل الأبواب أمامها، ولم يتبق أي خيار آخر. ترغب بدراسة الهندسة الجينية والعمل في مجال البحث العلمي.

بعد ما يقارب أربع سنوات في ألمانيا، نايا حصلت على إقامة سنة واحدة بعد سنة ونصف من وصولها إلى ألمانيا، تبين أنه لا يمكنها لم شمل أهلها، أرادت العودة إلى دمشق، أصر أهلها على بقائها رغم شوقهم لها، لأن الأسباب التي دفعتها لترك سوريا لا تزال موجودة وعليها البقاء حيث هي. أخبار والدها الصحية لم تكن مطمئنة، لم تكن قد تمكنت بعد من دخول الجامعة. اشترت بطاقة طائرة إلى بيروت ومنها إلى دمشق دون أن تعلم أهلها. وفاجأتهم بوصولها.

ماريا انقطعت أخبارها تماماً، يبدوا أنها غيرت رقم الموبايل والواتس اب، كذا فقدْت رابط صفحتها على الفيس بوك.

لدي غصة أني غادرت بلدي ولم أعرفه بعد، لكني لا أرغب في العودة إليه. بعد الدمار الواسع وانكسار النفوس، بعد إفقار الناس وسلبهم انسانيتهم، غابت المحبة والطيبة وكل ما هو جميل. لم أعد أشعر بالانتماء.

مليكة تدرس وتعمل في مجال المبيعات وتقيم مع والدتها. وجدت طريق دراسة الطب طويل جداً، وستضطر للانتقال إلى مدينة أخرى، دون والدتها. وهذا الاحتمال خارج المخطط، بالإضافة إلى أنه في ألمانيا يوجد خيارات واسعة جداً للدراسة والعمل، كلها محترمة وتكسب المال، الشاب والفتاة ليس مضطراً لدراسة مجال لا يحبه، تنفيذاً لإرادة الأهل أو كونه يحقق دخل أعلى.

زينب تدرس وتعمل في شركة القطارات، أعجبها هذا المجال، يعطي ميزات كثيرة وهو ممتع ومثير. أما أم مليكة فتعمل اليوم بمركز لرعاية المسنين، لم تحظ بعلاقة جادة ولا تزال تبحث عن الحب، تقول في مجتمعنا لا يرغب الرجل الارتباط بامرأة في الخمسين من العمر، يفضلون تمضية بعض الوقت فقط، عندما لا ترغب بهم النساء الأصغر سناً، تضيف “وإن كنا نقيم في بلد أوربي ونظام سياسي مختلف ومجتمع مختلف وتقييم مختلف للمرأة والعلاقة معها، إلا أننا بعلاقاتنا وتفكيرنا وتعاملنا مع بعضنا، فإننا ننتمي إلى مجتمعنا بكل ما فيه من تناقضات.

رشا تدرس وتعمل في دائرة حكومية، تقول أخيراً بدأت أشعر بالاستقرار. لم تكن السني الأربعة التي مرت سهلة، الغربة قاسية بكل المقاييس، تتغير الطباع والأمزجة، أيضاً الأحلام.

ما بين صبية صغيرة أتت من مجتمعها الصغير والذي تصفه “مجتمع مفلتر” تحمل معها أحلام الأهل وليس حلمها، تريد أن تسعد أهلها وأن لا تخيب أملهم، وتنسى ما يسعدها ويرضيها.

الواقع الجديد بحلوه ومره، يصقل الشخصية ويرفع مستوى الوعي بالذات، كما يرفع مستوى الترقب والحساسية تجاه الود والعنف بنفس القدر. معتمدة على نفسها، مجتهدة في عملها ومحبوبة من زملائها وزميلاتها. تقول “لدي غصة أني غادرت بلدي ولم أعرفه بعد، لكني لا أرغب في العودة إليه. الفرق كبير في التعامل بين الناس على الصعيد الشخصي والعام، وبعد الدمار الواسع وانكسار النفوس، ودعوة كل من هب ودب ليتحكم بالعباد، بعد إفقار الناس وسلبهم انسانيتهم، غابت المحبة والطيبة وكل ما هو جميل. لم أعد أشعر بالانتماء”.

 

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.