سباق التحالفات الزائفة

تحالفات سريعة بين فصائل الداخل السوري بعد مؤتمر استانا أسفرت عن ولادة كيانين مختلفي الرؤية أدت في النهاية للتصادم والحرب فيما بينها، فمن سينتصر؟

الصورة من مظاهرات اليوم /الثورة مستمرة/

نصّار نصّار

قبل فترة ليست بالبعيدة أسفر المشهد الفصائلي في الداخل السوري عن ولادة كيانين كبيرين هما: هيئة تحرير الشام (النصرة سابقاً) وحركة أحرار الشام الإسلامية، وكان لكل منهما منهجه الذي راح يروج له ويستقطب لأجله من استطاع من فصائل الساحة، فأما تحرير الشام فكانت تنطلق في مشروعها من أُسسٍ إيديولوجية سلفية جهادية وتسعى بناء عليها إلى إعلان قيام الخلافة في بلاد الشام انطلاقاً من إسقاط النظام، في حين تبنت أحرار الشام شعار (ثورة شعب) فكان مشروعها الوطني الذي يبدأ بالإطاحة بالنظام السوري ومن ثم بناء المؤسسات وإقامة دولة الحرية ذات المرجعية الإسلامية في سوريا.

يومها بدا في الظاهر وكأن الساحة قاب قوسين أو أدنى من الوصول للهدف الذي لطالما نادى به الكثير وعمل له القليل، ألا وهو جمع شمل الفصائل المبعثرة التي يعمل كل منها لتحقيق أجندته الخاصة في جسم واحد.

لكن السؤال المطروح هنا وبناءً على مستجدات الواقع الذي نراه اليوم من حرب البيانات وقطع الطرقات والقتال الدائر بين الطرفين. أضف إلى ذلك حالة التفكك والتشرذم والخلافات الداخلية حتى ضمن الصف الواحد.. ترى ما الذي دفع تلك الفصائل وبشكل متسارع لحركة التوحد القوية يومها؟ أهو الخوف من بعضها البعض أم هو الثقة فيما بينها والإيمان بحتمية توحيد العمل لتحقيق الأهداف المشتركة  أم أن هناك أسباباً و دوافعاً آخرى؟

ثم ما هي دواعي هذا التفكك الملحوظ وحركة الانشقاقات والتخبط بين هذين الطرفين…؟

ربما كان من الممكن القول إن دافع الفصائل للتوحد كان الثقة والإيمان بحتمية العمل المشترك للوصول إلى الهدف المنشود، فيما لو رأينا آثار ذلك تنعكس إيجاباً على أرض الواقع بعد مضي فترة من الزمن كانت كفيلة وكافية لأن تأتي الوحدة أكلها، على عكس ما هو قائم اليوم من خلافات وضعف وتراجع. ربما كنا استطعنا القول بإيمان الفصائل المشكلة لكلا التكتلين بضرورة الوحدة كبداية للنصر فيما لو ذابت المسميات ورموز الفصائل ضمن التكتل الجديد وظهورها باسم واحد مشترك.

أما وإن الحال أفضت لما نراه اليوم من حرب ومن سوء للأحوال على شتى الصعد فلا يمكن أن نحكم على ما حصل إلا على أنه اندماج بالقوة الناعمة، أو بعبارة آخرى هو تكتل لم يكن دافعه في الحقيقة إلا الخوف من الآخر وانعدام الثقة به، خوف الأضعف من تفرد الأقوى به مما دفعه للانضمام لمن يلوذ به ويحفظ نفسه من التفكك والضعف ويأمن سطوة الآخرين عليه.

ساعد على ذلك ومهد له مجموعة من الأسباب والدوافع التي لا يمكن فهمها بعيداً عن مؤتمر أستانا وتداعياته3، الذي تمايز من خلاله الفريقان ممن حضر وممن لم يحضر، وأدى ذلك في نهاية المطاف لاستقطابات حادة بين الفصائل التي شاركت والأخرى التي رفضت وبدأت تكيل الاتهامات بالتآمر والردة للطرف الآخر.

ومهد له حملة إعلامية خبيثة للتحريض والاتهامات المتبادلة بين الفصائل إزاء ما نتج عن معركة حلب من تراجع، وتلا ذلك أيضا حملة عسكرية أخبث استهدفت عناصر فتح الشام من قبل طيران التحالف مما عزز حجج فتح الشام وشجعها أكثر للمضي قدماً في استخدام السلاح والانقضاض على من تراهم عملاء للخارج وهم (الموقعين في الأستانة على محاربتها من فصائل الجيش الحر وغيره). وخاصة بعد ما شهدته تلك المرحلة من انضمام فريق من الفصائل (الضعيفة) إلى حركة أحرار الشام الإسلامية (القوية) خوفا من ابتلاعها من قبل فتح الشام (القوية).

غير بعيد عن كل ذلك فلم يؤل الحال بفتح الشام عشية بدء حركة التكتلات المذكورة إلى الخروج من عزلتها وتخوفها المستمر من التصنيف على قائمة الإرهاب فكان لابد أولاً من:

ـ تأمين مصدر للسلاح المتوفر في مستودعات من تخوفت أن يستخدمه ضدها (جيش المجاهدين) فيما لو تطورت الأحداث وهو السيناريو الأسوأ وفقا لما تراه.

ـ محاولة رفع التصنيف على قوائم الإرهاب عن نفسها بشتى الطرق ومنها مثلاً القبول بانضواء عدد من الفصائل المحسوبة على الموك (الزنكي ولواء الحق وجيش السنة) في صفوف تكتلها.

ولربما لا يخفى على متتبع للأوضاع وجود أطراف إقليمية ودولية ساهمت بالدفع لمثل ذلك الاندماج عندما أوحت ـ ولو بشكل غير مباشرـ لإمكانية تجنيب هذا الحلف من التصنيف ونجاته من الاستهداف فيما لو مضى بهذا الطريق.

الصورة من مظاهرات الداخل ترفع علم الثورة بعد القتال الداخلي

كل هذه العوامل دفعت الفصائل – بالقوة الناعمة – للتكتل ضمن معسكرين متمايزين أصلاً إيديولوجياً بين مشروع جهادي وآخر وطني، ولا شك أن لكل معسكر داعموه ومناصروه من الدول التي تتفاوت مصالحها في سوريا والتي ستنعكس يقيناً على الداخل السوري، مرة على شكل تراشق للبيانات وتبادل للاتهامات كما حصل فيما مضى، ومرة آخرى على شكل تسيير الأرتال والحروب الحقيقة بين الطرفين كما هو واقع حالنا اليوم.

المصادر:

مركز الشرق العربي

المدن
العربي الجديد

الجزيرة نت

المركز العربي لأبحاث ودراسة السياسات

مصدر مركز الشرق العربي الجزيرة المركز العربي لأبحاث ودراسة السياسا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.