ساعة الرمل لسعود الصاعدي.. رواية مكتوبة بشغف الشرق بالغرب والغرب بالشرق

هل فعلا الشرق بقي ممتلئاً بالروحانيات والإيمان بذات القدر الذي تظهره الرواية؟ أم أصبح ممتلئاً بأنماط حياة موغلة بالتقليدية والتخلف احيانا؟!! أم التشبه بالغرب إلى درجة فقدان الهوية؟!! أم أصبح مسكوناً بعنف الاستبداد والقمع وفقدان الحرية والعدالة؟!!

135

الكاتب: سعود الصاعدي.
قراءة: أحمد العربي.
الناشر: أثر للنشر والتوزيع./ط١، ورقية، ٢٠١٢م.

سعود الصاعدي روائي سعودي متميز، هذا أول عمل روائي نقرؤه له.

ساعة الرمل، رواية يعتمد فيها الروائي على صوتين متناغمين في السرد الروائي، الراوي الذي يسمي نفسه جبل نسبة الى جبال مكة المكرمة، حيث ولد وعاش طفولته وحياته كاملة، وصوت آخر لفتاة في الطرف الآخر من الدنيا في انكلترا، اسماها تيبل، حيث ولدت وترعرعت في لندن في أجواء متدينة مسيحية وكانت ترعاها جدتها وتصحبها معها إلى الكنيسة صباح الأحد لأداء الصلوات. تعتمد الرواية على تناوب الصوتين وتناغمهما وتكامل أحداث الرواية من خلال تبادل الرسائل بينهما عبر البريد الإلكتروني، حيث تصل أخيراً لحضور تيبل إلى الجزيرة العربية ومعايشتها للصحراء والأماكن المقدسة في مكة المكرمة والمدينة المنورة.

تبدأ الرواية من جبل وهو جالس على طاولته يدبج رسالة إلى تيبل، فتاة مفترضة هناك في إنكلترا، يتفاعل معها ويناقشها في كل شيء تقريباً. جبل يتحدث عن طفولته في مكة. مكة المكان المقدس عند المسلمين حيث الكعبة قبلتهم، وحيث يحج لها المسلمون كل عام، البيت المعمور والطواف حول الكعبة والسعي بين الصفا والمروة، الذي لا يتوقف على مدار الساعة كمعجزة حاضرة كل الوقت، على مدار الزمان، مكة التي حضر إليها النبي إبراهيم عليه السلام ومعه زوجته هاجر وابنه الطفل اسماعيل، سائلا الله ويرتجيه: يا ربي إني قد أسكنت من ذريتي في واد غير ذي زرع عند بيتك الحرام، ربي اجعل أفئدة من المؤمنين تهتم بهم وتأتي إليهم، وارزقهم من الخيرات… إلخ، كل ذلك وارد بالقرآن الكريم. عطش الطفل اسماعيل وركضت أمه هاجر بين الصفا والمروة باحثة عن الماء، تدفق ماء زمزم وشرب الطفل وأمه، ثم كيف أصبحت مكة البلد الآمن ومركزاً دينيا يأتي إليه الناس من كل بقاع الدنيا. قبل الإسلام وبعده. كل ذلك حاضر في ذهن جبل ابن مكة، مكة الممتلئة جبالاً وأودية تؤدي كلها إلى مركزها حيث الكعبة المشرفة، يستعيد جبل طفولته في حضن أحد جبالها، وتردده إلى احدى مدارسها مع غيره من الأطفال.

كبر جبل وأخذ يقارن بين المسلمين والإسلام مع الغرب والاختلاف في كل شيء تقريباً. يرسل رسائله إلى تيبل موضحاً لها خصوصية الجانب الروحي الحاضر عند المسلم ابن مكة؛ الإحساس بحميمية العلاقة بين المسلم وربه، بين الأحياء والأموات، يمر على البقيع حيث يُدفن أموات مكة في ذهابه وإيابه، يسترجع ذكرى والده المتوفي، ويفكر أنه بين يدي حكيم عادل.

يحدث تيبل عن الغرب الذي تقدم في كل شيء علمياً، وأصبح المسلمون بحاجة لجميع ما صنع الغرب، ليواكبوا حياة تفوقوا بها كثيراً عن المسلمين. يحاول جبل أن يفاضل بين روحانية الإسلام ومادية الغرب، يحس بتميز المسلمين بذلك، لكنه يقر بتخلف المسلمين عن الغرب في أمور الحياة الأخرى.

أما تيبل فقد حاورته حول حياتها في بلاد الماء والخضرة والثلج، مقابل بلاد الصحراء والماء النادر والرمال والشمس الحارقة، والأرض الجرداء الممتدة. حيث هو يعيش. تيبل تنتمي لمجموعة من الطلبة الذين يدرسون الجزيرة العربية والإسلام وروح الشرق. مجموعة صغيرة مع معلم مختص في تاريخ الشرق، يبحثون عن روح الشرق وخصوصيته.

هذا إضافة لرسائلها المتبادلة مع جبل عن كل ما التبس عليها. هي تنقل لجبل صورة لواقع حال إنكلترا ولندن حيث تعيش، حيث تتميز بأشجار الصنوبر الممتدة في كل مكان قياساً بالجزيرة العربية وتميزها بشجرة النخيل، حيث قررت أن تكتب بحثا عن تلك الشجرة وتقدمه لأستاذها والمجموعة.

جبل ينقل إلى تيبل تفاصيل حياته اليومية في مكة. جبالها أمطارها السيليّة، وكيف تغور في الأرض، الأجداد وقدرتهم على تحديد مخزونات الأرض من مياه الأمطار ومكانها في الأعماق، كيفية استخراجها عند الحاجة، الصحراء صنو الاحتياج للماء، فحيث غياب الماء تغيب الحياة.

يتحدث جبل عن انتقاله إلى السكن في حي آخر جديد في مكة، وبنائه بيتاً جديداً. يتحدث عن الإعمار الهائل حول الحرم، يتحدث عن برج الساعة الشامخ المطل على الحرم المكي، مناظراً برج ساعة بك بن في لندن.

إنه ازدواج الحضارة مع أصالة بيت الله الحرام في مكة المكرمة. ممتلئ جبل نفسياً بأنه ابن مكة المكرمة، ابن للإسلام، هنا حيث ولد محمد الرسول ص وهناك في المدينة المنورة ذات النخل التي استقبلته بدعوته وكانت البلاد التي رعت الإسلام ونموه وامتداده، ثم عودته إلى مكة فاتحاً بعد أن نصر الله المسلمين وهدى أهل مكة للإسلام. كل ذلك حاضر في ذهن جبل ويعيش معنوياً عليه.

من جهتها تيبل وفريقها فقد حصلوا على فرصة سياحة كباحثين في الآثار في صحراء الجزيرة العربية. من سوء حظهم وفاة أستاذهم. لكن ستأتي المجموعة كاملة في هذه الرحلة تيبل ورفاقها السبعة، ككل المستشرقين على خطى لورنس العرب من شمال الجزيرة العربية حيث يدخلون من الأردن إلى شمالي السعودية ويتوجهون جنوباً متشبعين بالصحراء كما هي وليس كما درسوها.

يتحركون ببطء ليصلوا إلى المدينة ومكة إن أمكن. بالمقابل يتابع جبل رسائله الإلكترونية على الإيميل إلى تيبل لعلهما يلتقيان في نقطة ما على أرض الجزيرة العربية تتويجاً للقائهما على وسائل التواصل الاجتماعي والنت عبر الايميل. ليعود الشرق والغرب للقاء يتكامل به كل بالآخر.

تنتهي الرواية وتيبل تتوجه جنوباً إلى الأماكن المقدسة في المدينة ومكة. وجبل يتوجه شمالاً من مكة إلى المدينة المنورة، ويتابع رسائله إلى تيبل لعلهما يلتقيان.

في تحليل الرواية نقول:

نحن أمام رواية مكتوبة بشغف الشرق بالغرب والغرب بالشرق، شغف كل إلى ما ينقصه ويكمله من الآخر. الغرب المتقدم علمياً وتكنولوجياً، والمحتاج للامتلاء المعنوي الديني، والشرق الممتلئ معنوياً ودينياً والمحتاج إلى تقدم الغرب وسبقه في كل المستويات.

السؤال المشروع هنا: هل فعلا الشرق بقي ممتلئاً بالروحانيات والإيمان بذات القدر الذي تظهره الرواية؟ أم أصبح ممتلئاً بأنماط حياة موغلة بالتقليدية والتخلف احيانا؟!! أم التشبه بالغرب إلى درجة فقدان الهوية؟!! أم أصبح مسكوناً بعنف الاستبداد والقمع وفقدان الحرية والعدالة؟!! وحيث تفقد الحرية والعدالة تتحول الحياة إلى عبودية ومظلومية دائمة، ويصبح هم الناس التحرر واستعادة الكرامة الانسانية وبناء الحياة العادلة، قد يكون شعار الناس للحصول على ذلك العودة إلى الدين كنموذج يحتذى، أو الأخذ بالطرق الغربية لصناعة التقدم، كل ذلك مخارج لمواجهة الظلم من حكام الاستبداد والفساد والتخلف والاستغلال. ثم هل حضور الغرب عندنا ذاك الآخر النموذج الذي يجب أن نقلده، صحيح أنه يتفوق علينا في كل شيء، لكنه هو الغرب المستعمر لبلداننا، الداعم لحكّام الاستبداد والظلم الذين يقهروننا ويستغلوننا، الداعم للكيان الصهيوني في فلسطين. المستثمرين لخيرات بلادنا وأولها النفط. الغرب للأسف نموذج للعدو داعم الأنظمة ومستثمرها لمصلحته وراعي الضعف والتخلف وداعم استمرار الشعوب مستعبدة ومتخلفة. هكذا تأكد حضوره عبر قرن من الزمان وأكثر وتأكد دوره بدعمه لردات الأنظمة العربية على الربيع العربي ودعمه لهم لقتل ذلك الربيع ومعه جذوة الحرية والعدالة عند شعوبنا العربية.

أما نفحة الروحانية عندنا المستمدة من إسلامنا فهي ليست أكثر من غطاء لردات متنوعة عند شعبنا، حق الجهاد عند البعض، الهروب إلى التصوف عن البعض، القبول بالمكتوب عند البعض، انتظار العودة إلى الله لتحقيق العدالة عند البعض. أما تقدم الغرب فهو نموذج للهيمنة والسيطرة علينا كشعوب. هناك البعض ممن يستفيد من التقدم التكنولوجي ليعيش حياة رفاه مزيف على بحر واقع عربي متخلف.

أخيراً، نعم مطلوب أن تتزاوج ايجابيات الشرق والغرب، نعم ذلك صحيح من باب الأمنيات، لكن مع معرفة واقعنا، وليس أن تتحول الأماني إلى إبر تخدير عن حقيقة الواقع الصراع من الغرب والأنظمة ضد شعوبنا الضحية والمضحية منذ عقود.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.