ساحة لصراع الأفكار والاتجاهات.. كورونا ووسائل التواصل الاجتماعي..

مع ظهور وباء كورونا تضاعف استخدام وسائل التواصل الاجتماعي كوسيلة للتسلية والتواصل مع الناس، كما أن البحث عن المعلومات الطبية الجديدة ووسائل الوقاية ومشاركتها تضخم بشكل كبير.

الأيام السورية؛ عمار عكاش

باتت وسائل التواصل الاجتماعي في العقد الأخير الوسيلة الأكثر استخداماً للتواصل والتسلية، ومشاركة المعلومات، وصلت درجة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي حدّ الإدمان حيث يقدر بعض علماء النفس الأمريكيون أن ما بين ٥ إلى ١٠ بالمئة من مجمل مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي في الولايات المتحدة مدمنون عليها.

ومع ظهور وباء كورونا تضاعف استخدام وسائل التواصل الاجتماعي كوسيلة للتسلية والتواصل مع الناس، كما أن البحث عن المعلومات الطبية الجديدة ووسائل الوقاية ومشاركتها تضخم بشكل كبير.

النكوص إلى أفكار غيبية

أثبت الإنسان المعاصر أنه رغم كل التطور التكنولوجي والعلمي، يمكن أن ينكص إلى أفكار غيبية حين يشعر بتهديد، كما أن الهلع الجماعي يسود أمام حوادث طبيعية مفسرة ومفهومة ولا تشكل أي تهديد مثل الكسوف الذي عمّ كثيراً من بلدان العالم في تسعينيات القرن الماضي وترافق مع هلع وإقبال جنوني على التسوق في البلدان المتقدمة.

وهذا إن دلّ على شيء فعلى أن الخرافة والغيبيات ماتزال بضاعة رائجة وتتخذ أحياناً أشكالاً علمية دجليّة (كما هو الحال في الكثير من نظريات الطاقة واليوغا التي تحولت من ممارسة تأملية ورياضية إلى دجل).

حين يجتمع عدد ضخم من البشر في مكان واحد حول موضوع يثير التوتر والانقسام تميل الأمور إلى الخروج عن السيطرة، ألا يحدث ذلك في البرلمانات أحياناً حين يصل الأمر إلى الاشتباك بالأيدي، هذا ما يحدث أيضاً في الفضاء الافتراضي حيث يحتشد الناس افتراضياً، ويشتبكون كلامياً.

وبالتالي ليس مستغرباً هذا الهلع والذعر الذي استجاب به الناس للوباء الجديد، فالذاكرة الجمعية البشرية حافلة بأوبئة قضت على حياة ملايين البشر من الطاعون وسواه، أما حالة الكورونا فهي كفيلة بإثارة ذعر أكبر لأنها تحمل اسماً مماثلاً لأوبئة سابقة كالسارس وأنفلونزا الخنازير وأنفلونزا الطيور، إضافة إلى سرعة انتشار صاعقة للمرض.

وعادة حين يجتمع عدد ضخم من البشر في مكان واحد حول موضوع يثير التوتر والانقسام تميل إلى الأمور إلى الخروج عن السيطرة، ألا يحدث ذلك في البرلمانات أحياناً حين يصل الأمر إلى الاشتباك بالأيدي، هذا ما يحدث أيضاً في الفضاء الافتراضي حيث يحتشد الناس افتراضياً، ويشتبكون كلامياً.

بدأ بعض الناس بمحاولة نشر بضاعتهم الغيبية، فشروط سوق الأفكار والمعتقدات باتت تساعد على ترويج الخرافات والغيبيات، ومروجو هذه البضاعة يدركون بأن الناس حين ضعفها تلجأ إلى الغيبيات، ويعتبرون أن الكوارث تذكّر الناس بالله، ويروجون أن آلهتهم تعاقب الناس عقاباً جماعياً على خطيئة بعضهم مثل القانون السائد في الجيش.

وهكذا ظهرت مشاهد لشيوخ يتحدثون عن أن الله سيحمي المؤمنين، ومن الفيديوهات الصادمة في هذا الإطار مشاهد لإيرانيّين ردوا على دعوات التباعد بلعق قضبان مرقد أحد الأولياء، كما أن البعض الآخر من الشيوخ ذهبوا إلى أن النقاب مَاسْك للوقاية ودليل على أن الإسلام هو الدين الحقّ، وظهر قسيس في لبنان يقول إن الدعوة لعدم تقبيل أيدي القساوسة هي دعوة للناس للابتعاد عن دينهم. كل هذه الفيديوهات ومثيلاتها كان يتم تداولها عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي.

وتحيّنت بعض القنوات التلفزيونية الشهيرة الفرصة لتسويق أيديولوجية مالكيها، مثل قناة الجزيرة التي استعرضت مقالاً نشرته إحدى كبريات الصحف الأمريكية يشير إلى جوانب إيجابية في تعاليم النبي محمد تخص العزل والتباعد أيام الأوبئة، وكان هدف الصحيفة توعية المسلمين وعدم تركهم فريسة للجهل الذي ينشره بعض الشيوخ، لكن طريقة عرض قناة الجزيرة توحي بأن هناك إقراراً بعظمة الإسلام وصحته علمياً وتفوقه. وتم تداول هذا الفيديو على نطاق واسع في وسائل التواصل.

الأخبار المضللة

إضافةً إلى تجار الغيبيات، ثمة أشخاص مهوسون بلفت الانتباه والشعبية، فيقومون بتداول أي معلومة تجذب الأنظار إليهم، فبدأت هنا وسائل التواصل تعج بالأخبار المضللة، بدءً من أساليب التنظيف والمواد المستخدمة في التطهير، مروراً بالترويج بأن الأطعمة الشعبية لشعوب الشرق الأوسط وبيئة القهر والافتقار إلى الرعاية الطبية التي نشأت فيها جعلت أبناءها ذوي مناعة قوية، مثل ما ظهر في مصر من أنّ الفول والثوم والملوخية والليمون أفضل علاج للكورونا، والتغريدة المضللة عن سيدة تركية تدعي فيها أن الرسول محمد زارها في المنام وأخبرها أن السماق هو علاج الكورونا، فهرع في اليوم التالي الناس لشراء السماق، مما اضطر وزارة الأوقاف التركية لأن تعلن عن أنها حققت مع السيدة وتبين أنها تكذب، إضافة إلى معلومات منسوبة إلى جهات طبية لا تخلو من طرافة، مثل أنك لو حبست نفسك ١٠ ثوانٍ دون سعال فهذا يعني أنك سليم (ولكم أن تتخيلو الذعر الذي يصاب به الإنسان إن سعل لسبب ما) وأن شرب الماء بين الفينة والأخرى يقود لدفع الفيروس من الحلق إلى المعدة فتقتله أحماضها وكأن الفيروس شخص يمسك بحافة زحليقة فيأتي الماء ويدفعه إلى هاوية المعدة. عدا عن ذلك ازدهر عقل المؤامرة المهووس عالمياً، وفي العالم العربي امتزج مع الزعيق القومجي عن استهداف العرب، فروّجِت شائعة سخيفة وهي أنه لا وجود لفيروس بل غاز سارين ناجم عن قنبلة استخدمها الأمريكيون في أفغانستان، وعلمت من عدة أشخاص داخل حلب أن هناك عدداً غير قليل من الناس في الداخل السوري، يعتقدون بأن الكورونا عبارة عن كذبة ومؤامرة على سوريا، وأن مناعتهم بطبيعة الحال قوية لنفس الأسباب آنفة الذكر.

الأنكى من ذلك أنني وجدت أناساً متعلمين من سوريا يقيمون في أوربا ينشرون منشورات يعبرون فيها عن انزعاجهم من أسلوب الرعاية الطبية في دولة مثل ألمانيا!، معتبرين أن أسلوب تعامل الأطباء في الشرق الأوسط، وتحول الصيدلي إلى بقال أثبت نجاعةً أيضاً ووفّر نفقات!.

من التوجهات السلبية التي ظهرت أيضاً: قيام بعض الناس بنشر صور لأشخاص لا يراعون التباعد الاجتماعي، وهو أسلوب يقوم على التحقير والفضيحة، ولا يجدي كثيراً بل يمكن أن يأتي بنتائج عكسية لمن لا يكترثون بالتباعد الاجتماعي ولا يعتقدون أن الموضوع يجب أن يؤخذ على محمل الجد خاصة في مجتمعات تقليدية النكاية جزء من الثقافة الاجتماعية السائدة فيها.

جانب إيجابي

لكن رغم هذا الجانب السلبي، لجأت معظم الهيئات والمنظمات الطبية العالمية إلى منصات التواصل لتوعية الناس، وحاول القائمون على وسائل التواصل الاجتماعي تعقب الأخبار الزائفة المتعلقة بوباء كورونا، فجاء في بيان مشترك لمنصات التواصل الاجتماعي فيسبوك وغوغل ومايكروسوفت : “نحن نساعد ملايين الناس على أن تظل متصلة ببعضها، ونحارب معا الأخبار الزائفة والمعلومات المضللة حول الفيروس، وننشر على منصاتنا المضمون الصادر عن السلطات المعنية، ونتشارك التحديثات المهمة بالتنسيق مع وكالات الرعاية الصحية الحكومية حول العالم” . لكن المشكلة أن معظم هذه المنصات تعتمد على الذكاء الاصطناعي والتبليغات بخصوص محتوى معين، فتبقى الكثير من المعلومات المضللة قادرة على المرور أو تتأخر إزالتها.

لحظة يفترض بها أن تكون لحظة وعي تجعلنا نفكر في شكل النظم الاقتصادية والسياسية التي تنفق المليارات على السلاح، ولا تنفق ربع ذلك لمراكز الأبحاث لدراسة كيفية التعامل مع الأوبئة وعلاجها.

كما أن دولاً مثل السعودية وقطر لوحت باستخدام عقوبات قانونية بحق مروجي المعلومات المضللة بخصوص الوباء لأنها تمس الأمن العام (ولو أنني لا أحب هذا المصطلح الذي يحيل إلى قمع سياسي في البيئة العربية).

ودعونا لا ننسى أن وسائل التواصل فضحت أكاذيب دول مستبدة تكذب حتى في أخبار الطقس (على حد تعبير الراحل ممدوح عدوان) مثل إيران بؤرة الوباء في الشرق الأوسط، والنظام الصيني الذي يتحمل مسؤولية كبيرة في كل ما حصل.

لا حل سوى الاستجابة المنسقة بين دول العالم

في النهاية لا حل سوى الاستجابة المنسقة بين دول العالم كما حدث أيام كارثة تشيرنوبيل حين مارس النظام السوفييتي الكذب، لكن الاستجابة العالمية المنسقة ساهمت في تطويق آثار الكارثة. إننا نعيش في لحظة مهمة في الحرب بين الأيديولوجيات الغيبية والخيالية وبين التوجه العلمي المنطقي لمعالجة الأمور، بل ونشهد حتى لحظة يفترض بها أن تكون لحظة وعي تجعلنا نفكر في شكل النظم الاقتصادية والسياسية التي تنفق المليارات على السلاح، ولا تنفق ربع ذلك لمراكز الأبحاث لدراسة كيفية التعامل مع الأوبئة وعلاجها، ومنصات التواصل الاجتماعي هي إحدى أهم ساحات صراع الأفكار والاتجاهات التي ستظهر نتائجها في المستقبل القريب، ولكم أخشى أن يتصرف البشر بذاكرة الذبابة ويلجؤوا إلى الغيبيات وأفكار صراع الحضارات مجدداً.


عمار عكاش، كاتب ومترجم سوري مهتم بالجنسانية والدراسات الثقافية، حاصل على إجازة في علم الاجتماع.

مصدر أرشيف الأيام
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.