سارة.. حينما تسرق الدول الذكريات والأحلام

موت سارة يستحق مني أن أنهض… وأتمرد على الدول التي سرقت منا أغلى ما نملك… مشاعرنا الانسانية، ذكرياتنا… أحلامنا… والكثير من أحبتنا.

154
الأيام السورية؛ راميا مستو

لم تعد فكرة بناء الصداقات تشكّل هاجساً بالنسبة لي، حتى أنني بدأت ألاحِظُ تدفق أفكارٍ غريبة في رأسي، أصفها أحيانا بالمشوّهة، والغريب بالأمر هو تمسكي بتلك الأفكار ودفاعي عنها وكأنها أفكاري… رغم أنني لا أعرف كيف تشكّلت ومتى استوطنت في رأسي…

في موضوع العلاقات الإنسانية لم يعد عندي رغبة في بناء أي جديد، رغم أنني أجد نفسي بين الحين والحين متورطة وبشدة باِحداها، يبدو أنه صراع جديد دخل حياتي بين طبيعتي الاجتماعية وأفكاري التي تقودني نحو شيء يشبه الانعزال.. إذ لا أجد له أية تسمية أخرى…

أمارس عملي التكراري اليومي في أحد مستوصفات اللاجئين السوريين، أكتب في اليوم وصفات طبية لما يقارب التسعينَ مريضاً.. كثيراً ما تبدو وصفاتي متشابهة، أحيانا أنسى أن أنظر في وجه مريضي.. الذي اعتاد هو الآخر أن يقتضب كلماته، ليخرج من الغرفة ربما سعيداً لأنه استطاع إقناعي أن أكتب له ما يريد، وربما منفعلاً لأنه لم يظفر سوى بعلبة حب “سيتامول”.

قليلاً جداً ما يوقظني استفسار أحدهم، لأعود مجدداً إلى الطبيبة التي قضت سنواتٍ ليست بقليلة بين الأبحاث والمراجع العلمية، لتكون يوما المتميزة بمهارتها …

ولكن، ما تلبث جرعة المورفين تلك أن تزول مع مريض جديد وعلبة “سيتامول” جديدة  ..

على طاولة مكتبي توجد مرآة صغيرة، استرقُ من خلالها النظرَ إلى وجهي أحيانا، فأجد في عيناي نظرة اللوم والعتاب…

كيف لعيناي أن تعاتباني وهما تريان عدم حيلتي، ماذا يمكنني أن أفعل؟ هل أنتفض وأخبر الجهات المسؤولة أن كرامتي كطبيبة باتت مهدورة وأنا أخصص لكل مريض دقائق لا تصلح سوى لتثبيت رقمه وفتح فمه وإعطاءه بعض ما يُسكن ألمه؟…

وماذا لو قالوا لي انتهى عقد عملك؟ ألا يمكن أن يحدث هذا؟، نعم يحدث… ولكن أحيانا بصورة مختلفة لا تشبه كل ما يُتوقع.

مُدخلة بيانات بهيئة طبيب… هذا أصدق توصيف لما أعمل .. وربما لأمتلك أيضا صفة أخرى، فأنا رقم في ملف اللاجئين السوريين …

أيقظني من شرودي صوت أحدهم وهو يسألني أن أستعجل أكثر، كي يعود إلى عمله قبل أن يقتطعوا منه يوميتَه… هو أيضا رقم ولكن في مكان آخر… وبشروط أخرى…

ينقضي يومي ليبدأ الآخر.. وأنا أمارس ذلك الطقس، وحيدة …..

حولي صديقات جميلات أسعد جداً برؤيتهن، ولكن تمتلكني سعادة أكبر عندما لا أرى اِحداهن.. ربما خشية أن يسألنني عن حالي، إذ أصبحت لا أرغب بمعرفة أحوالي …

إنه فعلاً لأمر غريب كيف يمكن أن يكون الإنسان سعيداً بفعلين متناقضين..

لماذا نبني الصداقات ما دمنا سنتخلى عنها يوماً أو تتخلى هي عنا؟

متى أصبحت مشاعري مضطربة هكذا وكيف للحب واللا حب أن يجتمعا معاً في قلب واحد وفي زمن واحد؟

في عطلتي الأسبوعية التي غالباً ما أقضيها في النوم بعيدة عن ضوضاء المدينة، وكل الوجوه التي تذكرني بوجودي الرقمي كلاجئة لا تمتلك سوى حق السير في مشروع الطرف الآخر.. لا أكثر…

في بيتي البعيد وعطلتي المُنتظرة

رفعت هاتفي المحمول أتفقده دون أن أفتح صفحات الأخبار خشية أن أصاب بخيبة جديدة هذا الصباح…

وجدت على صفحتي البريدية رسالة من صديقتي لادن الإيرانية، تخبرني أنها ستزور إسطنبول في عطلة قصيرة وتود لو أنها تراني …

قضيت ولادن وسارة سبع سنوات دراسية على مقعد واحد في جامعة أصفهان الإيرانية… يملؤنا الفرح بعد النجاح في الامتحانات لأننا سنتقدم معاً في العام القادم… كنا نخشى الرسوب كي لا نفترق  …

تسألني بلهفة هل سنلتقي مجدداً بعد تسع سنوات من الغياب ..

أجيبها ببرود.. لا أعتقد أنني أستطيع.. لا أمتلك الوقت. قلت ذلك باقتضاب شديد.

لماذا لم أخبرها عن إذن السفر الذي لا يُسمح لنا التنقل بدونه، عن تكلفة السفر التي لا أملِكها، وعن مرضاي التسعون الذين ينتظروني لأكتب لهم حبوباً تخفف ضغطهم وقهرهم.. لماذا لم أحدثها عن الشام المُحتلة من قبل حكومة وطنها… لماذا اكتفيت بكلمة الوقت …

لم أستطع أن أنهي المراسلة قبل أن أسألها عن سارة.. الفتاة المتمردة الثائرة.. تلك التي كان لها دور بارز في الثورة الإيرانية الخضراء.. سارة التي نزعت مِقنعتَها (حجاب الرأس) أمام أمن الجامعة لأنها ترفض أن تجبر على شيء… سارة التي كانت تغتاظ من مواقف بلادها الداعمة لحزب الله وهي ابنة العِشرين عاما …

سارة التي تعيش في جميع لحظاتي منذ أن صار اسم ابنة أخي سارة.

لا، لا يمكن للثورة أن تتجزأ وللقضايا أن لا تكون إلا عامة   ..

لا لن أحدث سارة ولن أسأل عنها في أي يوم… طالما أنها لم تأبه لثورة الشعب السوري، طالما أنها جزّأت بين الثورات… طالما أنها لم تسأل عني …

لطالما قلتُ ذلك لنفسي..

ولكن شوقي هذه المرة خذلني …

طال صمت لادن على الطرف الآخر…

أصابني بعض القلق… والخوف… ما لبثت أن بددته قائلة: لادن لا أريد أن تعلم سارة أني سألت عنها ..

كان يجب أن أخبر لادن أني لا أريد التواصل مع إحداهن… وإني لا أريد لذاكرتي أن تستيقظ فترى عدد الشهداء الذين رحلوا في وطني بدعم من نظام بلدهن، ربما أيضا، لا أريد أن يحدثنني عن نجاحاتهن الأكاديمية بينما أنا أكرر وصفة الأنفلوانزا، رغماً عني..

اكتفيت ببعض الحروف المقتضبة وصمتي .

جاءتني كلماتها ثقيلة بحجم كل تلك السنين….

لم يعد هناك سارة… لقد فقدناها، بعد معاناة خمس سنوات مع سرطان المعدة، توفيت سارة .

أي منذ افترقنا… وسارة تصارع الموت الذي أصارعه ولكن بطريقة أخرى… أي أن المرض والقهر والموت هو من أخذ سارة وليس الخذلان… أي أن سارة ما زالت حية في قلبي .

أغلقت هاتفي المحمول ونظرت في وجوه من حولي… لم أذرف دمعة واحدة   …

فموت سارة يستحق مني أن أنهض… وأتمرد على الدول التي سرقت منا أغلى ما نملك… مشاعرنا الانسانية، ذكرياتنا… أحلامنا… والكثير من أحبتنا.


رامية مستو، طبيبة سورية تعمل في مستوصفات اللاجئين السوريين على الحدود السورية التركية.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.